“أنت أخي” مدرسة حياة وتنشئة لتغيير شخصي وبناء الانسان من خلال الانسان والعيش معاً حقيقة الكيان الانساني. والملفت اطلاق من يرتادون هذه المدرسة “الشبيبة” وليس كما درجت تسميتهم في المجتمع “معاقون”. إنما المصطلح الذي ينبغي تسميتهم به “أشخاص مصابون بإعاقة” سواء ذهنية أو جسدية ، لأن كل انسان لديه إعاقة قد لا يكتشفها إلا أصحاب الاختصاص.

جمعيّة “أنت أخي” تأسست في العام 1992 لتحتضن أولاد الـ sesobel “سيزوبيل” عندما يبلغون سنّ التاسعة عشرة، فتهتمّ بهم وتكون عائلتهم الثانية أو البديلة وتقديم خدمة وحياة كريمة للشخص المصاب بإعاقة، ويبقون فيها لمدى الحياة إلى حين انتقالهم إلى أحضان الله وفق الرسالة التي تركتها إيفون شامي(مؤسِسة الجمعية).

“أنت أخي”جمعية لبنانية خاصة لا تبغي الربح، معترف بها من قبل وزارة الداخلية اللبنانية تحت علم وخبر رقم 152\اد، بهدف تأمين حياة كريمة للشخص المصاب بإعاقة، والعيش كعائلة في مسيرة حب مستمرة.

ترتضي شروط العيش في هذه العائلة احترام حياة الجماعة والسعي إلى العيش بفرح ورجاء رغم كل الصعوبات، القبول بالعمل على الذات للتغيير والتطور الايجابي، التقيد بالبرنامج اليومي توقيتاً وحضوراً، حسن التصرف و احترام المرجعية والمرافقين وكل من يقوم بالخدمة، بالإضافة إلى ما توفّره الجمعية من  برامج ثقافية وتربوية واجتماعية وإلى محاولتها إشراك المصابين في عملية اتخاذ القرارات .

إن رسالة “أنت أخي” مع الشبيبة المصابة باعاقة هي تأمين متطلبات مسيرة حياتهم اليومية من أجل حياة كريمة ومرافقة حياتهم والتعبير لهم عن أهميتهم وقيمة كل منهم كإنسان والمساهمة في تطوير قدراتهم على تحمل المسؤولية وإعطاء لحياتهم معنى … وذلك من خلال المرافقة والتدريب ومساعدتهم في اكتشاف إمكان عيش السلام في قلوبهم، الحرية الداخلية، ومواجهة صعوبات حياتهم بفرح في قلب الجماعة والاستعداد بصفاء للانتقال من هذا العالم الى حضن الآب. وتعمل الجمعية أيضاً مع العائلات لمرافقتها ومساندتها لتجنب ارهاق الأم بشكل خاص وتحضير المتطلبات بخاصة القانونية منها المتعلقة بمستقبل ولدها المصاب بعد والديه. وتنطلق الى المجتمع لتأهيل المعافين لعالم الاعاقة عبر الاعلام والتنشئة للوصول الى تغيير في النظرة والقيم وانشاء شبكة أصدقاء لمرافقة مسيرة حياتهم مع الجمعية.

وتسعى الجمعية عبر نشاطاتها المتنوعة الى بناء عائلة كبيرة، جماعة تحيي معنى الحياة تتكون من أشخاص معافين، شبيبة مصابة بإعاقة، عائلات، وأفراد علمانيين يرغبون في “العيش معاً مختلفين ومتكاملين بسلام ومحبة وفرح وكإخوة”. وتشدد الجمعية على “عيش طاقة الحب بكل متطلباتها بحيث يكون الأضعف في قلب عائلتنا ومساعدته على عيش دعوته كانسان وابن الله”.

البرنامج الوجودي

وتمتاز الجمعية ببرنامج التدريب الوجودي الذي تطبقه والقائم على فكرة أنسنة الإنسان، أي أن يعرف الشخص المعافى قيمة حياته ونفعها من خلال صعوبة حياة الشخص المصاب. ويلتحق بهذا البرنامج طلاب المدارس والجامعات والأفراد من لبنان والخارج حيث يصل عدد المشاركين في البرنامج سنوياً ما يقارب 3000 شخص،  بحيث يتلقون ساعة تنشئة أو أكثر بهدف التعرف على الانسان الذي يحمل إعاقة ليكون لهم دورمعهم في الحياة وتغيير نظرة المجتمع من خلالهم الى الأشخاص المصابين بإعاقة.

تغيير ذهنية المجتمع

وتشير مسؤولة في “أنت أخي” ميرنا أبو قدح درغام الى مميزات هذه الجمعية التي تعمل مع مجموعة مكونة من 22 شخصاً يقيمون بصورة دائمة في المؤسسة لنشهد للرب ، هذه رسالة هدفها الانسان ككل لأن المشكلة تكمن في الشخص المعافى وليس المعاق ، من هنا ينبغي تغيير ذهنية المجتمع إزاء الاعاقة ، فالانسان له كرامته لأنه ابن الله ولو كان لديه اعاقة سواء جسدية أو عقلية.

تحتضن المؤسسة 67 شاباً وصبيّة لديهم إعاقات عقليّة أو جسديّة ويعانون من أمراض تراجعيّة، أو متعدّدي الإعاقات، وفق ما تقول ميرنا درغام ويتوزعون على أربعة أقسام:

– الفئة ذات الإقامة الدائمة، التي تصبح “أنت أخي” بالنسبة لها عائلة ثانية.

– الفئة التي تأتي إلى المركز في إطار برنامج نهاري من يوم الاثنين إلى الجمعة ضمن إطار برامج تنمي طاقاتهم وعلاقاتهم.

– الفئة التي ما زالت تحت رعاية السيسوبيل والتي تأتي إلى “أنت أخي” في أوقات النهار أو خلال عطلة نهاية الأسبوع بهدف التنشئة وعيش لقاءات الصداقة مع الآخرين.

– الفئة التي تستفيد من رعاية “أنت أخي” في ظروف طارئة (مرض، وفاة، نقاهة للشخص المصاب وظروف عائلية صعبة).

وعن وجودية “أنت اخي” تقول درغام  لشباب وبالغين مصابين بإعاقة عقلية أو متعددي الاعاقة، يتمّ استقبالهم وفق متطلبات المرافقة والوضع العائلي.  وتضيف “هناك 230 شاباً وصبية مصابين باعاقة يتلقون برنامج التنشئة الوجودية والروحية لترد على تساؤلاتهم : لماذا حياتي؟ لماذا انا موجود؟ من أنا؟ أنا لماذا؟ هي اضاءة على حياة كل انسان وأن يأخذ موقفاً إزاءها بكل صعوباتها ويعيش فيها وتساعدهم الشبيبة على معرفة أهميتها ودورهم في الحياة. وقد يوجد في العائلة أربعة أولاد مصابين فالمؤسسة تكون سنداً لها بحضورها المعنوي دون ان تحل محلها”.

الحفاظ على الروابط العائلية

ومن الشروط الأساسية التي تفرضها “أنت أخي” على الأهل هي أن تبقى العلاقة الأسرية قائمة بين المصاب وأهله لأهمية الإبقاء على التواصل والروابط العائلية وضرورة عيش المصاب بإعاقة لأطول فترة ممكنة في محيطه العائلي في حال كانت عائلته قادرة على احتضانه. أما في حال عدم قدرة العائلة على احتضان ولدها المصاب، فيجب عليها أن تستقبله مرة أو مرتين في الشهر لتمضية عطلة نهاية الأسبوع مع العائلة، وفي حال عدم قدرة العائلة على ذلك وجب عليهم الحضور مرتين في الشهر إلى الجمعية لتمضية بعض الوقت مع ولدهم.

وتؤكد درغام أن رسالة الجمعية ليست الشخص المصاب بقدر ما تطال الانسان ككل ، وأن تشهد للناس من خلالهم، وألا يضعوا حدوداً لحياتهم بسبب إعاقتهم الصغيرة.

وتقول درغام :” نعيش في المؤسسة كعائلة ، نذلل الصعوبات من خلال التنشئة بحيث أن للكنيسة دورها، فهي الأم والمعلمة،الى جانب المرافقة الروحية ، يعني أن العمل يتكامل بين المؤسسة والكنيسة لبلوغ الهدف الأسمى. فيأتي الاكليريكيين (الذين يتحضروا للكهنوت) باقامة فترة تدريب في المؤسسة ليصبح لديهم المام وتقنية التعامل مع مصابين باعاقة لاحتضان أمثالهم في رعاياهم . وكذلك العلمانيون لاكتشاف دورهم إزاء هؤلاء الأشخاص في المجتمع ومساعدتهم.

وتُبنى رسالة الجمعية على القيم والمبادئ التي تسمح للشخص المصاب بأنه يختلف عن الآخر من دون خلاف بسلام وفرح رغم الصعوبة. وهدفها مرافقته في الحياة اليومية من طبابة واكل وشرب ونوم …وكذلك الاهتمام بأهل الشبيبة للحفاظ على علاقتهم ووجودهم الى جانب أولادهم المصابين باعاقة وتأهيل المعافين على عالم الاعاقة وتغيير نظرة العالم الى الاعاقة والمساواة معهم بالقيمة والكرامة.

الشهادة والرياضات الروحية

إن برنامج الشبيبة اليومي يرد على حاجاتهم اليومية الطبية والتاهيلية والتربوية والروحية والوجودية. وتنطلق الى المجتمع لتعيش رسالتها وتعمل على تغييرنظرة المجتمع اليها. كما أن كل شخص في الشبيبة لديه دوره للشهادة رغم الصعوبات التي يحملها، وبأنهم محبوبون من الله والمجتمع كما هم. يتعمّقون بكلمة الله ويقومون برياضات روحية . وهناك جماعة ست البيت التي تعمل باستمرار وكانت قد كرست يوم 8 ايلول موعداً لتكريسها سنوياً بالخدمة والعطاء.

المساعدات المادية والعينية

وعن كيفية استمرار “أنت اخي” تشرح درغام أن الدولة تؤمن 2% والأهل2% وتؤمن الجمعية 96 % من مشاريع داخل المؤسسة (توأمة بمبلغ10 دولار في الشهر، المساعدات العينية، سهرات ونشاطات…).

وتتخطّى متطلبات المؤسسة قدرة أي جمعية مهما كانت إمكاناتها، وتستدعي دعماً من الدولة والجهات الرسمية والخاصة لتأمين ديمومة العمل، فالجمعية تقوم على المساعدات المادية والعينية وغيرها. ويساعدها في ذلك شبكة من الأصدقاء والمتعاونين في لبنان والخارج وقرروا المساهمة عبر هبات وخدمات متنوعة .

ومن المشاريع المستقبلية التي تطمح “أنت أخي” إلى تحقيقها، توسيع أو إضافة مبنى آخر للجمعية كي تتمكن من استيعاب أكبر عدد ممكن من المصابين. وهي تضيء شمعة تُبعد شبح الظلمة وتنشر الفرح والأمان …

منى طوق

العدد الثامن والتاسع