مع شروق كل شمس تتفتح عيوننا على أزمة بيئية جديدة ، تتفاقم يوم بعد يوم في شتى انحاء  العالم، مُهدِّدة توازنه  وتنوعه البيولوجي. مجمل هذه الأزمات غير ناتجة عن عوامل طبيعية أنما عن الإنسان الذي يستغل الموارد الطبيعة وثرواتها بشكل مفرط. المشكلةِ الإيكولوجية، هي “نتيجة مأساوية” لممارسات الكائن البشري غير الخاضعة للرقابة: لأنه، من خلال استغلاله المفرط للطبيعة، يُعرّض الأرضَ للتدمير ويُعرّض نفسَه لأن يكون بدورِه ضحيةَ هذا التدهور.

بيئتُنا مريضةٌ تئنُ من الجراح التي سببها جهلُ الإنسانِ وتسلطِه على نظامها الإيكولوجي، غيرَ آبهٍ بكل القيم والأخلاق. فأكل من الشجرة المحرَّمةِ محوّلاً جنتَنا الى جحيمٍ نارُها تحرقُ كلَّ ما هو مَعَدٌّ لخيرنا.

فتفاقمتِ الأزماتُ البيئيةُ المتتاليةُ والمتراكمة، والتي وحدَه الإنسانُ مسؤولٌ عنها نتيجةَ الإهمالِ  اللامبالاة وحبِ الذات، بغيةَ الإستئثارِ بخيراتِ البيئة التي وهبنا اياها اللهُ الخالقُ مجاناً، نتوارثُها من جيل الى جيل.

فالمسؤوليةُ تقع علينا أولاً وعلى المسؤول ثانية. لم يعد من المسموح ان نقف موقفَ المتفرجِ على انهيار منزلنا الطبيعي الذي ائتُمِنَّا عليه من قبل الخالق. البيئةُ إرثُ اولادِنا من بعدِنا، لم يعد من المسموح ان نقف مكتوفي الأيدي مكبَّلين مكتفين برمي المسؤوليةِ على الغير وعلى الدولةن بحجةِ عدم القدرة على فعل أي شيء مدّعين اننا من اصدقاء الطبيعة…. متهمينَ الآخرينَ بتلويث البيئة.

أخي بالمواطنية، كلُ واحدٍ منا مسؤول، كلُّ واحدٍ منا يساهمُ من قريب او من بعيد عن قصد او عن غير قصد عن ادراك او عن عدمه وبنسبٍ متفاوتةٍ عن ارتفاعِ معدل الملوثات في البيئة ولم يعد وللأسف من الممكن الغاءُ مسبباتِ التلوثِ من حياتنا اليومية، انما يمكننا التخفيفُ منها. لذا على كل واحدٍ منا ان ينظر الى الجذعِ الذي في عينه … وان نتعاونَ مع بعضنا البعض على الحدِّ من التلوث.

لذلك علينا ان نعيد النظر في طريقة عيشنا وسلوكنا التي أكتسبناها من حملات إعلانية تحول المجتمعات الى سوق أستهلاكية مبذّرة بغية الكسب الماديّ السريع. وذلك بجعلنا  نشعر أننا بحاجة ماسة الى الكثير من أشياء لايمكن الاستغناء عنها وإلا تصبح حياتنا صعبة ومستحيلة. إنما أذا فكرنا بعض الشيء وجدنا أن العكس هو الصحيح .

ان نفكر جدياً بتغيير طريقة استهلاكنا: حاجة ملحة.

لا يملك الإنسان  الأرض انما هو  المسؤول عن  إستمرارية الحياة فيها، ليس  فقط لأننا نحب المناظر الخلابة أو زقزقة العصافير وهذا جيد، بل  لأننا نعيش فيها وهي مصدر حياتنا ورزقنا .

البيئة بجمالها وخيراتها والراحة التي تؤمنها للإنسان هي المرآة  التي  تعكس مدى  محبة الله الخالق اللامحدودة لنا.

لذا يجب  أن نحيا حياة معتدلة وحكيمة. نستهلك  ما نحن بحاجة اليه مبتعدين عن الطمع   لنحافظ على حقنا وحق الأجيال القادمة فيها.

على الجميع أن يتحمل مسؤولية حماية البيئة بدون استثناء لأنه واجب أخلاقي لكل البشر.

التلوث البيئي ناتج عن تلوث اخلاقي وفكري. إن حفظ البيئة ليس حكرا على وزارة البيئة  فقط، هذه مسؤوليّة عامّة يجب ان تدخل في اخلاقيّة وثقافة الانسان.

التلوّث البيئي ناتج عن التلوث الاخلاقي والفكري

الأرض هي المائدة التي دعينا جميعاً اليها لنأكل منها ما لذّ وطاب، ولكن  باعتدال وليس بشراهة.

البيئة تطلب منا ضميراً حياً، أخلاقاً وحسن تصرفّ مقرون بالثقافة والمعرفة العلمية كي نسبح الله ونمجدّه معاً بخلائقه .

علينا ان نتذكرَ دائماً انه لا يحق لنا تجاهلَ الآخر و تشريعِ القوانين التي تلائم اهواءَنا وجشعَنا،  لأن هذا المنطق هو سببُ الدمار الشامل للبيئة الطبيعية والإجتماعية وسببُ فقدانِنا للسلامِ الداخلي والخارجي. فالشركةُ والمحبةُ هي السبيلُ الوحيد للحفاظ على بيتنا المشترك.

إن موضوع التدهور البيئي يضع في قفص الاتهام تصرفات كل واحد منا لهذا ينبغي أن يحدث تغيرات في عادات الاستهلاك ،وهذا يتطلب تربية بيئية.

فمن النبيل جدًا الالتزام بواجب الحفاظ على الخليقة من خلال القيام بأعمال يومية صغيرة، ومن الرائع أن تتوصل التربية إلى تحفيز هذه الأعمال حتى تحولها إلى نمط حياة. يمكن للتربية على المسؤولية البيئية أن تشجّع سلوكيات مختلفة، ذات تأثير مباشر وهام في مسألة العناية بالبيئة.

أن البيئة في لبنان مميزة لأنها مذكورة  في  الكتاب  المقدس

يتغنى الكتاب المقدس بطبيعة لبنان الخلابة واخضراره الدائم ومياهه الغزيرة العذبة وغاباته الكثيفة، على أنه مبعث إلهام لأنبياء الكتاب المقدس.

بيئة بلدنا جنة الله على الأرض أين نحن منها اليوم ؟

لقد أخفقنا  في تحمل هذه المسؤولية والسبب يعود الى تربية لا تعلمنا شيئاً سوى التباهي بأمجاد وأساطير دون أن تعلمنا معناها ومغزاها.

السؤال المطروح اليوم

لماذا لم يذكر الكتاب المقدّس وطناً بأجمل الأوصاف كما ذكر لبنان؟

لأن الله الخالق جعل من بيئة لبنان  نموذج عن جنته يتجلّى على جبلها  ومن أريج بساتينها يفوح عطر محبته.

هنا  يكمن حجم مسؤوليتنا تجاه الله الخالق في المحافظة على هذا النموذج كي يبقى الكتاب المقدس مفهوم ودليل الى طريق الرب.

التربية ليست محصورة بالوالدين او بأساتذة التربية إنما الجميع هم في شراكة واحدة في العمل التربوي والدور الأساسي والرئيسي في هذا العمل هو لك يا امرأة …  مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ تستطيعين تسريع مواعيد الخلاص فأنت الأم والأم طلبها يستجاب انت اليوم وحدك تستطيعين بالتربية ان تستعجلي ابنك ليحول ماء البيئة الملوثة الى بيئة خمريّة تفرح قلوب المدعوين من جيل الى جيل.

بالله عليك يا امرأة تمسكي بالمهمة الموكلة لك، مهمة الأم المربية، تمسكي بدورك يا صانعة الرجال فأنت ملح العائلة والمجتمع وخميرته الجيدة، وعظمتك وحريتك تكمن في مملكتك الصغيرة وليس خارجها.

أدعوكم اليوم  إلى ثورة بيئية خضراء لأنقاذ الارض

الى ثورة بيئيةٍ موجهةٍ ضد :
*اللامبالاةِ
*الطمعِ
*ثقافة الهدروالأنانية
*الاستهلاك المفرط والجشع
*الهروب من المسؤولية.
انها ثورة على الذات … انها ثورة على «الأنا».

لأننا عدلنا بنظامها الأكولوجي … لأننا سببنا تغييرات مناخية … لأننا لوثنا مياهها … لأننا سممنا هواءها … لأننا أفسدنا تربتها … لأننا أزلنا طبقتها الخضراء

وهذا يعود الى  تلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من دخان المصانع وعوادم السيارات….

ففي لبنان اصبح عدد السيارات يفوق قدرته الإستيعابية وخصوصاً الشاحنات الضخمة و سيارات ذات الدفع الرباعي التي تنتج أكثر من غيرها من الغازات السامة، ويزيد على ذلك طريقة قيادتنا ومخالفات القوانين التي تسبب زحمة السير مما ينتج عنها ثلوث خطير للهواء،  إذاً يجب الحد من استعمال السيارات والعودة الى المشي او استعمال النقل العام.

يجب أيضًا الوضع في الحسبان التلوث الناتج عن النفايات، بما فيها تلك الخطيرة والموجودة في أوساط مختلفة. إننا ننتج سنويًّا أطنان من النفايات، الكثير منها غير قابل للتحلل: نفايات منزلية وتجارية، وبقايا أنقاض الهدم، ونفايات طبية، ونفايات إلكترونية أو صناعية سامة للغاية.

إن هذه المشاكل هي ذات صلة وثيقة بثقافة الهدر والاستهلاك المفرط والجشع.

المطلوب ثورة بيئية خضراء

في لبنان حل أزمة النفايات ليس فقط بالفرز وإعادة التدوير أنما بالحد من الأستهلاك المفرط للمنتجات الملوثة للبيئة ومن انتاج النفايات قبل التفكير بتدويرها لأن التدوير هو الجزء الثالث من عملية أدارتها .

منذ بدء أزمة النفايات حتى اليوم وبسب حرقها في الهواء الطلق، ارتفعت نسبة الديوكسين المسرطن في لبنان إلى أكثر 416 مرة.

كما يجب الحد من استعمال المفرط للمياه والكهرباء، والعمل بجدية على  زيادة المساحات الخضراء وخصوصاً في المدن بالزرع على السطوح والشرفات وكل مكان.

لنستغل كل مناسبة سعيدة او حزينة ونزرع شجرة تخلد المناسبة وتكون مصدرا للحياة

من هنا يجب ايضا تنظيم قطاع البناء والحد من التوسع العمراني على حساب الطبقة الخضراء وتشجيع القطاع الزراعي وتصريف انتاجه.

في لبنان مرض السرطان للأسف أصبح شائعا جدا، ففي العام 98 سُجّلت 4400 حالة إصابة بالسرطان، وفي العام 2008، شُخصت 8200 حالة. ومن المتوقع أن تُشخص 11500 حالة إصابة بالسرطان هذا العام.

أذاً المطلوب  لإنقاذ كوكب الأرض، وحماية البيئة التي هي مهمة ومسؤولية الجميع، هو تغير االكثير من العادات المسببة لتلوث البيئة. فعلى الجميع حماية البيئة بدون استثناء لأنه واجب أخلاقي على كل البشر. باختصار المطلوب هو ارتداد بيئي…
هل تستطيع سيدي أن تقلع عن مزاولة هواية الصيد الذي يتسبب بأنقراض أهم عنصر طبيعي وأساسي لأستمرارية الحياة؟
هل تستطيعين سيدتي أن تتخلي عن سيارتك الرباعية الدفع التي تبخ انبعاثات  تسبب أمراضاً  لك ولعائلتك التي تحبين؟
هل نستطيع جميعاً  ان نتخلى عن  العادات التي تسبب انتشار الأمراض السرطانية  كالإفراط في استعمال أكياس النيلون والمواد البلاستيكية؟
أذا كان الجواب لا !
هل صحيح أني مازلت على صورة الله ومثاله؟
هل صحيح  أنني مازلت أميناً على الوزنات التي هي أمانة بين يدي، أم طمرتها في التراب كعبد السوء؟
هل يحق لي أن أسمّى أنساناً وأدعي الأنسانية؟
هل يحق لي الإدعاء أنني أعمل على تأمين مستقبل أولادي؟
هل مستقبلهم هو فقط المال والعلم والشقة والسيارة وغيرها من مستلزمات الحياة ؟ أو ليست العناصر البيئية كالهواء النقي، والغذاء الصحي، والماء الخالي من السموم، والمناظر الخلابة التي خلقها الله لمتعة النظر،كما خلق الطبيعة بمجملها لراحة الإنسانية وخيرها، من مستلزمات الحياة؟
ماذا ينفعنا أذ ربحنا المال كله وخسرنا صحتنا وصحة أولادنا وحياتهم؟
جملة أسئلة أتركها لضمير كل واحد منا … فلنقف أمام الله ونجيب عنها.

 

أنطوان تيّان
رئيس نادي العلوم

 العدد الثامن والتاسع