إيلي داغر نجم لبناني جديد سطع في العالم، عندما فاز فيلمه القصير “موج 98” بالسعفة الذهبية عن أفضل فيلم قصير، في مهرجان كانّ السينمائي الدولي في دورته الثامنة والستّين.

وقد عرض الفيلم كذلك في لبنان، ضمن إطار “أسبوع النّقّاد” في “متروبوليس أمبير صوفيل” في تموز الماضي، احتفاء بالفوز المدوّي الأوّل من نوعه للبنان والعالم العربي في كانّ.

أيلي داغر أكثر من اسم لبناني مضيء، إنّه فتح جديد في عالم الإخراج السينمائي التحريكي تحديدا، يمزج بين الشخصيّات الكرتونية المحرّكة والمشاهد البيروتيّة الموثّقة. فبيروت داغر ليست بيروت الجميع، إنّها بيروت التي تكتشفها في ربع ساعة وتعبر مسافاتها بسرعة الضوء… بسرعة الحلم.

في “أمواج 98” يأخذ داغر إجازة من هجرته الى بلجيكا ليعود الى بيروت، وقد استقلّ خياله وسيلة نقل بدل الطائرة، وهناك في عالم الخيال نقل بيروت اليه بدلا من أن ينتقل هو إليها، لينقلنا نحن بدورنا الى مدينتنا التي تسكننا لا الى تلك التي نسكنها…

الخلاص يكم في الحلم

بيروت إيلي داغر مزيج من الواقع والخيال وقد تداخلا في لوحات بصرية تتناقض فيها الصور، بين مدينة مكتظة تارة، تكاد تخنق ساكنها ومدينة غريبة طورا، معلّقة على حافة هذا العالم. أمّا هو فمراهق يدعى عمر يتأمّل المدينة من فوق بناء عال علوّ خياله، فمرّة يندهش ومرّة يخاف. ويقوده الخوف الى القفز في الهواء، ليجد نفسه غارقا في دوّامة المدينة الدائرة عبثا حول نفسها، والّتي تهدد بابتلاع من حولها… والخلاص يكمن في الحلم، في كائن غريب يهرب اليه مع رفاقه، ليجد نفسه في عالم جديد، بدائي هادئ، لا اكتظاظ فيه ولا دوران… ولكنّ العالمين لا ينفصلان، فقد أرادهما داغر متلاصقين كتلاصق بيروت- الواقع وبيروت- الحلم… واصطدام العالمين يوقع عمر من على خط التماس بينهما الى عمق نفسه، الى الغوص أكثر فأكثر في “فقّاعته” الخاصة وغربته المفتّشة عن بيروت التي يحبّها… كلّ شيء في الفيلم فانتازي الى درجة بعيدة، فانتازيا تنمّ عن خيال المخرج الذي صوّر شوارع بيروت ومبانيها باللقطات الحيّة التقليدية، قبل أن يحوّلها الى صور تحريك تنسجم مع الرسوم التي ولدت من ريشته.

 

كلّ هذا يجري في ربع ساعة، وفي سورياليّة غريبة مرسومة بريشة حائرة بين الكوميديا الكرتونية وتراجيديا الحرب الموثّقة، التي تسير جنبا الى جنب مع المواقف كلها حتى الطريفة منها. فالمخرج عايش “بيروت الخارجة من هول الحرب حيث الجميع كان خائفا” وتغرّب عنها الى بلجيكا وبريطانيا وفرنسا، فرافقته الى هناك بيروت الخائفة والضائعة، وسكنت خياله بيروت الحلم، ومن كلا البيروتين ولد “موج 98” . وفي هذا الإطار يقول: “أرخت الحرب الأهلية تهديداً رافق الناس خطوةً خطوة، وأهمّ ما بنى علاقة خاصة بيني وبين مدينتي، هو اكتشافي المتأخر لها”…

يروي داغر ابن الثلاثين عاما، انه يتحدّر من عائلة متواضعة في الزلقا، لا علاقة لها بالفن. تخرّج من جامعة “ألبا” بشهادة في فنّ التحريك والرسم الكرتوني ثم تابع دراسة الماجستير في الفن المعاصر في لندن وانتقل للعيش في بلجيكا، لكنه بقي متعلقاً ببيروت، يتنقل بينها وبين بروكسيل باستمرار.

التعلّق بلبنان

تم اختيار “موج 98″،  الذي ساهمت في انتاجه مؤسستا “آفاق” و” الدوحة للأفلام”، من بين نحو خمسة الآف عمل أرسلها مخرجوها الى إدارة مهرجان كانّ، تسعة منها وصلت الى النهائيات وشقت طريقها الى الجمهور. وفي الحصّة المخصّصة للأفلام القصيرة، عُرِض “موج ٩٨” أولاً، ويقول داغر إنّ ترتيب عرض الأفلام مهمٌ، إذ أنّ المبرمجين يبدؤون بالأفلام الممتازة وينهون الحصة بأفلام أقل جودة. رئيس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، أحبّ الفيلم وكذلك كامل أعضاء اللجنة الذين صوّتوا له بالإجماع. المخرجة اللبنانية جوانا حاجي توما كانت آخر مَن صوّت للفيلم كي لا “تُتهم” بالانحياز الى فيلم من بلادها.

قرار إنجاز الفيلم بتقنية التحريك لم يأتِ من تلقاء ذاته بل رغبةً من المخرج في خوض “تجربة تجريدية”، ومنعاً لبناء علاقة كلاسيكية تنشأ عادة بين المخرج وشخصيّاته. داغر شديد التعلّق بلبنان والحياة فيه، والفيلم خير دليل على ذلك، إلا أنه اختار الهجرة الى بلجيكا لضرورات العمل. واليوم، يسرّه شعور الآخرين بالفخر حيال ما حققه، ويُفرحه أن يساهم في ازدهار الحياة الثقافية في لبنان، مردداً مقولة “إذا نجحتَ، فسينجح العالم بأسره معك، وإذا فشلتَ، فسيفشل الجميع…”

لارا سعد مراد