جوزف خريش

في أواخر شهر حزيران المنصرم (2018) نظمت المديرية العامة للأمن العام في بيروت مؤتمراً بعنوان “التوعية من المخاطر الاسرائيلية عبر الفضاء السيبراني” (Cybernetique). شارك في المؤتمر ممثلون لقوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني والمجلس الوطني للاعلام ووجوه من الاعلام الرسمي والاعلام الخاص وشخصيات اكاديمية واعلامية من مختلف وسائل الاعلام والمؤسسات. كان السؤال البديهي الاول الذي تبادر الى الذهن هو، بحسب اللواء عباس ابراهيم المدير العام للأمن العام اللبناني: “ما هو دور الأمن العام ليكون مهتماً الى هذا الحد بموضوع الفضاء السيبراني؟” هل الحديث عن السيادة والاستقلال والأمن الوطني لا يزال بعد ممكناً من دون الأخذ جدّياً بالاعتبار موضوع الأمن االسيبراني؟ نظراً لما هنالك من أخطار باتت تهدد الأمن الوطني، مصدرها منصتا العدوّين الاسرائيلي والتنظيمات الارهابية، عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، أو الشبكة العنكبوتية.

فما هي حقيقة هذا النوع الجديد من الحرب على أمن الدول ومجتمعاتها ومرافقها الاقتصادية والاجتماعية، وكيف ينبغي التصدي لها ودرء أخطارها، بعدما ظهر أن وتيرة “الجرائم الالكترونية” الى ارتفاع مستمر، في ظل عجز الأمن التقليدي، بوسائله ومؤسساته، عن كبح هذا الخطر الذي اصبح في متناوله كل ما هو “قاعدة بيانات” عرضةً للابتزاز أو الاستيلاء أو التدمير.

أمام هذا الواقع حيث بات كل من يمتلك الكومبيوتر والهاتف الذكي هدفاً، في فضاء الانترنت، للهجمات والخروقات السيبرانية المنظمة التي تشن على لبنان ومن دون تميز بين أهداف أمنية أو تجارية أو غيرها. خصوصاً اذا ما عرفنا أن هناك منظمات ارهابية وغيرها اقتناصية (هاكر) باتت منتشرة على الشبكة العنكبوتية، وقادرة على تطويع خلايا مهمتها تعميم الخراب والسرقة والقتل.

إن الحرب بمفهومها الحديث، لم تعد تقتصر على الاسلحة المادية والحسية التقليدية، بل تعدتها الى أعمال خفيّة، خاضعة لعمليات الكترونية دقيقة، في الفضاء السيبراني، قادرة على نسخ المعلومات من القواعد العسكرية عند دولة عدوة.

  • في تلاقي مفاهيم المكان والزمان بات بامكان مجموعات صغيرة من رواد الفضاء السيبراني أن تخترق خزائن أدوات العدو واسراره الحربية لسرقتها وتدميرها والغاء طابع السرية عنها، مما يجبر الدول المستهدفة الى اعادة النظر بمفهوم الأمن القومي، ووسائل حمايته والدفاع عنه بالوسائل والخطط الجديدة المبتكرة.
  • هذا الواقع الجديد يتطلب ورشة تقنية واستراتيجية تبدأ باعادة تحديد مخاطر الأمن السيبراني “من خلال افضل المعايير الدولية لتقييم المخاطر وتوسيع قاعدة تبادل المعلومات ومؤشرات التهديد… واي تلكوّء عن هذا الواجب يعني قبولاً باستباحة السيادة الوطنية وانتهاكاً لحرية المواطنين وخصوصياتهم“. يبقى النجاح في هذا التطور مرهوناً بملاءمة المناهج التعليمية الرقمية، اذ ان الذكاء الرقمي العلمي والصناعي والتواصلي لا يمكن أن يتحقق من خلال المناهج القديمة المعمول بها حتى اليوم، لأن الابتكارات الحديثة التي يجلبها هذا القطاع تشكل منظومة متكاملة في يد المخترقين والقراصنة (هاكر) من مختلف الاوساط والاهداف.

المح بعض المتحدثين في المؤتمر الى أن لبنان قد كشف العديد من الاساليب التكنولوجية التي استخدمها العدوّ في النطاق العلوي للتجسس والحصول على معلومات من داخل الوطن.

  • من هنا كان التأكيد على اهمية الوعي للخطر المحدق بالفضاء اللبناني، بمعناه الواسع، واكتساب القدرة على مواجهته، من خلال تحصين الفضاء السيبراني الوطني، لاسيّما منه البنية التحتية التابعة لجميع القطاعات الحيوية، وتوعية المواطنين على حسن استعمال وسائل الفضاء السيبراني، ومساعدتهم خصوصاً على مواجهة الهواتف الذكية والانترنت.

 

  • تم اختتام المؤتمر على خلاصة مفادها أن “حماية البنية الحيوية للمعلومات والفضاء السيبراني تعدّ مسؤولية مشتركة”. تستلزم تبادل الخبرات مع القطاع الاكاديمي والتقني والقانوني والاعلامي في القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، كما تستلزم حماية البنية التحتية الحيوية وتحديد الادوار والمسؤوليات. كل هذا يتطلب بنوع خاص ترويج وتطوير مستديم لثقافة وطنية، في ما يتعلق بالامن السيبراني، واتخاذ مبادرات فاعلة من اجل التوعية على المخاطر السيبرانية المتفاقمة ومواجهتها بالحلول الناجحة.

العدد العاشر