في الماضي قيل : “الدارس غلب الفارس”، وفي عز الثورة الصناعية والعصر الرومنطيقي قال الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو في تأملاته: “من يمتلك الكلمة يمتلك الشيء” او الوسيلة  (Qui possède le mot possède la chose) . هذا وفيما لم يمض بعد على انتشار استعمال الشبكة العنكبوتية (الانترنت) أكثر من ربع قرن حتى بات تأثير استعمال هذه الوسيلة العجيبة ظاهرا وفاعلا في مختلف مستويات الحياة، ولا سيما منها القطاعات الاقتصادية. فإذا كان الاقتصاديون قد درجوا على توزيع هذه القطاعات الى ثلاث رئيسية (الزراعة والصناعة والخدمات) فإنهم اضافوا اليها، منذ الستينات، قطاعا رابعاً هو ” قطاع المعرفة والاتصالات” أو “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات” (TIC). بات انتاج المعلومات، بما فيه الاعلام والتعليم والاتصال ونشر الخبر وانتاج كل معلومة وتجهيزها ومعالجتها وتوزيعها سواء بالكلمة او بالصوت او الصورة او كلها مجتمعة، بات نشاطا اقتصادياً بامتياز. وهكذا اصبحت المعلومات واقتصاد المعرفة قوة دامغة ومسيطرة. يتنافس عليها الجميع على مساحة الاسواق المحلية والعالمية، بوصفها موردا وسلعة واستراتيجيا. وبات من ملامحها الاساسية التحول من الاقتصاد المحلي المحدود الى العالمي اللامحدود.

أشارت الدراسات الحديثة للاقتصاديات منذ تسعينات القرن الفائت، على الاقل، ان قطاع المعلومات بات المصدر الرئيس للدخل القومي وللعمالة في العديد من الدول الغنية والنامية، (نصف الدخل القومي في اميركا و40 بالمئة في اوروبا على سبيل المثال).

التحول الى العمل في هذا الحق استتبعته ظاهرة كونية جديدة هي “العمل عن بعد “، ما أدى وما سيؤدي الى المزيد من ظهور طبقة اجتماعية جديدة من اليد الانتاجية تتكون من أربع فئات: منتجو المعلومات، مجهزو المعلومات، موزعو المعلومات، الى مختلف عناصر بيئة المعلومات وتكنولوجيا المعلومات. الامر الذي سيفتح مجالات عديدة للعمل عن بعد، وما سيؤدي الى تغيير نظرتنا التقليدية لا الى العمل بل ايضا الى مفهوم البطالة والفقر. وسيؤدي التعامل مع المعلومات الى تحسين مستويات المعيشة والحد من الهجرة على انواعها، سواء من الريف الى المدينة ام من بلد الى آخر، اذ يصبح بإمكان الشركات ان تكون عابرة للقارات والدول، وتصبح المواقع الجغرافية مسألة ثانوبة بالنسبة لأصحاب الشركات ورؤوس الاموال. العالم يصبح بحق مدينة واحدة او سوقا واحدا لا فرق. وذلك يعود الى التوسع الهائل بشبكة الانترنت.

الغريب في لبنان والدول العربية اجمالا، ان هذه الشبكة لا تزال بعيدة عن الاستخدام الصحيح . اذا كان الامر يعود الى مستوى التربية والتعليم والثقافة بصورة عامة ،فإن فهم نتائج هذا الوضع يكون واضحا بالنسبة للدول النامية او غير النامية.  أما في لبنان الذي يحظى بوضع تربوي وثقافي متميز اجمالا ومدعاة اعتزاز منذ عصر النهضة، فإن المشكلة تبدو من وجهة اخرى. لا شيء يبرر التخلف الحاصل فيه في مجال الاتصالات، الانترنت والخليوي، سوى الوجه الاخر من الفقر الذي هو “الفساد” وعدم الشفافية في تقديم المعلومات من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية، بدءاً بالمؤسسات الرسمية وشركات الاتصال والكهرباء والبلديات، الى سلوك اللبنانيين في تعاملهم التجاري، بما يحمله من تراث “عريق” في التحايل والتهرب من واجباته في تأدية الضرائب على انواعها.

في خضم الاحتجاجات العديدة التي شهدتها الاعوام الثلاثة الاخيرة على الاقل، وفي  دعوة الى  “استعادة الثقة”، طل رئيس الحكومة اللبنانية في “خطاب جلسة الثقة”  في اواخر ايام السنة المنصرمة، متوقفا على اهمية قطاع التكنولوجيا والاتصالات، ليؤكد للبنانيين، بصفتهم مواطنين ومستهلكين،  بأن الحكومة الجديدة سوف “تولي أهمية خاصة لقطاع التكنولوجيا المعلوماتية والاتصالات لما يمتلكه من قدرة على تحفيز للاقتصاد الوطني، ولكونه مدخلا اساسيا للاقتصاد الجديد المسمى اقتصاد المعرفة، حيث لبلدنا امكانات غير محدودة بما يملكه من رأسمال بشري وقدرة اللبنانيين المعترف بها دوليا على الابداع والمبادرة والابتكار” ويضيف واعدا  بـ : “تحسين الخدمات نوعا وكلفة وسرعة في هذا المجال. “يدرك رئيس حكومتنا اللبنانية الجديدة في الوقت نفسه أن مكافحة الفساد لا تتوقف عند اصلاح ما هو فاسد في المؤسسات والشؤون التقنية فحسب، بل ينبغي ان يشمل “شبكة الامان الاجتماعية” عبر مكافحة جميع اشكال الفقر والظلم. تتعهد الحكومة بوضع استراتيجية عامة لمكافحة الفساد وباتخاذ اجراءات سريعة وفعالة في القطاعات الاكثر عرضة للفساد واولها رفع اليد السياسية عن الاجهزة الرقابية”. ولا ينسى معاليه اهمية “ملء الشواغر في الادارات والمؤسسات بأصحاب الكفاءات”، والحرص على “استقلالية القضاء” وعلى النظام الديقراطي (الذي)  لا يستوي ما لم يكن “المجتمع المدني .. شريكا في صنع القرار”، ومؤمنا بضرورة “تعميق روح الشراكة مع المجتمع المدني”.

إن المواطن اللبناني الذي ينشد الامان والسلام والعدالة، والمستهلك اللبناني الذي يطلب الشفافية والصدقية في التعامل، لا يسعه الا ان يفرح بهذه الوعود راجيا ان تترجم بأفعال صادقة على ارض الواقع.

والواقع في ما يعني  ممارسة السلطة في لبنان والعيش فيه في ظل الفساد المستشري فيه في اكثر من قطاع يدعو الى التشاؤم لولا ان الرجاء ينبغي ان يكون دائما من فضائل المؤمنين. إن ما تختزنه الشخصية اللبنانية من خصائص ابداعية وحضارية وانسانية تميزت بها على مدى تاريخ طويل ينبغي ان تساعده لكي  يستعيد معها في اطار العولمة الراهنة التي يجسدها “اقتصاد المعرفة”  “مواطنيته العالمية”  التي  كان اول من عّبر عنها  قبل الفين وثلاثماية سنة احد مواطنينا زينون الصوري الذي قال “انا مواطن عالمي”.  ومن اولى حقوق المواطن العالمي وواجباته ان تتوفر له وسائل هذه المعرفة واقتصادها الحديث .

جوزف خريش