أينما حلّ، وفي أي بقعة من بقاع الارض وُجِد، وبأيّ لغة تكلم، وتحت أي نظام عاش؛ يبقى ابن البلد، الوكيل الأمين على “خميرة الوطن”، أي الإرث الذي تسلمه من أهله وأجداده.
مهما كان الظرف الذي أبعده عن دياره، والسبب الذي دفعه إلى الرحيل، والحالة التي مرّ بها، يبقى الوطن والذكريات، الحلوة منها والمرّة، في عقله وقلبه، سواء أكان في عمله او في جامعته، وفي أي مناسبة.
مولع بوطنه، صيداوي الهوية، فرنسي الجنسية، ولبناني القضية. ترك لبنانه سنة ١٩٨٠ للتخصص في مجال الهندسة، فتخرج مهندسا ومجازاً في النضال السلمي الثقافي . انه الشاب اللبناني، المغامر، الطموح، المتربع على عرش النجاح والشهرة في أكثر من ميدان: المهندس ناجي فرح، العائد من غربة دامت ١٧ سنة، المتابع لقضية بدأها ببلد “الام الحنون” كما سماها الرئيس السابق للدولة الفرنسية فرانسوا هولند، ليكمل ما بدأه خلال إقامته في فرنسا، ولكن هذه المرة من ارضه، من لبنان، وينشر ثقافة العودة الى الوطن ولو لزيارة فقط، بهدف تعرّف المغتربين على أصولهم العائلية، وحضارتهم التاريخية والثقافية.
تأسيس تجمع الشباب اللبناني كوسيلة إنقاذ
“بسبب الاجتياح الاسرائيلي عام ١٩٨٢وتهجير الشوف، قررنا كلبنانيين مقيمين في فرنسا ان نتحرك، فتواصلنا مع جمعيات فرنسية لبنانية Franco- libanais وأرسلنا من خلالها مساعدات طبية الى لبنان .
وفي التهجير الثاني لصيدا الذي تزامن مع نداء قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لدعوة الشباب في العالم للانخراط في الحياة السياسة، أسسنا انا ورفاقي في الهندسة وكنا في عمر ٢٥- عاماً٢٦، تجمّع الشباب اللبناني RJLiban، فكانت الرئاسة مسؤوليتي، وكان رفيقي حبيب معّاز شريكاً مؤسساً.
لم تكن الجمعية موجهة مسيحيا بل لكل لبنان، ولكن بخلفية مسيحية. وقد حصلنا في فترة التأسيس على دعم مادي ومعنوي من الوزير السابق ميشال اده، أطال الله بعمره، والصحافي الشهيد جبران التويني. كنا مقربين جدا من الراحل الصحافي غسان التويني والاستاذ ريمون أده، ولكن الرفاق شعروا انهم فقدوا الأمل بعد الاجتياح الاسرائيلي عام ١٩٨٢…”
إنشاء اول جهاز إنترنت Minitel
ويضيف فرح شارحاً محطات البدايات: “كنا نجتمع كل اول ثلاثاء من كل شهر على عشاء يتخلله مناظرة ثقافية مع شخصيات لبنانيية ثقافية مقيمية في فرنسا، بينها على سبيل المثال الدكتور غسان سلامة، والراحل كميل ابو صوان وغيرهم … الاعلام في فرنسا في فترة الثمانينات كان موجهاً، أحببنا ان نظهر للبنانيين المقيمين الصورة الواضحة والأجمل عن بلدهم المعذب والجريح ، فأسسنا عام ١٩٨٧ أول خدمة لنقل الخبر ال Minitel والتي أتت بها خدمة الإنترنت، وهي آلة تم من خلالها نقل كل الأخبار التي كانت تصلنا من القصر الجمهوري بواسطة ال telex، وقد ساعدت هذه الخدمة في نقل الأخبار الأمنية، وبخاصة أخبار حرب التحرير عام ١٩٨٩.”
واستكمالا بما قام به، أسس”تجمع الشباب اللبناني في فرنسا” عام ال١٩٩٠ نادياً ثقافياً واستقبل السيدة ماجدة الرومي في مركز المؤتمرات، حيث أحيت حفلة فنية للمّ شمل المنتشرين تحت راية لبنان الثقافة.
ويضيف فرح: “بالاضافة الى متابعتنا تحصيلنا العلمي، لم نتوقف عن التعبير عن موقفنا تجاه ما يحصل في لبنان، فقمنا بتظاهرات سلمية استنكارا للحرب والدمار، كما التقينا بالرئيس الفرنسي جاك شيراك، وعبرنا له عن استيائنا لما يحصل على الساحة اللبنانية، وعن رأينا بلبنان الحوار المسيحي- الإسلامي، بالاضافة الى دعمنا المادي الرمزي، وقد استطعنا ان نؤمن مبلغاً رمزياً للجيش اللبناني، وقدره ١٥٠٠٠$.”
ويتابع: “آخرعمل ثقافي لبناني قمنا به قبل عودتي الى لبنان، كان في كانون الثاني عام ١٩٩٧ في باريس ولمدة أسبوعين . تعممت هذه الدعوة في كل فرنسا نظرا لأهمية النشاط والمكان. وبالإضافة الى النشاطات الثقافية، نظّمنا معرضا لصور فوتوغرافية كنت قد وثّقتها عن لبنان، أطلقت عليه اسم “لَون لبنان”، بالإضافة إلى نشاطات أخرى، بينها نشاطات فنية شارك فيها فنانون محترفون.”
العودة الى ربوع الوطن
سنة ١٩٩٧ عاد المهندس فرح الى لبنان، بعد ان قرر الزواج وبناء عائلة، والعيش بالقرب من والده الذي أضحى وحيدا بعد أن سافر أبناؤه ليؤسسوا مستقبلهم في الخارج.
فبعد تأسيس “تجمع الشباب اللبناني” وبعدها مركز الاعلام “Minitel” والمركز الثقافي، قرر فرح أن يستثمر ما لديه من طاقات ويوظفها لمصلحة لبنان، فبدأ بتنظيم رحلات سياحية للبنانيين المقيمين في فرنسا وفرنسيين الى لبنان. وعن هذا الأمر يقول: “علمت سنة ٢٠٠٤ أن الانتشار اللبناني ليس فقط في فرنسا والبلدان الأوروبية، بل في كل أصقاع العالم . ولأن هدفي هو التواصل والوصول الى اللبنانيين أينما كانوا ودعوته لزيارة بلدهم وبخاصة الشباب منهم؛ انكببت على تعلم اللغات ،منها الإسبانية ولإيطالية والألمانية والبرتغالية والروسية ولغات قديمة كالإغريقية، فالمخطوطات التي كتبت على عهد الفينيقيين كانت باللغة الإغريقية. بالإضافة الى ذلك، تابعت لسنتين دروساً في اللغة السريانية، مع جمعية “أصدقاء اللغة السريانية”. نحن نتكلم اللغة السريانية وليس العربية، مثلا فعندما أقول مثلاً “بدّي روح” باللهجة اللبنانية، لا نكون نتكلم اللغة العربية ففي اللغة العربية نقول “أريد أن أذهب”… التاريخ اللبناني ملوّن بالسريانية، وهذا ما دفعني الى التعرف على هذه اللغة.”
يواصل “تجمّع الشباب اللبناني” عمله مع الإنتشار المتحدر من أصل لبناني، من خلال مشاركته في المؤتمرات الإغترابية التي تعقد في الخارج والداخل، ومن خلال مقالات شهرية لأعضائه تصدر في الl’orient le Jour عن لبنان، والنشاطات الاغترابية التي ينظمها التجمع: “أول مقال نشر كان عن المنتشرين في البرازيل سنة ٢٠٠٧ وهذه المقالات ساهمت في تحفيز المغتربين، وخاصة الشباب، على زيارة الوطن. ويمكن لأي قارئ الإطلاع على المقالات التي نشرت والتي تصل الى ٢٥٠٠ مقال على الصفحة الخاصة بِالتجمع وهي LJliban.com .”
وبهدف تثبيت روابط العلاقات بين لبنان المقيم ولبنان الإنتشار، بدأ “تجمّع الشباب اللبناني” منذ العام 2013 بتنظيم رحلات من لبنان الى البرازيل، للمشاركة في كارنفال ريو دي جانيرو السنوي. وفي هذا الإطار يفول فرح: “في حزيران 2018 تلقيت دعوة انا وابنتي ياسمين من قنصل لبنان أليخاندرو بيطار إلى حفل تكريم اللبنانيين الأوائل، بمناسبة ذكرى مرور ال130 عاما على الإنتشار اللبناني في ريو دي جانيرو.” ويضيف: “الأساس في عملنا هو إعادة الصِلة بين اللبناني المقيم والمتحدرمن اصل لبناني… شاركت في أكبر تجمع شبابي في المكسيك، ٢٥٠٠ شاب وصبية من أصل لبناني دعوتهم بكلمتي الى زيارة بلدهم الأم والتعرف عليه. وقد أبدوا رغبتهم للقيام بهذه المبادرة، بالرغم من أنهم يجهلون كلياً اللغة العربية أو اللبنانية.”
دليل للانتشار بأربع لغات
لاحظ المهندس ناجي فرح من خلال تواصله مع الجالية الشبابية في الانتشار، أن الشاب اللبناني الأرجنتيني هو الاكثر حماسا لزيارة بلده، لكنّ الإمكانيات المادية تحول دون تحقيق حلمه، وكل ما يستطيع القيام به هو توفير المال للمشاركة باللقاء الوطني السنوي داخل الأرجنتين. وفي هذا الإطار يقول: “بادرنا كأعضاء Ljliban بالعمل على إيجاد منحة لتحقيق حلم الشاب المغترب. وهكذا صار، وتمت الدعوة والإستضافة لحوالي ٩٠ شاباً وشابة اتوا من الأورغواي والارجنتين والبرازيل، تعرفوا على بعضهم وعلى ابناء بلدهم وإرثهم، وزاروا كل الأماكن السياحية والتراثية والدينية واستمتعوا بأجمل الأوقات. وبعد عودتهم، بقوا على تواصل مع بعضهم البعض، وساهموا في خلق مجموعة شبابية اغترابية.”
ولكي تترسخ وتقوى شبكة التواصل بين المقيم والمنتشر، استحدث التجمع على شبكات التواصل الإجتماعي دليلا بلغات اربع، يساعد على إيجاد أقرباء او أصحاب هاجروا وانقطعت اخبارهم .
اما آخر المشاريع المرتقبة لتجمع LJliban لصيف 2019 فهي التبادل الثقافي السياحي بين روسيا ولبنان، من خلال زيارة سياحية الى روسيا، ودعوة فنانين روس لاحياء حفلات موسيقية في لبنان.
قضية اعادة التواصل بين المغترب ووطنه هي الشغل الشاغل للمهندس ناجي فرح،، ولكن يبقى لعائلته الحصة الكبرى، زوجته وبناته الثلاث، ولذلك لا يستبعد أن يعود يوماً يوماً الى عالم الاغتراب، كما قال، في حال قررت بناته الإنتقال الى بلد آخر، ليحققن طموحاتهنّ العلمية والعملية.
وتبقى مسيرة ناجي فرح مع الإنتشار اللبناني التي بدأت منذ ٣٥ سنة مستمرة، وحاجة وطنية ملحة وضرورية، طالما مسؤولو الوطن هم في حال سُبات عميق…
مجلة أورا – العدد 12
م.م