الأرض هذه التربة والمدى، هذا الجمال وهذه الحرية، تحضن في باطنها بذرة الحياة وتنقل الى الاجيال أثر الأباء والأجداد، تاريخ حياتهم وجهادهم وموتهم. الأرض هي إرث الله وارث الإنسان جعلت آية تتفجر منها ينابيع الحياة، تتمخض باستمرار عن ثروة لا تنضب وعن حب لا يموت، ننام فوق ثراها ونتنهّد فوق صدرها ونتنشق من مسامها عطر الزهر والنسائم ونمشي فوق جسدها بخطى هادئة لأن أجساد أبائنا وأمّهاتنا أضحت جزءاً من هذا التراب.

1- بيننا وبين الأرض حب وعشق

بيننا وبين الأرض حكايات حب وعشق، حكاية جهاد وكفاح، ملحمة بطولة ونضال. من منّا لا يشهد على هذا التوتر القائم بين الأرض والإنسان وهذا الحوار وهذه الأناشيد بعد عرق وتعب وكدٍّ، بعد أن استخرج الإنسان من تربتها ومخزونها ما جعله يحيا ويستمر بعد أن أعطته تيناً وعنباُ وقمحاً وزيتاً، وهو يبادلها الجميل بالجميل بعيد فلاحتها ويتفنّن في تقليم أظافر شجرها ونباتها لتبقى حيّة نضرة، ويجمع تربتها المشتتة في حجارة أخذت من صخورها ومقالعها.

هذا بعض جميلها وبعض جمالها والقليل من العشق فيما بيننا، فهل يجوز لنا التساهل في بيعها والغربة عنها إلى شقق أشبه بعلب سردين نقضي فيها حياتنا وبين جدرانها نقيس الخطى ذهاباً وإياباً تاركين وراءنا ملاعب الأجداد وبيادر الخير ومطارح الصبى.

وهل يجوز التنكر لهذا الإرث الإلهي والإنساني لنستبدله بمساحة باطون، كيف نتغاضى عن هذا الميراث المقدّس الذي فيه كرامتنا وأمننا ومدانا الشاعري، أو نتعامل معه كرداء عتيق يسهل خلعه ورميه. كيف نقبل أن يطعمنا الاخرون، وبين أيدينا ثروات لم نكتشف إلّا الجزء اليسير منها، وكيف وصل المطاف بنا إلى احتقارها واحتقار الزراعة والفلاحة واهمين أنّها مهن لا تليق بنا وبأولادنا.

2- لقد عاش اهلنا أسياداً وامراء في قراهم

لقد عاش أهلنا في قراهم أسياداً وأمراء لم يثنهم التعب عن الكفاح في الصباحات والعشايا من انتزاع رزقهم من التينة والكرمة والزيتونة. لقد جعلوا الأرض التي بين أيديهم عروساً يتمايل فوق جبينها القمح والشعير والفول ويزنرها التوت والزيتون، ويسرح فوق جسدها الخروف والبقرة والحمار أدوات نقل أساسية ووسائل حيوية لبقاء الإنسان واستمراره واستقراره. كان أباؤنا على استعداد للدفاع عنها حين تظلم الدنيا وتشتد المحن لأنّها مجالهم الحيوي ومصدر حريتهم واستقلالهم وكرامتهم.

شب جيلنا في هذا المدى، تلفح وجوهنا نسائم الصباحات، وتلوّح أجسادنا شمس وتغدق علينا من أشعتها نشوة الحياة، وتغرينا العشايا بظلالها وتهدينا النجوم في لياليها فنحسّ كل يوم بجديد وجميل وعظيم.

3- لا شعب بدون أرض.

تكسب الارض الذات ثقة، والإنسان أماناً لأنّها المدى لأهله وأقاربه وكل المنتمين اليه، هذا لا يعني أنّنا نضع حدوداً من الباطون تفصلنا عن الآخرين. هذا يعني أنَّ كرامتنا تبدأ أولاً بهذا المدى الذي يجب الحفاظ عليه وحراسته وحمايته وتقبيل ترابه لأنّه يحوي تاريخ شعبنا ومجبول بعرقه ودمه.

إنَّ الارض التي تكلّمنا ونصغي الى أصوات سواقيها وأناشيد ناسها، ونتنعم بخيراتها ولو لم تكن وفيرة، هي أيضاً تعرف أصواتنا ووجوهنا وعائلاتنا وناسنا وكل الأجيال التي تعاقبت والتي ستأتي. الأرض هي ملك الله اعطيت لنا لتكون مدانا الأرحب وملعب أحلامنا ودارنا التي نقيم فيها أفراحنا وأحزاننا.

لا شعب بدون أرض ولا حرية أو استقرار بدون سيادة تامّة على هذه المساحة الجغرافية، ولا أمن غذائي وسياسي بدون احترام هذه الارض والاعتناء بها وإصلاحها وفهم طبيعتها واستثمار كل شبر فيها جبلًا وساحلًا.

لم نعطِ اهتماماً كافياً للأرض ولم ننقل محبّتها إلى أولادنا ولم تقم بيننا جماعات تدافع عنها ولم ندرّس محبّتها في مدارسنا وجامعاتنا ولم نسهر على حسن رعايتها فكان هذا الضياع القاتل وهذه البلبلة، وها نحن أمام مأزق وجودي بعد خسارة جزء كبير من ارضنا ومدانا، فهل من آلية عمل جديد توقف هذا النزف والإنتحار؟ سؤال على ضمير الفاعلين والقادرين والمتموّلين.

 

الخوري اسكندر الهاشم