سمعان سمعان
رئيس التحرير

“إلى البطاركة والأبرشيات والكهنة والراهبات: إن أموال المؤمنين ونذوراتهم ليست لكم إنما يجب أن تعود إلى الفقراء والمعوزين بينهم، أنتم جعلتموها رفاهية وطمأنينة لكم ولتجارتكم في بناء الكنائس الفخمة والمدارس والمستشفيات للأغنياء…”

هذه الدعوة الصريحة والجريئة من قداسة البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، إلى أهل الدين، رجالا ونساء، في المواقع والأدوار سواء كانت في رأس الهرم أو أسفله، تشكل ثورة في الكنيسة. ولكن هل بين أهل الدين هؤلاء من سميع أو مجيب؟

يتكون نص الدعوة من اثنتين وثلاثين كلمة، لا يمكن حذف أي واحدة منها، وبالتالي اختصار المضمون.

  • الدعوة موجهة إلى رؤساء الكنائس، أي البطاركة، وفي الغرب ليس هناك من بطاركة، ومن ثم إلى الأبرشيات، أي ليس فقط للأساقفة، بل لجميع العاملين فيها، (خوارنة، شمامسة، طلاب كهنوت، لجان أوقاف…) يأتي بعدهم الكهنة والراهبات في الأديار والرعايا والإرساليات…
  • الطلب إلى من وجهت إليهم الدعوة، أنه يجب عليهم، وليس بالتمني، أن تعود، وليس بالعطاء، أموال المؤمنين ونذوراتهم… إلى الفقراء والمعوزين.
  • بجرأته المعهودة قال لمن وجهت إليهم الدعوة إنهم جعلوا من هذه الأموال رفاهية وطمأنينة لهم.

في علم النفس الاقتصادي، إن معظم أغنياء العالم يعيشون برفاهية، ولكن ليس بطمأنينة، لأن هؤلاء يخافون خسارة أموالهم ولأسباب متعددة: الركود الاقتصادي، الحروب، التقلبات السياسية، حركة الاسواق….

اما رجال الدين الذين يتاجرون بأموال الفقراء والمعوزين فهم لا يعيشون هذا الخوف، لأن المال ليس مالهم، وبالتالي كلام البابا فرنسيس صحيح ولا يحتمل أي تفسير بسيكولوجي آخر. والمثل الشعبي يقول: يلي بيتاجر بأموالو بيخاف عليا ويلي بيتاجر بأموال غيرو ما بيفكر فيا.

  • واين يوظف من وجهت إليهم الدعوة أموال الفقراء والمعوزين؟ في التجارة… يقول قداسته: ولتجارتكم. ولكن ليس أي تجارة، المجوهرات أو الصلب، أو العقارات أو الأثاث المنزلي أو حتى مواد التنظيف… إنها التجارة في الأعمدة الأساسية لحياة الإنسان: الإيمان والتربية والصحة. ولكي تكون هذه التجارة أكثر ربحا فهي تزدهر في بناء الكنائس الفخمة… المسيح ولد في مذود وعاش في علية… والمدارس والمستشفيات للأغنياء.

وبعد، هل إن قداسة البابا فرنسيس يلقي خطبه ويوجه رسائله كيفما اتفق ومن دون تخطيط مسبق؟ أو بعد حصوله على المعلومات المؤكدة أو تقارير المستشارين والدوائر الفاتيكانية؟

كرأس للكنيسة الكاثوليكية، ونظرا للدور الذي يلعبه الفاتيكان في السياسة العالمية، لا يمكن لقداسته أن يقول كلاما إلا بعد دراسة وتدقيق أدلة، ولكن كلام البابا فرنسيس يختلف عن كلام عدد كبير من أسلافه، لان فيه ثورة على كثير من واقع الكنيسة، وهذا يعود لأكثر من سبب، منها: أصوله الأميركية اللاتينية، قربه من عالم الفقراء والمشردين، نظرته الواقعية للقضايا الإنسانية في عالم اليوم، هذا بالإضافة إلى ميزات شخصيته.

مما تقدم، واستنادا إلى دعوة قداسة البابا، هل يجرؤ أسقف أبرشية أو رئيس دير أو كاهن رعية، أن يقدم كشف حساب سنوي، يتصف بالشفافية الكاملة، يعرض فيه لمداخيل صندوق نذورات، وليس جامعة أو مدرسة أو مستشفى، في كنيسة او مزار أو وقف… وكيف صرفت هذه المداخيل … النذورات؟

يقول السيد المسيح عن الكتبة والفريسيين، (متى ٢٣/٣_٨): “ولكن لا تفعلوا مثل أفعالهم، لأنهم يقولون ولا يفعلون، يحزمون أحمالا ثقيلة ويلقونها على أكتاف الناس، بيد أنهم يأبون تحريكها بطرف الإصبع. وما من عمل يعملون إلا لينظر الناس إليهم، يجعلون عصائبهم عريضة وأهدابهم طويلة، ويحبون المقعد الأول في المآدب وصدور المجالس وفي المجامع، وتلقي التحيات في الساحات، وأن يدعوهم الناس رابي”.