اين المسيحيون من الوظيفة العامة؟

متى سيتحقق مبدأ المناصفة الفعلية في وظائف القطاع العام؟

وهل اقتنع الجميع على مستوى القيادات والشعب بضرورة تفعيل الحضور المسيحي في الدولة خدمة للكيان اللبناني وتحقيقاً لمبدأ الشراكة الحقة؟

وهل وصلت رسالة “لابورا” الداعمة والداعية الى هذا الحضور؟

 

 

ممثل طوائف الأقليات في المجلس النيابي وزير الدولة السابق لشؤون التنمية الإدارية النائب نبيل دو فريج يؤكد ان الدستور اللبناني يكفل مبدأ المناصفة في وظائف الدولة من الفئة الاولى. اما في ما يتعلّق بالوظائف من الفئة الثانية وما دونها، فهناك نوع من التوافق الضمني على توزيعها بشكل عادل بين المسيحيين والمسلمين. اما حالياً فالمشكلة الأساسية تكمن في عدم تقدّم المسيحيين بأعداد مقبولة وكافية نحو وظائف الدولة، في حين هناك في المقابل اقبال هائل من المسلمين نحو هذه الوظائف وبمختلف فئاتها. وهذا ما يفسّر عدم تحقيق التوازن الطائفي على صعيد الوظيفة العامة. والمؤسف حسب دو فريج هو غياب الوعي والتقصير لدى المراجع المسيحية، في ظل شعور لدى الفئات الشعبية المسيحية بالغبن والإحباط. ويعتبر دوفريج انه لا تكفي ان تعلو الأصوات للمطالبة بانخراط المسيحيين في الدولة. ويلفت الى انه من المعروف ان الأحزاب ذات الغالبية المسلمة تقوم بدورات تدريبية مكثّفة لمحازبيها كي ينجحوا في امتحانات وظائف الدولة، وهذا بالتحديد ما هو مطلوب من الأحزاب والمراجع الروحية المسيحية. اذ عليها ان تتعاون فعليّاً وبجدّية للقيام بحملة توعية على جميع الصعد الاجتماعية والثقافية والمدنية ودعوة الشابات والشبان الى التوجّه بكثافة نحو الوظيفة العامة وحثّهم وتشجيعهم على المشاركة في الدورات التدريبية التي أخذت “لابورا” على عاتقها القيام بها.

 

 

رئيس مصلحة القطاع العام في حزب القوات اللبنانية بيار بعيني يوضح انه في مرحلة الأعوام ١٩٩٠ حتى ٢٠٠٥، كان المسيحيون مستبعدين عن السلطة واداراتها. وهذا الأمر انعكس على الشارع المسيحي الذي اعتبر نفسه غير معني بالدولة ووظائفها. وفي تلك الحقبة أشارت الإحصاءات الى انخفاض دراماتيكي لعدد المسيحيين في القطاع العام من ٤٨٪ في العام ١٩٩٠ الى ١٥٪ في العام ٢٠٠٥. وقد تفاقم هذا الوضع نتيجة عدم احترام الفريق الحاكم آنذاك مبدأ التوازن. وهكذا تمّ استبعاد المسيحيين عن وظائف الفئة الثانية وما دون. إضافة الى ذلك كان المسيحيون يعانون من التهميش لدرجة انه لم يكن يتم ابلاغهم بتوفر أي وظيفة شاغرة. ثم بعد العام ٢٠٠٥ بدأت الأحزاب المسيحية العمل على إعادة تفعيل الوجود المسيحي في الدولة. واتفقت على التنسيق مع ممثليها في مجلسي الوزراء والنواب من جهة، ومع جمعية “لابورا” من جهة أخرى، من أجل تحقيق هذا الهدف.

يتابع بعيني: نحن على صعيد حزب القوات، لدينا منسقون محلّيون يجولون في المناطق والقرى والأرياف، حيث يقومون بإلقاء المحاضرات عن واقع القطاع العام والوظائف المطلوبة وكيفية الالتحاق بها، ويلقون الضوء على أهمية الوظيفة العامة وحوافزها المادية، كما يدعون الجميع الى الاستفادة من الدورات التدريبية التي تجريها “لابورا”.

يضيف بعيني: الآن ومع عودتنا الى المشاركة في الحكومة، سوف نعمل على الحدّ من الفساد والرشوة، انطلاقاً من الوزارات التي أوكلت الى ممثلينا، وهم عناصر شابة تملك النضج السياسي والكفاءة العالية. وهناك توجيهات من رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع لأن يكونوا خير مثال في تحقيق العدالة والتوازن الطائفي حفاظاً على التعايش وانطلاقاً من مبدأ الكفاءة وإعطاء صاحب الحق حقه.

ويوضح بعيني ان عملية إعادة التوازن الطائفي في القطاع العام ليست موجهة ضد أحد، بل تهدف الى الحرص على التمايز اللبناني في هذه المنطقة من الشرق، كمجتمع متعدّد الطوائف مبني على الاحترام والتوازنات.

 

منسق اللجنة المركزية للخدمات والتوظيف في التيار الوطني الحر باتريك أنطون يرى ان أجواء الطمأنينة والتفاؤل بعهد الرئيس ميشال عون ستنعكس حتماً على إشكالية انخراط المسيحيين في وظائف القطاع العام. فالعهد يحرص على تطبيق الميثاقية ومبدأ المناصفة لتحقيق الشراكة الوطنية الفعليّة والفعّالة من جهة، وعلى محاربة الفساد من جهة أخرى. وهذه الأجواء من شأنها توفير عنصر الثقة بالوطن ومؤسساته والوظائف المرتبطة بها، وستدفع الشبان والشابات الى التوجّه أكثر نحو وظائف القطاع العام. هذا الى جانب عمل “لابورا” الذي أدى أيضاً الى تعزيز اللُحمة المسيحية والى خلق وعي وحماس عامّيْن بشأن الوظيفة العامة واهميتها وفوائدها وتقديماتها. وقد ساعدت وتساعد الدورات التدريبية والتأهيلية التي تقيمها “لابورا” على تقوية الكفاءات وبالتالي على ارتفاع نسبة النجاح في مباريات الوظيفة العامة. وهذا ما يعطي ثقة واندفاعاً للمسيحيين ويحثّهم على البقاء في لبنان بصفتهم شريكاً أساسياً في المواطنية والوطن.

 

 

مستشار رئيس حزب الكتائب لشؤون الإدارة العامة شارل سابا يعتبر ان الإدارة اللبنانية في واقعها الحالي لا تلبي طموحات كل اللبنانيين ومن ضمنهم المسيحيين. اذ انها أضحت أداة لتوزيع المنافع والمغانم السياسية وللتوظيف بمعيار المحسوبيات. وهذه الممارسات تبتعد عن وظيفة الإدارة الأساسية ألا وهي خدمة المواطنين وخدمة الاقتصاد ونموّه وتطويره. وبالتالي باتت هذه الإدارة غير منتجة ولا تشجع الناجحين والمتفوقين في اختصاصاتهم للدخول الى الإدارة العامة.

وفي سبيل إعادة الدور الأساسي للوظيفة العامة يضع حزب الكتائب أهدافاً استراتيجية عدة أهمها:

أولاً- إجراء إحصاء موضوعي للحاجات والفوائض من قبل شركات تعنى بإعادة تحديث الإدارة.

ثانياً- تعزيز أجهزة الرقابة وتحقيق استقلاليتها.

ثالثاً- إقرار اللامركزية الموسّعة.

رابعاً- انجاز قانون شراكة بين القطاعين العام والخاص من اجل تسليم بعض القطاعات أقله إدارياً الى القطاع الخاص.

خامساً- وضع سلسلة للرتب والرواتب لا تضاعف رواتب القطاع العام فحسب بل تزيدها اضعافاً مضاعفة.

عندها وبعد تحقيق هذه الأهداف ستتمكن الإدارة العامة من جذب الكفاءات الشبابية من كل الطوائف. ويضيف سابا انه في الحل المرحلي والى حين اجراء هذا الإصلاح الشامل، يتوجب تطبيق الفقرة “ب” من المادة ٩٥ من الدستور اللبناني التي تجعل توزيع الوظائف العامة وفقاً للكفاءة ولمقتضيات الوفاق الوطني. ويوضح سابا انه لسوء الحظ لا يتم احترام هذه المقتضيات منذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم. ولكي تُحترم يجب تعديل نظام المباريات في مجلس الخدمة المدنية بحيث يؤخذ موضوع المناصفة في عين الاعتبار في اعلان نتائج المباريات.

 

 

مسؤول مكتب الوظيفة العامة في حزب الطاشناق سيرج أبيكيان يلفت الى ميزة الوضع الأرمني المتمثّلة في توارث الاعمال الصناعية والحرفية والتجارية أبّاً عن جدّ، وكون هذه القطاعات تشكّل الاختيار الاول والأمثل في سوق العمل الأرمني اللبناني. ويوضح انه نتيجة لذلك، لا نرى إقبالاً كبيراً للشباب الأرمن نحو الوظيفة العامة، في حين يُسجّل وجود عدد لا بأس به من الأرمن في الاسلاك العسكرية، ومن المرشّح ان يزداد. ويشير أبيكيان ان حزب الطاشناق ومن خلال توجيهه للشبان والشابات الأرمن، يعمل على تشجيعهم للتقدّم نحو وظائف القطاع العام، ويتعاون مع “لابورا” ودوراتها التدريبية لتأمين الكفاءات وفرص النجاح. هذا بالإضافة الى ان انخراط الشباب في الدولة يشكّل حلّاً هاماً لتفاقم أزمة البطالة، وسدّاً منيعاً امام الهجرة.

 

 

عضو الهيئة السياسية في تيار المردة المحامي شادي سعد يؤكد سعي التيار الى تشجيع وتحفيز المسيحيين للانخراط في الوظائف العامة لما لهذا الامر من انعكاسات إيجابية على الحضور المسيحي في الدولة، وعلى تثبيت غالبية المسيحيين في لبنان وفي مناطقهم، وعلى مشاركتهم كمواطنين في إدارة شؤون دولتهم.  والى جانب هذا التشجيع الذي يقوم به تيار المردة بالتنسيق مع “لابورا”، يشدد سعد على أهمية دور الأحزاب والجمعيات المسيحية في حماية الموظفين المعرضين للاضطهاد او لأي نوع من الضعوطات في عملهم.

 

 

مصادر رفيعة في مجلس الخدمة المدنية تؤكد من جهتها ان معيار الكفاءة هو كفيل بنجاح المتقدمين الى المباريات التي يجريها المجلس. وتشير المصادر الى ان لابورا استطاعت ان تحدث إنجازاً لافتاً وخرقاً إيجابياً عبر تشجيع الشباب والشابات على التقدم بكثافة نحو الوظيفة العامة من جهة أولى، وعبر تدريبهم من جهة ثانية، وبالتالي زيادة فرص نجاحهم .

وتلفت المصادر الى أهمية الوظيفة العامة لانها بمثابة “دخول او مشاركة في السلطة”. فالدولة تمثّل مجموعة الوظائف العامة. والوظيفة العامة وُجدت أساساً للخدمة العامة. والموظف هو بالتالي خادم لمجتمعه، بدءاً من أصغر موظف وصولاً الى رأس الهرم أي رئيس البلاد.

 

 

أخيراً اللافت هو اجماع الجميع على ضرورة توعية الشبيبة المسيحية بشأن أهمية الوظيفة العامة. ويبقى ان الأهم على ارض الواقع يكمن في الدورات التدريبية التي اخذت “لابورا” على عاتقها القيام بها مجاناً، لايصال أصحاب الكفاءة الى حيث يمكنهم خدمة المجتمع ووطن الرسالة.

كارول أبو نصار صعب