أهل الخير والمافيات

يعيش اللّبنانيّون ” الأوادم”، ومن كافّة شرائح المجتمع وتنوّع انتماءاتهم، حالة من “القرف” من الأوضاع التّي تتحكّم بحياتهم وحياة عيالهم في الحاضر والمستقبل. هذه الأوضاع التّي يمسك بمفاصلها الأساسيّة، وحتّى الجزئيّة منها، معظم أهل الدّين والسياسة والإقتصاد والإجتماع، والثقافة والإعلام …

فأهل الدّين لا يتحلّون بروح الكتب السماويّة الداعية إلى المحبّة والتسامح، بل يغرقون بالمادّيّة والشخصانيّة والتمظهريّة والخطابيّة.

وأهل السياسة لا يتّصفون بالحكمة والتّعقّل، الواجبَين إلزاماً لكلّ قيادة، بل يتصرّفون بتهوّرٍ وفردانيَّةٍ وكيديّةٍ.

وأهل الإقتصاد لا يحملون في قلوبهم الرّحمة والإنصاف بل يركضون وراء الربحيّة والنّفعيّة والإحتكاريّة.

وأهل الإجتماع والثقافة لمؤسسات وسيطة: جمعيّات، روابط، نقابات، مدارس، جامعات… مهنيّة، رياضيّة، صحيّة، فنيّة، علميّة، ثقافيّة… لا يهتمّون بما كان الأساس لقيام مؤسساتهم، أي مصلحة الجماعة التي يمثلون، بل يلهثون وراء منصب “لشوفة حال”، أو مكسب مادي لقضاء حاجة، الكمالية منها أهمّ من الضروريّة.

وأهل الإعلام بجميع وسائله، وهم صنّاع الرأي العامّ، لا يتكلّمون أو يكتبون أو يصوّرون بموضوعيّة وأخلاقيّة، بل يتحرّكون بعنصريّة ومذهبيّة ومناطقيّة ومنفعيّة، حتّى إنّ بعض البرامج تدّعي محاربة الفساد، وهي برعاية مؤسسات تجاريّة يعشعش فيها الفساد، وبرامج أخرى لا علاقة لها بالعلم والعقل بل تروّج للغيبيّات والسّحر والشعوذة.

أمام هذا الواقع، ماذا على اللبنانيين ” الأوادم” الذين يتصرّفون بصدقيّة واخلاقيّة ووطنيّة أن يفعلوا؟ هل عليهم أن يبقوا مكتومي الصوت أمام “صراخ” جميع الذين تعلوا أصواتهم لتأمين مصلحة فرديّة على حساب مصلحة جميع الوطن؟

وهل عليهم أن يبقوا مكسوري الخاطر أمام جميع الذين يمتلكون الوقاحة، ويسمّونها الجرأة لتحقيق المكاسب و”الشاطر عمرو ما يموت”؟

وهل عليهم أن يبقوا دون حراك وفي استكانة دائمة، ومن دون ردّة فعل، عندما ينصتون بالقول الشائع: “حمار وما عرف دبّر حالو”؟

الجواب على هذه الأسئلة لا يكون إلّا برفع الصّوت وتسمية الأشياء بأسمائها، وفضح المافيات، مهما تعاظمت قوّتها، والتّي تسلب المواطنين حقوقهم وأموالهم. مافيات الإدارات العامّة، ومافيات المؤسسات الخاصّة، وفي شتّى مجالات معيشة المواطن، من أبسط حاجة ضروريّة:ماء، كهرباء، دواء، مسكن، مأكل،… إلى أغلى حاجة كماليّة:مواقف، مطاعم، منتجعات سياحيّة، سيارة، هاتف، إنترنت… والذين يشاركون في تكوين هذه المافيات ويغطّون اعمالهم ويستفيدون من عائداتها ومواردها، فهم أهل القطاعات الوارد تعدادهم اعلاه.

ومع أنَّ هذه الحالة السيّئة تندرج من سنة إلى سنة بشكل تصاعدي أضاف شريحة لا بأس بها من اللّبنانيين، والتّي هي من هذه القطاعات نفسها، لا زالت تتمتّع بالصفات الإنسانيّة الضروريّة، ومن اهمّها الأخلاق والضمير، وتؤمن انّ الوطن لا ينهض ويتطوّر إلّا إذا تقدّمت مصلحة المجتمع الكلّي، على جميع المصالح الفئويّة.

ومن أجل هذا الهدف يتحرّك عدو لا بأس به من اهل الدّين والسياسة والإقتصاد والإجتماع والثقافة والإعلام… فيتعممم الخير على من يحتاج إلى المساعدة، وهكذا يستمرّ المجتمع متماسكاً، ولو بالحدّ الأدنى من التماسك.

إنّ المجتمع اللّبناني المنقسم أفقيّاً بسبب تعدّد طوائفه أوّلاً، وثانياً عموديّاً بسبب قلّة أغنيائه (يملكون معظم الثروات) وكثرة فقرائه الذين يتزايدون سنة بعد سنة، هذا المجتمع بحاجَة ملحّة: وجوديّة وكيانيّة، إلى الفئة الثانية من أهل القطاعات المعيشيّة.

أمّا إذا استمرّ عدد هؤلاء بالتناقص عملاً بالقول الشّعبي:”من بعد حماري ما ينب حشيش”، فإنّ المجتمع اللبناني ذاهب وبسرعة أكبر نحو التفكك، وأبناءه نحو الهجرة.

ويبقى الأمل بفاعلي الخير، أهل دين ودنيا.

رئيس التحرير
سمعان سمعان