لم يمض بعد ربع قرن كامل على انتشار الصحافة الالكترونية بوصفها رافدا من روافد الشبكة العالمية للتواصل الاجتماعي. وقد لا تكون هذه المدة كافية بعد لتظهر كل  نتائجها  الايجابية والسلبية، كما حدث بعد اختراع المطبعة في أوروبا (غوتنبرغ ١٤٥٠) وظهور اول مطبعة في لبنان (مار أنطونيوس قزحيا ١٦١٠).

كانت النتائج انقلابية على كل صعيد . ليس على صعيد انفتاح أبواب المعرفة للجميع وحسب، بل امتدت ايضا لتؤدي الى سقوط  عروش وانظمة اجتماعية وسياسية  واقتصادية ودينية، فانتقل العالم المسكون معها تدريجا من حالة القرون الوسطى الى حالة عالم الحداثة، من الإقطاعية الى الديمقراطية، ومن جغرافية العالم القديم المتمثل بالقارتين الأوروبية والاسيوية الى مساحات اوسع في افريقيا والقارة الاميركية المكتشفة آنذاك حديثا بعد سقوط الامبراطورية البيزنطية المسيحية  لصالح  امبراطورية عثمانية عرقية ودينية تمتد من شرق أوروبا والشرق الادنى الى شمال افريقيا .

تحول انتروبولوجي

اليوم نحن في وضع شبيه بوضع ما  بعد اختراع المطبعة، مع فارق في وتيرة التغيير المتسارع على كل صعيد . لا بل ان بعض المفكرين يرى بان التطور المتفاعل الحاصل اليوم بسبب تطور وسائل الاعلام والاتصال لا ينطبق عليه وصف اي طور من أطوار البشرية السابقة : الانسان الصانع  ، (Homo Faber ) بذكائه العملي  ، الأنسان العاقل ( Homo Sapiens) بذكائه العقلي،  الانسان  الصناعي (industriel) بذكائه الخلاق (créatif) من خلال الآلة، ثم اليوم من خلال ذكائه الالكتروني عبر  البرامج والتطبيقات غير المادية او الحسية لا بل الافتراضية (virtuelle) . حيث تكاد تتلاشى حدود المكان والزمان، وكل حدود اخرى . قد تكون البشرية في مثل هذه الحالة في طور جديد لم تنكشف بعد كل آفاقه وأبعاده .  انها حالة من الثورة والتحول الانتروبولوجي الشبيه  بتحول (métamorphose) دودة القز الضعيفة الملتصقة  بالأرض  الى فراشة  طليقة في فضاء رحب لا حدود له .

التحول هو إذن تحول انتروبولوجي كياني عميق يطاول جميع مستويات الوجود.  لا  مستوى الاعلام والاتصال فحسب، بل يطال جميع  وسائل  العمل والانتقال عبر المكان والزمان، ووسائل الإبداع  والبقاء والموت والولادة والزواج، وغير ذلك .

في هذا الاطار الكياني الواسع والعميق ماذا يمكننا ان نتصور من تطور في احوال الصحافة التقليدية وجميع ميادين الاعلام والاتصال، ومعها المؤسسات على اختلاف ميادينها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟

– السند المادي الاول  الذي كان ولا يزال يتم جزئيا عليه تسجيل الرسالة الاعلامية  (الورق) مرشح للتغيير تغييرا شبه كامل، حتى ولو طال بعد به الزمن . ها هو يحصل له اليوم ما حصل بالامس الغابر للوح الأجر والفخاري او الحجري، قبل النباتي والجلدي في العصور القديمة،  وصولا الى الملف الورقي البيبلي (الكتابي الذي أطلقت تسميته منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة انطلاقا  من احدى مدننا، بيبلوس، جبيل، على  كل النموذج الكتابي حتى يومنا هذا) . لذلك يتوقع زوال السند الورقي تدريجا، حتى ولو اتخذ زمنا غير منظور لكي يحل محله اللوح الالكتروني الذي راح يغزو الاسواق العالمية تحت اشكال وتسميات وماركات عديدة، على حساب دور المطابع وسعاة  البريد وما يتعلق بهاتين الحلقتين من  حلقات  المراحل التي مرت بها الرسالة الاعلامية للوصول الى غايتها  .

في هذا الاطار الجديد يحل الحاسوب (الكومبيوتر) واللوح الأبيض ومختلف وسائل الاتصال الحديثة محل الوسائل الورقية التقليدية . وتفلت الرسالة من يد الكاتب التقليدي، لتملي على  كل كاتب او مرسل ومتلق الدخول من جديد الى المدرسة لتعلم الفباء الاعلام الالكتروني ، وللخضوع في مجال التربية والتعليم   لعملية   محو الامية الإلكترونيية  (an-electronie)، اذا ما أردنا الاندماج بالعملية الاعلامية والاتصالية الحديثة التي يتميز بها العصر والأجيال المقبلة.

من أهم  انعكاسات هذا التحول على عالم الصحافة والاعلام والاتصال، بالاضافة الى الغاء السند الورقي، الغاء أنماط الهيكليات الخاصة  بالأمكنة والاليات الثقيلة  والمهام التقليدية، بحيث بات من المرشح الغاء تدريجي للمطابع واستبدال أمكنة العمل ( المكاتب ) باخرى عن بعد .

يتميز الاعلام الالكتروني او الرقمي بعدد من الخصائص منها

١) السرعة والسهولة في ارسال الرسالة وتلقيها : فبعدما ظلت الرسالة، منذ ظهور اولى علامات الحضارة الانسانية، رهينة المكان الجغرافي وعامل الزمان المحدود اصبحت اليوم متفلتة من هذين العنصرين بفضل التكنولوجيا الحديثة المتطورة يوما بعد يوم، كما بفضل كوابل الطاقة الكهربائية التي تغلف الكرة  الارضيّة والأقمار الاصطناعية التي تملأ الفضاء . ما أوجد مفهوما جديدا في الواقع البشري هو مفهوم الفضاء الافتراضي virtuel،  «اللامكان واللازمان»، ubiquité، بعدما كان مثل هذه المفاهيم  ملحقة بعالم الأسطورة والخيال، لا في عالم الوجود الحسي البشري اليومي.

٢) انفتاح باب الاعلام، بما فيه المعرفة بمعانيها الواسعة، امام جميع الناس  وعلى جميع المواضيع، في حال توافر الشروط الضرورية للولوج الى شبكات الاتصال الحديثة والتفاعل عبرها، بالكلمة والصوت والصورة في ان معا، بعد ان تخطى التطور التكنولوجي تصنيف الوسائل الإعلامية التقليدية الى « مقروء، سمعي، بصري» . لأن جميع اشكال التعبير اجتمعت بفضل الكومبيوتر وسائر وسائل الاتصال على الشبكة العنكبوتية فوق صفحة واحدة وكلام كامل واحد.

٣) التفاعلية: اذا كان بعض  وسائل الاعلام  التقليدية لا  تتوفر  فيها عملية التفاعل، اي الاخذ والرد المباشرين، فإن الوسائل الحديثة عبر الشبكة العنكبوتية تتيح ذلك بقدر واسع مما يجعل عملية الاعلام والاتصال والتواصل متيسرة امام الجميع، وبحرية لا حدود لها، حتى  لأصبحت  الخصوصية معها من الامور التي يصعب جدا المحافظة عليها .

٤) مفاهيم وحدود جديدة: ان تبدل مفهوم المكان والزمان الناجم عن تطور التقنيات الاعلامية كان لا بد من ان ينعكس  على تبدل  مفاهيم اخرى اساسية في الوجود البشري، منها الحدود الجغرافية والسياسية  ، بين الدول والثقافات والشعوب، بين السلطات والقوانين على مختلف انواعها ومستوياتها، من العائلة الى المدرسة والكنيسة وسواها من المؤسسات الدينية والاجتماعية وغيرها بما فيها خصوصا اسواق العمل والتجارة.

هل يجوز لنا بعد ذلك تصنيف العمل الى قطاعين عام وخاص كما نفعل اليوم ؟ الى وطني ودولي ؟ الى خارجي وداخلي ؟ بعدما بات جزء من العمل يتم «عن بعد»، خارج مكاتب الشركات الخاصة والدوائر الرسمية….

عشرون او ثلاثون سنة من عمر هذا التطور، لا بل التحول غير المسبوق من تاريخ البشرية انما هي سنوات او عقود لا تزال قليلة العدد حتى تظهر كامل النتائج. تكفي الاشارة،  للدلالة على الانتكاسة الحضارية الراهنة،  الى ما يعرف بالربيع العربي منذ اربع سنوات وما أسفر عنه من مآس وكوارث جرفت معها اهم القيم المتصلة بالحياة والكرامة البشرية، معيدة  الحضارة الانسانية معها الى بدايات البربرية والتوحش، في وقت كان متوقعا ان تخطو البشرية خطوات رائعة نحو السلام والارتقاء الحضاري .

امام هذا الواقع ليس علينا اعادة  اختراع الصحافة وحسب، بل اعادة اختراع التعلّم، بالكتابة الرقمية الالكترونية، في مختلف مستويات العملية التعليمية والتربوية،في ضوء الاحتياجات الاحتماعية والحضارية المستجدة،  كما اعادة تأكيد وترسيخ ابسط القيم الانسانية: احترام حقوق الاخرين وحرياتهم، وبخاصة حقهم بالحياة والعمل والسكن في بيت ووطن آمنين !

جوزف خريش