يُلقّب برجل التأمين الأول وبعرّاب مشروع ضمان الشيخوخة، والمناضل الشرس لتحقيق نظام يؤمّن العدالة الإجتماعية الفعليّة. وهو أحد أهم المرجعيات الاقتصادية والأكتوارية في قضايا التأمين والضمان. يؤمن بأنه يحقّ لكل مواطن الحصول على الضمان الإجتماعي الذي يشكّل حماية لأمنه القومي. جريء في مواقفه الى أقصى حدّ، ولا يخاف ان يسمّي الأمور بأسمائها. يرفع الصوت عالياً ويحذّر من سقوط نظام الضمان الذي يشكّل فعلياً الضامن الجوهري والضمانة الحاسمة لبقاء الأجيال الناشئة والوطن.

هو الأمين العام للرابطة المارونية وعضو مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي والرئيس السابق لمجلس إدارة شركة اليانز سنا (ALLIANZ SNA) السيد انطوان واكيم. 

مسيرة نجاح تحدّت ظروف الحرب

من مواليد بيت مري في المتن الشمالي. بدأ دراسته الجامعية في مركز الدراسات الرياضية والفيزيائية التابع للجامعة اليسوعية، ثم غادر الى سويسرا حيث كان اللبناني الاول الذي ينال في العام 1967 شهادة اكتواري (Actuarial science) من جامعة لوزان، وقد انتُخب في العام 1969 عضواً فاعلاً في جمعية الاكتواريين في سويسرا واستمرّت عضويّته حتى تقاعده. بعدها عاد واكيم الى لبنان حيث عمل مديراً في الشركة الوطنية للضمان (سنا) التي كانت تملك قسمَها الأكبر شركةٌ انكليزية وكانت من كبريات شركات التأمين في العالم، وأول شركة تطلق التأمين الصحّي ثم تأمينات الحياة والتقاعد في لبنان والعالم العربي، محققة نجاحاً باهراً. وفي الوقت عينه، كان واكيم يعلّم مادة الرياضيات في  المركز البلجيكي Centre Belge (الذي كان يقصده آنذاك طلاب من رجال الاعمال وكبار موظفي المصارف)، ويدرّس ايضاً مادتي الرياضيات والرياضيات الاقتصاديةً في كلية العلوم التابعة للجامعة اللبنانية في الشويفات. عندما بدأت حرب “المؤامرة” كما يسمّيها واكيم (رافضاً ومستهجناً تسمية الحرب الاهلية) في العام 1975، انتقل المركز الاقليمي لشركة “سنا” الى عمّان بصورة موقّتة، وتم تأسيس شركات عدة هي: “La Morocaine vie” في المغرب، و”Maghrebia” في تونس، و”النسر الاردني” في الاردن، وشركة اخرى في السعودية، الى جانب مكتب تطوير تقني لهذه الشركات في باريس، ثم شركة في مصر، الى ان انضمّت الشركة العالمية “أليانز” الى مجموعة “سنا”. في تلك الفترة كان واكيم قد أصبح عضواً في مجلس ادارة الشركة الأم والرجل الثاني فيها، وكان يمضي وقته بالتنقل من بلد الى آخر للاشراف على هذه الشركات. يقول واكيم: “كان لدى شركائنا في العام العربي حسّ تضامني معنا، فكانوا يسعون لتأمين تأشيرات الدخول الى بلادهم ويستقبلون موظفينا استقبالاً عربياً أصيلاً”. ويتذكّر واكيم بفخر تعتريه الحسرة الفترة الذهبية لبيروت قبل الحرب، حين كان بامكان اللبناني السفر الى البلاد العربية من دون الحاجة الى جواز سفر، وكان بامكانه الحصول على تأشيرة الفيزا الى دول اوروبا خلال 24 ساعة، وحين كانت الليرة اللبنانية تُعرض في الفنادق والمطارات العالمية الى جانب أهم عملات العالم. يعود واكيم ويتابع ان شركة “أليانز سنا” تميّزت بثلاثة أمور هي:

“أولاً: مع عودة السلام الى لبنان جعلنا من بيروت مركزاً لكل شركاتنا وأبقينا عليه بالرغم من حرب تموز 2006 وتصدّينا للضغوطات الهادفة آنذاك الى نقل المركز الى البحرين.

ثانياً: طوّرنا عقود وبرامج التأمين لتمتدّ الى التأمين على الحياة وعلى التقاعد والتأمين الصحّي والتأمين العام، وقد شكّلت مرجعاً للعقود الحديثة. وحالياً يتم استعمال النظام الالكتروني الذي طوّرناه، في كبريات الشركات العربية الناجحة.

ثالثاً: لعبنا دوراً اجتماعياً خدماتياً في المجتمع اللبناني من خلال جمعية “Help Lebanon” التي ساهمت في اعادة تأهيل أحياء عدة في بيروت وبعلبك وصيدا”.

من التأمين الى الضمان

اهتمام أنطوان واكيم بالقضايا الاجتماعية وحرصه على ان يحذو لبنان حذو البلاد المتطورة على صعيد الحماية والعدالة الاجتماعية، بالاضافة الى خبرته المهنية وحسّه الوطني اللافت، هي من أهم الحوافز التي دفعته الى الإنضمام الى مجلس ادارة الضمان الاجتماعي في لبنان ممثِلاً تجمّع رجال الاعمال وشركات التامين.

يعتبر واكيم ان صندوق الضمان الاجتماعي هو بمثابة “العمود الفقري للإستقرار السياسي والإجتماعي والإقتصادي”، مشيراً الى ان “رجال السياسة في الدول المتطوّرة يضعون في مقدّم خطابهم السياسي مسألة العدالة الإجتماعية، كونها أساساً من أسس الأمن القومي والانصهار الاجتماعي والوطني”. ويؤكد واكيم ان “ملف الضمان يمثّل في لبنان قضية ضمير وطني، لكنها قضية مهملة من قبل ممثلي الشعب بدليل غياب الملفات الإجتماعية والتنمويّة والإقتصادية عن أولويات مرشحي الانتخابات النيابية اللبنانية الأخيرة.” ويرى واكيم “ان ما يشكّل حماية الأمن القومي في لبنان ليس القضايا الإجتماعية، بل الهاجس الأمني الطائفي الذي يستخدمه الجميع للجلوس على الكرسي، من منطلق فكري اقطاعي غير اجتماعي”. علاوة على ذلك، يلفت الى “ان رواتب وتعاضد ومخصصات كل نائب من نوابنا تبلغ سنويا، ما يوازي 12 مرة الدخل القومي الإجمالي، في حين انه على سبيل المثال يوازي معاش النائب في انكلترا مرتين الدخل القومي، وفي فرنسا مرتين ونصف…” ويتابع: “اضافة الى ذلك، يحصل كل نائب لبناني بعد خروجه من المجلس على معاش تقاعدي لمدى الحياة، يُحدَّد تبعا لعدد الدورات التي فاز بها، وتتقاضى عائلته بعد وفاته المبلغ الذي كان يتقاضاه بعد خروجه، وهو أمر لا يتمّ في اي بلد آخر من العالم”. ويؤكد واكيم ان “هذه المسألة هي بمثابة جريمة اقتصادية يدفع ثمنها المواطن”. ويضيف: “لا عجب اذاً في ألّا يعطي نوابنا الأولوية للشأن الإجتماعي، لأن لا همّ لديهم، ولذلك نراهم يذهبون الى البرلمان كمن يذهب في نزهة”!

الصندوق مريض ومشاريع الاصلاح نائمة     

وفي إطار آخر، يقول واكيم: “لقد شكّل صندوق الضمان الإجتماعي منذ إنشائه في مطلع الستينيات في عهد الرئيس فؤاد شهاب إنجازاً إجتماعياً رائداً في لبنان والعالم العربي، استطاع ان يشكّل سدّاً منيعاً في وجه مدّ الفكر الاشتراكي الذي وصل الى الحدود اللبنانية في تلك الحقبة. لكن الصندوق أضحى اليوم مؤسسة مريضة تفتقد الى الإدارة الرشيدة الحديثة والى التوازن المالي. وعلى مدى العشرين سنة الماضية، اقرّت الحكومات ثلاثة مشاريع قوانين لاصلاح نظام الضمان الإجتماعي على صعيدي التقاعد والوضع الاداري العام، لكنها لا تزال نائمة في ادراج المجلس النيابي”. ويذكّر واكيم بانه من الذين أطلقوا أول مشروع قانون يهدف الى تعديل قانون الضمان واستبدال نهاية الخدمة بنظام تقاعدي يشمل جميع اللبنانيين ويصبح إلزامياً على مرحلة تمتدّ الى خمس سنوات.

لضمان بقاء الضمان

ويؤكد واكيم أنّ “الضمان الإجتماعي يعاني حاليا من أزمة عصيبة ويواجه مصيره بعيداً عن اهتمام المسؤولين والسياسيين، بعدما تعثّر في تحقيق أهدافه الأساسية، ومنها ما يتعلّق بعدم تنفيذ بعض المخاطر التي تشملها الحماية الاجتماعية، ومنها ما يتعلّق بتطبيق فروع تعويض نهاية الخدمة وضمان المرض والأمومة والتقديمات العائلية، وبعدما أخفق في لعب دوره في تحقيق الأمن الإجتماعي، وفي الإسهام في التنمية الشاملة، وفشل في تأمين قيم التضامن والمساواة والعدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية.  لذلك أصبح إصلاح الضمان الإجتماعي ومنعه من الإنهيار واجباً وطنياً على كل المسؤولين في البلد، بدءاً من رئيس الجمهورية  والرؤساء الروحيين، وصولاً الى  العمال” الذين يصفهم واكيم بأنهم حاليا “غائبون عن الوعي”… ويدقّ انطوان واكيم ناقوس الخطر قائلاً:”نحن على أبواب مجاعة ولا وجود لخطة استراتيجية او حتى لخطاب سياسي يدعو الى الإصلاح”. ويحذّر من “انهيار أخلاقي واقتصادي لا تّحمد عقباه، ما لم يُعطِ مجلسا النواب والوزراء الأولية لإنقاذ هذه المؤسسة الوطنية الجامعة، ولتحقيق العدالة الاجتماعية. فاذا كان الضمان الإجتماعي يهدف الى حماية المواطنين من المخاطر الإجتماعية والإقتصادية والمعيشية، فمن يحمي هذا الضمان من خطورة تدهوره نتيجة الإهمال والخلل والفساد”.

كارول ابو نصار
العدد العاشر