سوق للخضار وبراد للتفاح وكروم تنتج نبيذا بمواصفات عالمية

اتحاد التعاونيات في منطقة دير الأحمر، استطاع بالمشاريع الإنمائية التي تحققت في السنوات الأخيرة، أن يشكل مثالاً يُحتذى به. إذ استطاع بتضافر جهود التعاونيات التي تنضوي تحت لوائه، أن يستنهض المنطقة من حرمانها. وربما يكون إنشاء سوق للخضار بمثابة شريان اقتصادي حيوي، وكذلك البراد الذي يتمّ فيه تبريد التفاح وتوضيب البطاطا والبصل، للتصدير الى الخارج.

تهتم جمعية نبض الشباب “Groact” (احدى جمعيات اتحاد “أورا”) بالتعاونيات الزراعية لتثبيت المواطنين في أرضهم، لا سيما في المناطق النائية. إنها اليد المساندة في توجيه من يرغب بتأسيس جمعية أو ناد للحصول على علم وخبر والإفادة من المعلومات حول كيفية تعبئة الاستمارات من هيئات حكومية وغير حكومية، بغية الحصول على مساعدات. كذلك تقوم بمهام التنسيق بين مختلف التعاونيات، ووضع “داتا” عنها للتواصل معها والتعرّف على واقعها وما تحتاج إليه. إذ يوجد في الشمال (17 تعاونية في عكار ،11 في الكورة، 22 في البترون، 7 في قضاء زغرتا و4 في قضاء بشري )،في جبيل 16 تعاونية، في المتن الشمالي والجنوبي 23 تعاونية، في كسروان 13، في الجنوب 20  وفي البقاع 32 تعاونية.

ويؤكد الأب يوحنا مراد، المتطوع في قسم الإستفادة والجمعيات في اتحاد “أورا”، أن الجمعية تسعى إلى إنشاء اتحادات فاعلة وإيصال الصوت، وتحفيزالمواطنين على إقامة مشاريع لإنعاش القطاع الزراعي. ويتمّ التواصل مع التعاونيات التي تُصنّع الانتاج الزراعي لتوفير التدريب على التصنيع والتسويق والتصريف. ويعلن الأب مراد أن الجمعية تحضّر حالياً للمعرض الزراعي الذي ستقيمه في شباط 2018 في الـ”فوروم دو بيروت”. غايته ليس عرض وبيع المنتوجات في الزمان والمكان، بل ربط التعاونيات المنتجة بمستهلكين محليين ودوليين والتواصل معهم لتصريف الانتاج. وتحاول الجمعية أن يكون في كل محافظة سوبرماركت لعرض الانتاج التعاوني.

يعتبر اتحاد تعاونيات دير الأحمر، من أكثر التعاونيات نشاطاً،  إذ يعمل بتضافر التعاونيات(14 تعاونية) كخلية نحل في مختلف القرى والبلدات.

اتحاد تعاونيات دير الأحمر

تأسس الاتحاد باسم “الجمعية التعاونية المتحدة للتعاونيات الزراعية في منطقة دير الأحمر وجوارها، بموجب القرار الرقم 171/ 2 ت في 22 أيلول 1998 ويضم 14 تعاونية: التعاونية الزراعية العامة في دير الأحمر، تعاونية عيناتا، بشوات، الجمعية التعاونية الزراعية وتربية المواشي والدواجن في بتدعي وجوارها، الجمعية التعاونية لإنماء الزراعة وتصريف الانتاج في شليفا، تعاونية اليمونة، تعاونية دار الواسعة، تعاونية عين النعنع،الرام، بوداي والجوار، الزرازير، برقا والجوار، بيت صليبي والمشيتية.

تُقدّم إليه المساعدات من “الأمم المتحدة”، “الاتحاد الأوروبي” ،”لايف ليبانون” و”Mercy Corps” و”UNDP” و”USAID” و”Creative” وغيرها. تحصل كل تعاونية على المساعدات بقدر حجمها وحصتها من الاتحاد، فمثلاً لمنطقة دير الأحمر حصة تقدر بـ 20% من الاتحاد وتختلف الحصص بين تعاونية وأخرى.

الخوري: اكتسبنا ثقة المؤسسات الداعمة

وعن نشاطات الاتحاد يقول رئيسه صبحي الخوري: تمّ إنشاء براد للتفاح وهو مسجل في مؤسسة “إيدال”، إذ قدّمت البلدية الأرض التي تبلغ مساحتها 12 ألف متر، وتمّ تشييد البناء بمساعدة من “USAID” و “Creative”، يتسع نحو 40 ألف صندوق تفاح. يتألف البراد من ثلاث غرف تبريد وصالة للتوضيب وتخصص “UNDP” مساعدة مالية لإضافة غرفة أخرى للتبريد. يتمّ تصريف 120 طنا من البطاطا والبصل يومياً، كما حصلنا على آلة لتعريب التفاح وتصنيفه، بمساعدة من الـ”UNDP” بمبلغ نحو 290 ألف دولار وغربال للبطاطا. وستقدّم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي تكاليف بناء هنغار بمساحة 190 مترا، لتوضيب البطاطا وزراعات أخرى.

كما قام الاتحاد بتنفيذ عدد من المشاريع، منها: إنشاء برك للمياه في برقا ومرسل وبتدعي ودير الأحمر. وقد بلغت كلفة البركة في دير الأحمر نحو 760 ألف دولار ما عدا الامدادات، وقادرة أن تروي نحو 1600 دونم من الأرض مرتين في السنة . ويتمّ العمل حالياً على تنفيذ بركة ثانية كلفتها حوالى 235 ألف دولار، ومدّ شبكة ري حديثة في دار الواسعة، وأخرى في بشوات والمشيتية.

إنشاء سوق للخضار

يتمّ حالياً إنشاء سوق للخضار في منطقة دير الأحمر، بدعم من البلدية واتحاد التعاونيات وجمعية”Mercy Corps”، يتألف من 14 باباً، كل باب مخصص لتعاونية تعرض فيه ما لديها من انتاج خضار وفواكه وما شابه، فيشكل مساحة يلتقي فيها التجار والزبائن لتبادل البضاعة، مما يزيد من حركة البيع والشراء، ويؤدي الى بيع المحاصيل الزراعية بأسعار أفضل.

ويمكن القول على حد تعبير رئيس الاتحاد ، أنه لولا الدول المانحة والمساعدات الخارجية التي تقدمها المؤسسات، “لما استطعنا تحقيق ما نحن عليه اليوم، كما أن ثقة المؤسسات الداعمة توثقت من خلال تأكدها من سلامة التنفيذ والاستفادة الجماعية لكل أبناء المنطقة”. ويوضح الخوري”عملنا على تخصيص نسبة 35% من المساعدات التي تأتي لاتحاد التعاونيات لتكبير وتوسيع البراد وصيانته، وإعطاء كل تعاونية حصتها لتقوم هي بدورها بالمشاريع التي تراها مناسبة للبلدة. فيدخل الى ميزانية الاتحاد سنوياً ما يتراوح بين 17 و20 مليون ليرة، تخصص لإنشاء مشاريع إنمائية”.

أما المشاريع التي يعمل الاتحاد على تحقيقها، فهي كما يشرحها رئيس الاتحاد: الحصول على مساعدة لتوسيع البراد بهدف استيعاب مختلف المحاصيل الزراعية في المنطقة، مشروع ربط برك المياه ببعضها البعض للاستفادة من المياه التي قد تذهب هدراً، مشروع إنشاء بركة مياه قرب البراد لري 5 آلاف دونم من الأرض تصلح لزراعة الكرمة.

ويؤكد رئيس الاتحاد الخوري أن العمل الانمائي لا يميز بين الطوائف، فاتحاد التعاونيات في دير الأحمر هو خير مثال على ذلك، فهو يضم أربع تعاونيات من القرى الشيعية، وهي الرام واليمونة وبوداي ودار الواسعة، إذ تنال كل تعاونية حصتها من المساعدات، وتبعاً لحاجة كل بلدة، من دون الأخذ في الاعتبار أي معايير سياسية أو طائفية أو غيرها.

تعاونية الكرمة”كوتو ايليوبولس”

تعاونية الكرمة هي احدى التعاونيات الفاعلة التي تساعد المزارعين على خلق فرص عمل جديدة، واسمها الجمعية التعاونية “كوتوايليوبولس” أو هضاب كرمة بعلبك، حسب التسمية الرومانية لهذه المنطقة التي أشاد فيها الرومان أكبر معابدهم لإله الخمرة “باخوس”. تأسست  بموجب القرار الرقم 6/2 ت في 9 كانون الأول 1999 وتضم بلدات اليمونة، دير الأحمر، بشوات، شليفا، بتدعي، المشيرفة، الزرازير، برقا، الرام والقدام. تشجع على زراعة الكرمة وبناء معامل لتصنيع النبيذ بهدف تصريف الانتاج . ويعود هذا المشروع بالفائدة على عموم أهالي البلدات وجوارها لأهميته وحيويته، ويساعد في إبقاء الأهالي في مناطقهم، والتخفيف من نسبة النزوح الى المدن، نظراً الى المدخول المتوقع الحصول عليه من الأراضي الزراعية التي لم تزرع من قبل، بسبب عدم ملاءمة المناخ ونوعية التربة لمختلف الزراعات، بسبب قلة مياه الأمطار.

بدأ هذا المشروع في العام 2000 مع انتساب 13 مزارعاً، ويصل العدد اليوم الى 220 مزارعاً. أثبتت زراعة الكرمة نجاحها بعد مرور 3 سنوات على بدء العمل بها. مع اطلالة العام 2004 تهافت المزارعون من كل العائلات والقرى على الزراعة، بعد اكتشاف نجاح نوعية العنب والطلب على شرائه لصناعة النبيذ. ازدادت الزراعة بمعدل 200 دونم سنوياً وأصبحت المساحة المزروعة اليوم حوالى 2500 دونم. وقد وصل الانتاج الى 733 طناً، وكان لا بد من إنشاء خمارة نبيذ لتصريف الانتاج، لأنه أربح وأضمن، فكانت التجربة الأولى للتخمير بكمية بسيطة ولكنها أعطت نبيذاً، فاخراً يضاهي أجود الأنواع.

الفخري: نجاح المشروع ومضاعفة الانتاج

وعن بداية المشروع يشرح رئيس التعاونية شوقي الفخري: تمت دراسة كلفة دونم الأرض لزراعة الكرمة وتبلغ نحو 1500 دولار، وبدأت الدراسات تتوالى من مهندسين فرنسيين وغيرهم للتربة والمناخ، لتحديد نوعية الزراعات التي قد تصلح في هذه المنطقة. وكانت انطلاقتها مع تجمّع مسؤولي بلديات منطقة الواز الفرنسية الذين عرضوا المساعدة بتقديم 50 ألف يورو ثمن الشتل، فتحمس المعنيون وكانت النواة بتأسيس تعاونية من 9 أشخاص من أجل الحصول على المساعدة. وبدأت تتضاعف النسبة، بحيث يزرع كل سنة 100 دونم وتوزع الشتول على المزارعين بالتساوي، الى ان وصل بعض الأفراد الى زراعة 25 دونما. ويمكن القول إن من يملك هذه النسبة، يستطيع إعالة عائلته على أكمل وجه. كما أن إنشاء الخمارات وشراء المواسم بالأسعار المحددة، حافظ على استقرار زراعة الكرمة، بالإضافة إلى تصريف الإنتاج من قبل التعاونية .

خمارة نبيذ محلية بمواصفات عالمية

هذا النجاح، أدّى الى إنشاء خمارة في دير الأحمر، وهي خمارة حديثة جداً بمعدات أوروبية متطورة وتقنية ممتازة، ولديها القدرة على تخمير نحو 1000 طن من العنب، وتخزين حوالى مليوني قنينة بمراقبة جيدة. ويتمّ العمل على تصنيف الخمارة باشراف شركة(Intelligent Marketing Consultant) IMC العالمية. ويقول رئيس التعاونية شوقي الفخري، أنه تمّ التعاقد بين الخمارة وتعاونية الكرمة على تخمير فائض الانتاج أي الذي لا يُباع بالسعر المناسب الذي ترتضيه التعاونية، على أن دفع كلفة التخمير وتخزين النبيذ يكون بعد سنتين من تخميره أي عند تسليمه للشاري.وتمّ التعاقد بين إدارة التعاونية وشركة “Fair Trade” العالمية لتصريف انتاج النبيذ. وهذه الشركة ستسوق النبيذ تحت اسم “Coteaux Les Cedres”، بأسعار موافق عليها من الطرفين، وقد تصل الكميات التي ستُباع سنوياً الى 500 ألف قنينة.

وعدّد رئيس التعاونية الفخري عوامل النجاح لزراعة الكرمة: نوع التربة والمناخ شبه الصحراوي، وقلة حاجة الكرمة للمياه، وتنوع المنطقة من ارتفاع 900 متر عن سطح البحر الى 1700 متر. حيازة المنطقة على شهادة جودة من شركة “Fair Trade” العالمية وشهادة Organic من شركة IMC، العالمية نتيجة تقيد المزارعين بتعليمات الخبراء والمهندسين حتى اكتسبوا خبرة عالية في عالم الكرمة، الدعم المالي والهبات المقدمة من منطقة ” الواز” الفرنسية بمعدل 50 ألف يورو سنوياً منذ العام 2000 حتى 2011 ومن مشروع التنمية الزراعية 63 ألف يورو ومتمولين آخرين، وكذلك وقوف مؤسسة “كفالات” الى جانب التعاونية والمزارعين وامدادهم بقروض مالية (70 قرضاً) من دون أي رهن من خلال “البنك اللبناني الفرنسي”.

وقد تحولت منطقة دير الأحمر الى منطقة نبيذ عالمية كما وصفها رئيس التعاونية الفخري، وذلك للأسباب التالية: المنطقة تعطي عنباً بمواصفات عالمية نظراً لنوعية الشتول المزروعة، المزارعون يتقنون هذه الزراعة ويلتزمون تعليمات المهندس الزراعي من قبل التعاونية، انتاج نحو 8 آلاف طن من العنب سنوياً أي انتاج 5 ملايين قنينة نبيذ، من مساحة زراعية تبلغ 12 الف دونم.

ويطالب رئيس التعاونية المعنيين بـ: دعم اطلاق النبيذ، إنشاء البرك والتمديدات في بشوات والملاحة وبتدعي وعيناتا… وغيرها، مع شبكة تمديدات رئيسية تصل الى جميع الكروم التي ستروى بالطرق الحديثة، إطلاق زراعة العنب تبعاً لتعليمات التعاونية واعتماد الشتول التي تراها التعاونية مناسبة للموقع والتخمير. هذا يحتاج فقط الى الدعم، لأن القروض متوفرة من مؤسسة “كفالات” لمدة 10 سنوات بفائدة متدنية (اثنان ونصف في المئة) مع 3 سنوات سماح. وعندما يصل انتاج النبيذ الى مليون قنينة سنوياً، ستبدأ التعاونية بإنشاء خمارة جديدة، بحيث لا تعود بحاجة الى أي دعم، لأنها ستكون قادرة على تمويل ذاتها من الانتاج.

هذا المشروع أدّى الى تثبيت المزارعين في أرضهم، تحويل مجتمع دير الأحمر الى مجتمع منتج يتفاعل طبيعياً مع القانون والنظام (إلغاء زراعة الحشيشة) ومع ذاته وقيمه المسيحية. هذا وتضفي زراعة الكرمة جمالاً ورونقاً بيئياً . كما أنها ساهمت في ارتفاع سعر متر الأرض، مع استصلاح الأراضي الزراعية وري الأراضي التي توجد فيها الكرمة بالطرق الحديثة. ويتم العمل حالياً على انشاء آبار على الطاقة الشمسية، وتمديد القساطل واعتماد طرق الري الحديثة.

وختم رئيس التعاونية شوقي الفخري بالقول: إن زراعة المخدرات في البقاع أضرّت بالمزارعين أكثر من الذين يستهلكونها، إذ تكبدوا خسائر وأضرارا هائلة بحق قيمهم وخلقياتهم ومعنوياتهم، بالإضافة الى تخلي الدولة عنهم إذ ألغت هذه الزراعة ولم تفِ بوعدها على مساعدتهم بزراعات بديلة منتجة، فسيطر عليهم اليأس والاحباط، لكن بوجود التعاونيات وتشجيعها على زراعات منتجة كالكرمة مثلاً، تمّ حلّ جزء ولو يسير من مشكلتهم.

منى طوق