الخوري اسكندر الهاشم

إنّه من السهل الاستهزاء بالآخرين وانتقادهم ووضعهم في خانة المتهمين، ولكن ليس سهلاً أن نوجّه أسئلة لأنفسنا أو نقف أمام ذواتنا للمحاسبة العميقة، ليتسنّى لنا الخروج بعدها باطلالة جديدة وحلّة زاهية. يجب ان نتحلّى دائماً  بأيدٍ نظيفة ونؤكد ان الانسان ما زال بمقدوره الارتقاء صوب القيم الانسانية وباتجاه التحولات الكبرى، والا ما معنى الانسانية فينا وما هو جوهر الانسان الحقيقي.

  • محاسبة الذات

ان محاسبة الذات واخراجها من انانيتها يعيد تصويب مسارها لتشكل هذه الذات نقطة انطلاق باتجاه تقاسم الخيرات والفرص، والعمل على اعلاء شأن الوحدة الانسانية فينا. علينا ان نحمل هاجس بعضنا البعض وان نؤمن ايمانا راسخا بان النجاة لا تكون الا جماعية. نحن امام مآزق اهمها، استخدام الانسان ووضعه في مواجهة اخيه وجاره وقريبه خدمة لطموحات غير مشروعة.

ان الانسان ليس سلعة او مادة جامدة يصار الى اللعب بها ووضعها في مواجهة حتمية مع الآخرين. على الانسان ان يستخدم طاقته العقلية من اجل التخفيف من شهواته وأن يرتفع أخلاقياً وثقافياً وانسانياً وهكذا يسهم في بناء مجتمع تسوده العدالة والحرية وتكبر فيه فرص السلام. علينا التدرب على احترام القانون واعادة الاعتبار للواجبات والحقوق وتعلم احترام الانسان.

ان الدفاع عن الخير العام والحفاظ على المكتسبات الانسانية وترميم العلاقات بين الناس يجب كلها ان تتقدم على الانانيات والمصالح الشخصية.

يفتش العالم اليوم عن حكماء وقديسين، لقد شبعت الانسانية مواجهات واطماعا دمرت مستقبلها وأحدثت شرخاً عميقاً في قلب الانسان من خلال الشك بقدراته على متابعة مسيرة المصالحة والعيش بكرامة مع الآخرين.

لقد تحوّل العالم الى قرية صغيرة، وانكشفت الحالة المرضية التي  تصيب البشرية جمعاء. لم يعد خافياً على أحد أن تدميراً ممنهجاً للطبيعة، يتم تحت نظر الجميع، وكل ذلك بفعل اطماع غير مشروعة فماذا عسانا نترك لابنائنا من بعدنا؟

  • الى مزيد من الحضور الفاعل قي السياسة والاجتماع
    لا احد خارج المآسي. ان صداها ينزل الى أعمق أعماقنا فنستشعر بحزن الآخرين وأوجاعهم وآلامهم. إنّ هروبنا إلى زوايا بيوتنا وقرانا وعدم النزول إلى الساحات دفاعاً عن كرامة الانسان وحقّ المواطن يزيد من عناد المجرمين والسارقين والفاسدين. إنّ حضورنا الطليعي كمدافعين شرسين عن قيم العدالة والمساواة وحرية الضمير يسهم في تراجع القوى الخبيثة التي تعمل على تلويث كل شيء بخاصة الضمائر، ومتى فسدت هذه الاخيرة يسهل لها انتزاع مكتسباتنا وحقوقنا. إنّ المعركة المقبلة قاسية وتطلب مزيداً من الحضور الفاعل في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعمل على ارساء قواعد سلوك تخلق قوة لا يستهان بها لمواجهة الاستهتار والاستسلام والغيبوبة التي نعيشها حتى العظم.

ان تنظيم القوى الحية الفاعلة عمل اساسي يجب ان يأخذ حيّزاً هامّاً من توجهاتنا الحاضرة. إن بين ايدينا طاقات جبّارة وقوى دفينة، علينا نبشها واطلاقها للمواجهة التي تدور اليوم على الساحة الوطنية، قوى الظلامية والمال قوى المنظمات السرية التي تعمل ليلاً ونهاراً على تفكيك الوحدة المجتمعية والاصرار على ان الوطن اللبناني لا يمكن ان يعيش موحّداً وقويّاً ليوزع نعمه بالتساوي على ابنائه مهما تعددت انتماءاتهم ومشاريعهم، وبأن التنوع هو نقمة ولعنة فيما هو نعمة يجب استثمارها ليبقى للوطن هذا الوجه الأحب وجه وطن الرسالة والانسان والوحدة في التنوع.

  • لا يمكن للمسيحية ان تتحوّل قبلية أو مناطقية أو حزبية

ان المسيحية التي ننتمي اليها لا يمكن ان تتحوّل قبلية ولا يمكن استغلالها كمطية للوصول الى غايات ومصالح تتناقض مع مبادئها وقيمها ومسيرتها. المسيحية تحمل عبقرية متجدّدة وان اي نص انجيلي لا يمكن لعقل بشري ان يستنفده، لذلك فالمسيحية الحقيقية هي ديناميكية متجدّدة تحمل طاقات فعّالة وتسهم في ارساء قواعد سلوك لا يمكن تجاوزها. ان دعوتنا الى الاصلاح الكنسي الداخلي والمجتمعي دعوة تنبع من كيانية المسيحية ومن حيويتها وشبابها وافاقها الالهية الانسانية التي تشدّنا دائماً إلى الأسمى والأعلى والأعظم. واجبنا  الّا نحوّل المسيحية إلى مؤسسة جامدة خائفة تخشى فتح الأبواب واسقاط الحواجز. هل نعلم غنى مسيحيتنا وقوّة الجذب فيها؟ وهل نعلم ان المسيحية مدعوة دائماً إلى تضميد جراحات البشرية وارساء قواعد المصالحة بين الأعراق والأمم والأحزاب. أنا لا ارغب في الافاضة بالنقد والدخول في جدالات عقيمة.

واجبي ان أعلن ان المسيحيين ليسوا على ما يرام، وأن اختباءهم وراء جدرانهم يعطل فيهم قدرة صنع التحولات.

نحن شهود، طاقاتنا ليست ملكاً لنا، بل عطية قدمت لنا مجّاناً من أجل خدمة أخوتنا واخراجهم من ضيق مساحاتهم. ليس امامنا سوى التلاقي. كيفما توجهنا نجد تعدديات دينية وفكرية وسياسية فما الحل اذاَ؟ هل نهرب ونتراجع ام ندق الابواب الموصدة والعقول المتحجّرة لتنفجر اليانبيع والطاقات.

المسيحيون بحسب منطق مسيحهم هم ملح الارض ونور العالم، وكنيستهم التي تحمل وديعة الايمان وتوزع اسرار المسيح يجب ان تجدد علاقتها كي لا نغرق في  منطق المؤسسات الجامدة فتقتل فيها  النبّوة والرسالة والجمال.

  • الخيار الملحّ هو تغيير الذات من أجل تغيير الآخرين

إن الخيار الملحّ هو العيش في العالم وفق منطق المسيح من اجل تحويل العالم وارتقائه. من يستطيع خوض غمار التغيير سوى الابطال الذين يدخلون الحلبة عراة حفاة. إن ثقل المتاع والكلب على اقتناء الخيور يشلّ الحركة ويجمّد الفكر ويمنع التقدّم. النهضة الروحية هي المطلوبة بالحاح اليوم لتشكل الجديد المنتظر. الخروج من العزلة والاندفاع إلى العمل الرصين المدروس ووضع خطط كفيلة باستغلال كل الطاقات وتجنيد الوقت في خدمة زمن مقدّس هو المدخل الصحيح للقيامة من وحل البطر والسخافة وحبّ الظهور والتمسّك بالوهم. إنّ تدمير مظاهر البطر الخادعة هو بداية كل حدث كبير. المقامات والرتب والمناصب خدعة يجب الا نستجيب لها، لأنّها حجاب ونقاب  يمنع من اظهار وجهنا الحقيق. يجب تصفية رواسب الوثنية فينا وخلع الاقنعة والوجوه المزيّفة ليرتدي المسؤولون عندنا شعاع الله فينجذب الآخرون إلى هذه القامات المشبعة بالطيبة والاستقامة والكرم والبساطة. نحن بانتظار التحوّلات فهل تتم الاعجوبة الكبرى.

مجلة اورا – العدد 12