إيزابيل أبي عون اللبنانية الاميركية، عاشت لخدمة الفقراء، بقيت مثابرة على خدمتها للإنسان الى ان توفيت. نفتخر عندما نرى او نسمع او نقرا عن إنجاز او اختراع تحقق في العالم على يد لبناني. نفتخر عندما نرى لبناني اعتلى مناصب عالية عالميا أو وصل الى النجومية. 

ولكن ما مدى تاثرنا عندما نسمع عن امرأة من اصل لبناني تلألأت في المجتمع الغربي بعدما كرست حياتها لخدمة أفقر الفقراء على مثال الام تريزا! تمنيت لو تعرف اللبنانيون على ابنة بلدهم  قبل وفاتها. التقيتها  خلال اقامتي في الولايات المتحدة الاميركية. هي التي وجدت في الكنيسة المارونية جذورها فحرصت على الالتزام بسماع القداس والمشاركة في كل نشاطات الكنيسة ومد يد العون لابناء بلدها الموجودين في بلاد الانتشار.

“مرهبا انا من لبنان، من أين سادي”.

هكذا اعتادت ان تعرف عن نفسها، وما عنيت بالقول “مرحبا انا من لبنان من عين سعادة “.

هي إيزابيل ابي عون، لبنانية الأصل ولدت في الولايات المتحدة الاميركية في ٢٢ تموز عام ١٩٢٦.  زارت بلدها الام مرة واحدة وتمنت ان تعود اليه مرة ثانية.

هاجر والدها مع أهله بعمر مبكّر. ما سمعته من ابيها عن سبب الهجرة، كان السعي الى حياة أفضل.

لماذا يمرض الانسان

ولدت ونشأت إيزابيل في ولاية اوهايو. تخصصت في علم التجارة، وكانت اليد اليمنى لوالدها في ادارة متجره. تعرفت الى زوجها Mac McMahel الاميركي الأصل وهي في سن السابعة عشرة وتزوجا بعد فترة وجيزة . لم تمر سنتان على زواجهما حتى أصيب Mac  بداء السرطان وبمرحلة  متقدمة .

حبها لزوجها ورفضها خسارته دفعها للتساؤل “لماذا يمرض الجسم”. و من خلال الدراسات والابحاث والتخصص بالطب الطبيعي Naturopathic Medicine التي قامت بها، تبين لها ان جسم الانسان باستطاعته ان يشفي نفسه بنفسه، وان الله أعطى لهذا الجسم نعمة الشفاء الذاتي.

بهذا المفهوم الجديد انطلقت ايزابيل لتجابه المرض المتفشي في جسم زوجها. فبعد اخفاق محاولة شفائه  بالأدوية والعلاجات الكيميائية قررت المضي في العلاج الطبيعي الذي يرتكز على الأعشاب والفيتامينات والتدليك.

تجاوب جسم Mac مع هذا العلاج وشفي شفاء تاما.

برأي إيزابيل ما حصل لزوجها لم يكن فقط نتيجة العلاج الطبيعي، بل يد الله. الأطباء في مستشفى كليفلاند الذين عاينوه كانوا يتصلون سنويا للاطمئنان والتأكد انه ما زال على قيد الحياة. بالنسبة لشفائه  ليس هناك تفسير طبي علمي. اما إيزابيل فهمت ان ما حصل معها هو دعوة من الله لكي تخدم المريض وخاصة الفقراء منهم كعربون شكر لما صنعه معها.

بدأت رسالتها سنة ١٩٧٩من ولاية اريزونا من المكان الذي أمضيا فيه مدة العلاج. في مدينة فينكس أعطت كل ما تملك لمن لم يملكوا شيئا على الارض. فكانت الام  والأخت والطبيبة والمساعدة الاجتماعية والمرشدة الروحية والمموّل، لم تفرّق بين لون وعرق ومذهب، ولم تكتف بمساعدة من يقصدها ؛ بل كانت تذهب بنفسها الى الأحياء الفقيرة برفقة زوجها . تملأ سيارتها طعاما وثيابا وادوية ، ولا تعود ادراجها الا بعد ان تتفقد العجوز وحاجاته ،  المريض ودواءه ، الطفل وطعامه ، الولد ومدرسته ، الشاب وجامعته ، رب العائلة وعمله.

مساعدة المحتاج

“مساعدة المحتاج هي ان تضع الحب والرحمة في مرحلة التطبيق”، هذا ما رددته دائماً . بمساعدة أطباء اخصائيين في الطب العام وطب الأعشاب، فتحت إيزابيل عيادة مجانيّة قصدها المحتاج من المدن المجاورة. وكانت على قناعة ان الدواء لا يشفي او يعطي اي مفعول اذا لم  يترافق بالصلاة والحب.

عام ١٩٨٠ أسست إيزابيل  whole life foundation  مؤسسة  خيرية رسمية هدفها تأمين  مسكن للذين لا مسكّن لهم ومساعدتهم . من خلال هذه الجمعية استطاعت ان تؤمن العديد من الخدمات : تأمين ماوى للمشردين، مأكل ، مدارس، جامعات، مياتم ، عمل . وكانت هي من يشرف ويتابع سير الأمور وبأدق التفاصيل .  عندما سألتها يوما عن صحتها، ابتسمت وقالت لي : “اشكر الله انني ما زلت على قيد الحياة  لقد تجاوزت ال  ٨٤ سنة ، اطلب منه ان يعطيني الصحة  والعمر لان هناك عائلات يعتمدون علي لاعالتهم

استطاعت ان تجذب العديد من الطبقة المتعلمة والميسورة  واصحاب نفوذ في المجتمع . منهم من دعمها ماديا والبعض معنويا والبعض الأخر تطوع للخدمة . فأصبحت جمعية “whole life foundation ” ولاكثر من ٣٠ عاما ، خلية متماسكة تعمل على مدار الساعة.

حصلت على أوسمة شرف وتقدير من رؤوساء جمهورية أميركا: جورج بوش، بيل كلنتون والرئيس الحالي باراك اوباما. الرئيس جورج بوش خصّها بزيارة للمركز خلال تواجده في ولاية اريزونا . كما انها كرمت من قبل السلطات الحكومية والكنائس المحلية والمنتشرة  كذلك كرمت من أفراد لها الفضل في ما هم عليه من  أطباء ، مهندسين، محاميين، اساتذة جامعات ، اصحاب وروساء شركات وامهات  صالحات في المجتمع . هي التي سعت لهم للحصول على منح مدرسية  وجامعية . هي التي ذهبت معهم لتعبئة طلب للحصول على الوظيفة. هي التي انتشلت الفتيات من براثن الشر والضياع وآوتهم وعلمتهم ووظفتهم واهتمت بأولادهم وأرسلتهم الى دور الحضانة. بجهودها أسست وجهزت أكثر من دار حضانة لتستقبل الأطفال الذين حرموا من ابسط حقوقهم وايجاد فرصٍ للأمهات بان يكملن الدراسة ويعملن.

هي التي تابعت وعن قرب الذين يتعاطون المخدرات، فأرسلتهم الى مراكز التاهيل،  وحرصت على زيارتهم أسبوعيا برفقة كهنة وعلمانيين . وتابعتهم حتى بعد خروجهم الى معترك الحياة.

مشيئة الأب السماوي

هذه السيدة اللبنانية الأصل ، عملت مشيئة ابيها الذي في السماوات . هي وأمثالها  طوبهم الرب في عظته على الجبل. تخلت عن كل شيء حتى عن معاشها الشهري من الضمان الاجتماعي هي وزوجها لتضعه في صندوق الجمعية ولتتساوى معهم في كل شيء. عاشت في منزل متواضع، أهداها احد المحسنين سيارة بعد ان تعطلت سيارتها، فأصبحت هذه الاخيرة غرفة عمليات متنقلة. تجيب على  كل الاتصالات “هنا إيزابيل، كيف أستطيع ان أخدمك”؟

بالرغم من مسؤولياتها وعملها المتواصل، لم تتوان إيزابيل عن الاهتمام بزوجها من تحضير الطعام الصحي والعصير الطازج وإعطائه الفيتامينات اللازمة. وهذا الاهتمام أبقاه على قيد الحياة الى أن توفي العام الماضي  وقد ناهز الـ٩٧ سنة.

زرتها قبل وفاتها بأسبوعين، لم اعلم انني التقيها للمرة الاخيرة. جلست معها ، تحدثنا عن الصعوبات المادية التي تواجهها في تأمين مساعدات بسبب الوضع الاقتصادي .

سألتها عن حالتها الصحية سيما وأنها تعرضت لعارض  صحي كانت نتيجته استعمالها الأوكسيجين بشكل شبه دائم . ابتسمت وقالت: ” الله لا يريدني لان مهمتي لم تنته بعد، لكنني لن أعيش طويلا سأنضم الى زوجي ماك”.

وعلى الرغم من تحذير الطبيب من خطورة وضعها الصحي، بقيت هذه المرأة بحماسها وغيرتها على المحتاج، تخرج يوميا  مع الأوكسيجين لبضع ساعات لتفقد أحبائها وتعود الى منزلها لتكمل نهارها على كرسيها بقراءة الرسائل والإجابة عليها.

توفيت إيزابيل في ٢٠ شباط  ٢٠١٦ وكما أوصت المقربين منها ولا سيما انا، ان يصلى على جثمانها في كنيسة مار يوسف المارونية اللبنانية في مدينة فينكس، وتدفن في دير مار جرجس للروم الأورثوذكس في مدينة فلورنس، اريزونا كاهن وابناء رعية مار يوسف ، ورئيس وجمهور دير مار جرجس احتضنوا إيزابيل وقضيتها الانسانية .

سألتها مرة:”هل شبهك احد بالطوباوية الام تيريزا دي كالكوتا”؟

الأم تيريزا

نظرت اليّ وأجابتني بصوتها الدافىء:”كنت اتصفح الجريدة يوميا، وفي احد الأيام رأيت صورتي على الصفحة الأولى وقد كتب بخط عريض – الأم تريزا ليس لديها أي دعم – . شعرت بالخجل لأن الام تيريزا انسانة عظيمة، تشجعت وحضنت الأبرص في ما اخوتها الراهبات لم يقمن بهذه المبادرة. وهذا ما أقوم به مع أفقر الفقراء، أحضنهم كما الام تحضن صغارها، وهم بدورهم يبادلونني هذا الحب”.

لم ترزق بأولاد، ولكن أولادها كانوا جميعهم في وداعها الأخير . مشهد يختصر حياة إيزابيل.

“ماما نحبك كثيرا، شكرا على كل ما فعلته لنا، يا احن ام في الدنيا”.

هذه هي إيزابيل ابي عون المرأة اللبنانية الاميركية التي على الرغم من تقدمها في السن وظهرها المنحني كانت تحرص على تصفيف شعرها والاهتمام ببشرتها ولباسها المحتشم، وكل هذا من اجل حبيبها Mac.

ماغي مخلوف