الأديان السماوية الثلاث تركت بصمة في حياته: صلاة الجمعة عند الاسلام، السبت عند اليهود، والأحد عند المسيحين.
مشاغب منذ صغره، طموح منذ شبابه، ومحبوب من كل من حوله. شخصيته المميزة هذه أوصلته الى الولايات المتحدة الاميركية، بالرغم من استعمال والده نفوذه، لمنعه من الحصول على تأشيرة الدخول.
ايلي فؤاد جرجس من مواليد ١٩٥٣ من علمان، المعروف بايلي جورج، وحامل اسم شربل في المعمودية، لم يرزق أهله بأبناء في بداية زواجهما ، فندرا لقديس لبنان، ورزقا بايلي البكر، وبعده بثلاثة أبناء: روجيه، تيريز، وكلود.
لبناني الأصل والجنسية، والهوية والطبع، وأميركي متجنس، ومتصالح مع نفسه والآخرين.
السنوات ال٤٢ في الاغتراب لم تغيّر من شخصيته المرحة والمشاغبة، وذكائه وحنكته، وبخاصة في مجال التجارة. سنوات الاغتراب المديدة لم تبدل علاقته بكنيسته والتزامه بخدمة شعب الله. بعد أربعة عقود وسنتين ابن علمان هو هو لم يتغير، فبعد أن اخبرنا عن طفولته في وادي بو جميل والدورة، وصولا الى لارناكا، وبعدها الى “بلاد العم سام”، بتنا على يقين أن إيلي الأب والزوج ورجل الاعمال، أو Elaydja كما سمته جدته لأمه، هو الولد المشاكس، الخفيف الظل، والمغامر، والأهم صاحب الفكر التجاري.
طفولة الوالد

“ظهر عندي حسّ التجارة وأنا في عمر مبكّر. عندما قررت السفر لإكمال دراستي في الطب، كان لديّ ما يكفي من المال لدفع تذكرة السفر ومصروفي لفترة من الوقت. منذ صغري كانت انظاري شاخصة الى ما وراء البحار . جدي لأبي هاجر الى الولايات المتحدة الاميركية وعمل طويلا وعاد الى لبنان في سن الاربعين. كانت أحواله المادية جيدة جدا، تزوج جدتي وكانت صغيرة في العمر. لكنه خسرها وخسر ما جناه، بعد ان اصيبت بمرض اللوكيميا. كان جدي يملك في حينها مساحات شاسعة من أرض علمان، لكن كلفة العلاج كانت باهظة، فاضطر إلى بيع كل ما يملك لعلاجها، وعاش والدي يتيما وفقيرا، بدأ العمل في سنّ مبكّر اذ كان ينقل الرمل “على البغل ” في مدينة صيدا ليؤمّن القوت اليومي.

بين الولايات المتحدة الاميركية والذكريات

حياته الناجحة في ولايات المتحدة الأميركية لم تنسه ماضيه الذي يتذكره بتفاصيله، طفولته في بيروت، أصدقاؤه، والدته، جدته، مدرسته …
التقيناه في مدينة ميسا، في ولاية أريزونا، وفي جلسة دامت اكثر من ساعة، استمتعنا بحديثه الذي لم يخلُ من النكتة والفكاهة: “أمي كانت مميزة بتربيتها. وحبها لعائلتها، اما جدتي ماتيلدا سابا اليهودية الأصل، فكانت امرأة قوية الشخصية، أحببتها كثيرا وكنت حفيدها المفضل، ربما لأنني كنت شبيها لها في الطبع (قالها ممازحا). رافقتها مرّات عدّة ايام السبت الى منطقة وادي بو جميل حيث يوجد المعبد. وما زلت حتى هذه اللحظة أتذكر الصلوات الترانيم والألحان.”
صلاة و…كنافة
صفوفه الابتدائية كانت في مدرسة أبي طالب الإسلامية وذلك بطلب من الجدّة . تعلّم إيلي وحفظ القرآن وبنى صداقات لم يفرقها إلا الموت. إنتقلت العائلة بعدها للسكن في منطقة الدورة، حيث اكمل إيلي دروسه التكميلية والثانوية في مدرسة للراهبات.
“استمتعت كثيرا بفترة الطفولة والولدنة وبخاصة ممارسة الشعائر الدينية الثلاث: صلاة الجمعة مع الطائفة الإسلامية، السبت مع جدتي اليهودية والأحد مع والدي في الكنيسة المسيحية.
كان والدي يوقظني صباح كل يوم أحد باكرا للمشاركة بالذبيحة الألهية في كنيسة مار جرجس- وسط بيروت، بعدها نذهب الى ساحة المعرض لتناول الكنافة.” ويضيف ضاحكا: “كان هذا اتفاقا بيني وبين والدي، أرفقه الى القداس وأحصل على الكنافة، لكنني من يومها لم أتوقف عن قداس الأحد… مع أو بدون الكنافة!”

عندما سأله والده يوما لماذا اخترت التخصص بمهنة طب التوليد، أجابه بان هذه المهنة تجني مالا وفيرا ولمدى العمر، كون الحبل والولادة أمران بديهيان للنساء ولاستمرار البشرية.
بسبب الوظيفة التي حصل عليها والده في الجامعة الاميركية، استطاع إيلي ان يتابع تحصيله العلمي مجانا، فدخل كلية الطب لثلاث سنوات، بعدها قرر ان يتابع التخصص في الولايات المتحدة الاميركية .
“رفض والدي رفضا قاطعا فكرة السفر واستعمل نفوذه كموظف في جامعة AUB وكانت السفارة آنذاك في عين المريسة، فطلب من السفير عدم أعطائي الفيزا، وهكذا حصل عندما تقدمت بطلب فيزا جاءني الجواب : ايلي فؤاد جرجس No visa” عندها قررت السفر الى قبرص والتواصل مع السفارة الاميركية في لارناكا، وهكذا كان، ودّعت، اهلي ووعدتهم بالعودة بعد ان احصل على شهادة الطب. من لارناكا توجهّت الى الولايات المتحدة الأميركية بعد ان حصلت الفيزا. في المطار، استقبلتني سهيلا التي اصبحت زوجتي لاحقا، وكنت على معرفة سابقة بها بسبب رابط الصداقة بين أهلي وأهلها.”

الله محور حياته ولمريم العذراء مكانة في قلبه
الله محور حياة إيلي، يشكره على نعمه وعطاياه، ويطلب شفاعة مريم العذراء، وعبارة “كتّر خير الرب” يُكرّرها دائما على مسمع الجميع: “أحب كنيستي التي تحمل اسم القديس يوسف وهي بيتي الثاني. اعمل كل ما بوسعي حتى تبقى وتستمر. أحِب القديس شربل، فقد ارتديت ثوبه لسنتين، وأصلي لقديسي لبنان وللقديس ايليا، ولكن للعذراء مكانة خاصة في حياتي أردد اسمها دائما، وبخاصة في الصعاب.”
من الطبّ إلى إدارة الأعمال
إيمانه وثقته بنفسه كانا حافزا لرسم مستقبله الناجح، فبدل أن يتخصص في طب التوليد، اختار إدارة الأعمال بسبب الكلفة الباهظة لتكاليف دراسة الطب. أسس محالاًّ في اكثر من مركز تجاري، عمل لساعات طوال هو وزوجته سهيلا السند الأكبر في حياته. رزقه الله جورجيت وجو، اللذين برعا في العلم، وجو هو اليوم من أشهر الأطباء.
وككل مغترب يحنّ الى ارض الوطن، عاد إيلي للمرة الاولى الى لبنان بعد سبع سنوات، برفقة زوجته وأبنائه. وتكررت زياراته لتفقد الأهل والأصدقاء، ولقضاء أوقات مميزة في ربوع لبنان: “زيارتي الاولى الى لبنان كانت لأعمّد ولديّ. وبالرغم من الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية التي مر يمر بها وطننا الحبيب، لم اتوان يوماً عن السفر وتفقد الأهل والأصدقاء. أما زيارتي المقبلة فستحمل نكهة خاصة ، لأنها ستكون رحلة حج الى الاماكن المقدسة، حيث اقضي معظم أوقاتي في الصلاة والتأمل، وأنام في الاماكن المخصصة للزوار.
ما تبقى له من العمر سيقضيه في بلده الثاني الولايات المتحدة الأميركية حيث عاش اكثر من نصف عمره، بجانب سهيلة، جورجيت، جو وحفيدته ليلى. وعند نهاية مشواره في هذه الحياة، سيرقد بجانب والده في أرض بلدته علمان – نهر الأوّلي. وعن هذا الأمر يقول: “كل ما اريده من بلدي بعد هجرة دامت اكثر من أربعة عقود، هو أن أدفن بجانب والدي في بلدتي علمان…”

م.م
مجلة اورا-العدد 12