نبيل بو منصف
نائب رئيس التحرير في النهار

    تشكل أزمة الصحافة المطبوعة في لبنان جزءاً لا يتجزأ من الواقع الذي بلغته الصحافة العالمية في ظل الثورة الالكترونية والصحافة الالكترونية التي كادت تغدو الخطر المصيري القاتل المحدق بالصحافة التقليدية. ومع ذلك لا يمكن ان نعزو اسباب ازمة الصحافة اللبنانية بالكامل الى الواقع العالمي الاوسع لان ثمة حيثيات وأسبابا ووقائع خاصة بالوضع اللّبناني يكمن وراء التراجع الكبير الذي اصاب الصحف والصحافة والاعلام عموما في لبنان. يمكن في نظرة موضوعية الى واقع الصحافة المطبوعة التقليدية اليوم تقليب اسباب تراجعها ووضع الاصبع عليها من منطلقين محلي وخارجي. في المنطلق الداخلي لا شك في أن الدوافع والحقائق الاقتصادية تلعب الدور الحاسم والاول والأخير في تطور الصحافة اللبنانية او تراجعها بالمعنى الذي يفتح معه باب تمويل الصحافة. غالبا ما عجزت الصحافة اللبنانية عن التمتع باستقلالية مالية كاملة فلجأت إمّا الى وسائل تمويل تربطها برؤوس أموال من شأنها ان توظف اتجاهات الصحافة في السياسة كالارتباط بدول مثلا. وإمّا لجأت الى مشاركة رؤوس أموال خاصة منها ايضا سياسية في تكوين الشركات التي تمتلك الصحف. في كل الأحوال لم تستطع الصحافة الاستقلال كليا من الناحية المالية ولكن ظلت المردودات الإعلانية مع مردودات مبيعات الصحف السند الاساسي لديمومة الصحف. بدأ هذا الواقع يختل اختلالا عميقا وجديا وخطيرا في السنوات الخمس او الست الاخيرة وتحديدا منذ ضربت المنطقة زلازل الثورات والاضطرابات الدامية لان الواقع الاقليمي معطوفا على أزمات لبنان السياسية والامنية والاقتصادية أثر تأثيراً خطيراً على واقع الإعلانات عموما التي بدأت مردوداتها تتراجع بحدة تصاعدية وتؤثر بقوة هائلة على مصائر الصحف اللبنانية. يضاف الى ذلك ان الصحافة اللبنانية التي تكابد المصاعب الجمة في تحصيل التمويل اللازم لديمومتها لا تجد اي دعم من جانب الدولة اللبنانية وفشلت كل المحاولات التي بذلت لإيجاد مسارب دعم رسمية لها في ازماتها المتصاعدة فكان ان بدأت ظاهرة اقفال صحف كبرى أو تهديد صحف أخرى بأزمات مالية عاصفة.

العامل الاخر الخارجي يتصل بالمتغيرات الهائلة التي حصلت في العقد الاخير على مستوى التقدم الساحق لوسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الالكترونية على حساب الصحافة التقليدية. لا يزال هذا السباق المصيري الذي تخوضه الصحافة التقليدية كصراع بقاء جدي وحقيقي على أشده في كل انحاء العالم ولا سيما في الغرب عموما. الصحافة الغربية ولا سيما منها الاميركية والاوروبية تخوض انواعا متغيرة وسريعة من التطوير الدائم للحفاظ على الصحافة المطبوعة ومع ذلك لا تزال تتراجع امام الصحافة الالكترونية. لذا ليس غريبا ان تكون الصحافة اللبنانية امام أخطر مراحلها وأشدها انهاكا لأنّها لا تمتلك القدرات الضخمة المالية المماثلة للصحافة الغربية او الخليجية ومع ذلك تقاوم بقوة التراجع امام جماهير القرّاء الذين يتركون الصحافة المطبوعة تباعا وبأعداد كبيرة كما تقاوم امام التراجعات الاقتصادية العامة التي تضرب واقع لبنان وتهدد كل قطاعاته. ويصعب وسط هذه المصاعب التكهن بمآل هذا السباق المصيري ومداه الزمني.

العدد العاشر