امرأة عاملة متحدّية ذاتها والمجتمع الذكوري. امرأة مميزة متميّزة. زميلة لنا متألقة ملفتة بتواضعها وذكائها وبرؤيتها الحديثة والمستقبلية الى النيوميديا.

هي ابنة بلدة القبيات العكارية والتي ولدت عشية الحرب اللبنانية. اجتهدت وثابرت وطمحت وحلمت وحققت نجاحا” لافتا” في عالم الاعلام. هي المديرة التنفيذية لمؤسسة “مهارات”، والرئيسة الحالية لمجلس ادارة الشبكة الدولية للتبادل الحر للمعلومات “ايفكس” السيدة رلى مخايل.

منذ طفولتها كانت رلى تحلم بان تكون صحافية، وكانت تنتظر بفارغ الصبر ان يأتي والدها الى البيت حاملا الجريدة، التي شكلت عالمها آنذاك، وصلة الوصل مع الأحداث الدائرة في لبنان إبّان الحرب.  من كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية انتقلت رلى الى العمل مع الفريق المؤسس لـ “نهار الشباب”، الذي أتاح لها فرصة الكتابة عن تطلعات وهموم الشبان والشابات مع بداية مرحلة السلم في لبنان وزوال المعابر وانفتاح المناطق على بعضها البعض. “الالتزام بقضايا الناس واستخدام الإعلام لمناصرة قضايا عامة محقة جذبني”. في هذه المرحلة وصلت الثورة التكنولوجية الى لبنان وبدأ استعمال الانترنت، مما فرض على الصحافيين تجديد طرق التغطية والكتابة والتوجه الى الجمهور. “لمستُ سلطة الاعلام وقدرته على تعديل مسار حياة او إبراز قضايا او تشكيل اداة ضغط على صنّاع القرار، ورأيت افتقار خريجي كليات الاعلام الى المهارات المهنية الحديثة.” وهذا ما دفع رلى مع مجموعة من الزملاء الصحافيين الى تأسيس جمعية “مهارات” المتخصصة في شؤون الإعلام في العام 2004. هذه الجمعية استطاعت خلال سنوات من العمل الجاد، ان تُعدّ وتدرّب مجموعات كبيرة من الصحافيين الشباب. كذلك سعت الجمعية الى احداث تغيير في البيئة الإعلامية اللبنانية عبر العمل على بلورة مشاريع قوانين تتعلق بالإعلام وبالحق في الوصول الى المعلومات، وساهمت في إغناء المكتبة الاعلامية اللبنانية بدراسات مرجعية عن دور الاعلام اللبناني وتأثيره في الحياة العامة. ” لقد عملت من خلال مهارات على بناء مؤسسة لها شراكات محلية ودولية، تقوم بعمل رائد في مجال التنمية المحلية. لقد ساعدتني خلفيّتي الإعلامية وعملي الميداني، بالإضافة الى القيم التي أؤمن بها، على ان ارتقي بعمل مهارات لتكون مؤسسة رائدة في الدفاع عن الحريات الإعلامية في لبنان والمنطقة العربية”. وحاليا تتولى رلى رئاسة مجلس ادارة الـ”ايفكس” كأول امرأة عربية وشرق اوسطية تشغل هذا المنصب، بعدما تمّ انتخابها العام الفائت بالتصويت العام، من قبل هيئة عامة ضمت 119منظمة دولية ومحلية، تعنى بالاعلام، من 70 بلدا حول العالم.

شغف ومحبة

لم تشعر رلى يوما بعبء وحجم العمل الذي كانت تؤسس له، لأنها كانت تعمل دوما بشغف ومحبة. “شغف تجاه المهنة، وشغف تجاه العمل مع الناس، ومحبة لكل من تعاملت معهم”. وكانت قاعدتها في العمل: “كلّ الناس طيّبون الى أن تثبت الايام عكس ذلك” … أحيانا كانت تصحّ نظريتي وأحيانا اخرى كانت تخونني، إلا أنّ هذه الطريقة في التعامل خدمتني في حياتي وأمّنت لي سلاما داخليا كنت أحتاجه حتى أضع كل طاقتي في التنفيذ وتطوير العمل في ميادين جديدة.”

ومن العمل في “مهارات” ومع الشباب الجامعيين، ولدت فكرة تأسيس “مهارات نيوز”، وهو موقع إخباري تابع لمؤسسة “مهارات”، الهدف منه إتاحة المجال لطلاب الإعلام، لاختبار فرصة عملية في التغطية الإعلامية.

وفي ظل افتقار البلد الى مختبرات إعلامية، أطلقت مخايل عبر مؤسسة “مهارات” مبادرة Digital Media Viability Lab بالتعاون مع “الدوتشي فيلي” بهدف إعداد خبراء إقليميين وإطلاق أفكار ريادية في الإعلام.

ترى مخايل ان هناك فجوة كبرى بين مناهج كليات الإعلام وسوق العمل، وهذه الفجوة تكبر بسبب سرعة تطور العالم الرقمي، وعدم مواكبة المناهج لها، وهذا ما يفسّر وجود بطالة عند الصحافيين اللبنانيين، رغم أننا في عصر الإعلام وعصر الإنترنت.

وفي ما يتعلق بالنظام الإعلامي اللبناني، ترى مخايل انه على صورة النظام السياسي: لا تضامن بل انقسامات، حتى على المطالبة بالحقوق الأساسية، وهذا ما يفسّر عدم تطوير العمل النقابي. ومن الامور المؤسفة ايضا والمتعلقة بالمحتوى الإعلامي هو تراجع نسبة التحقيقات الصحافية الى حوالى 5% من المحتوى العام، إذ هناك نقص في المعلومات والمعطيات الإحصائية والتغطية الشاملة.

“ان تجربتي المهنية في الحقل العام لم تكن سهلة. المطبّات كثيرة. ولكن عملت دائما بمثابرة وبحب لوطني. كان هاجسي دائما أنني عشت مآسي الحرب، وأنه عليّ ان أسعى إلى نشر قيم التنوع وقبول الآخر، كقاعدة لسلم أهلي مستدام في لبنان”. فعملت رلى على إنتاج العديد من الأدلة التربوية والتدريبية في هذا المجال، ومنها تحديدا “دليل ذاكرة الحرب” الذي صدر عن “المركز اللبناني للتربية المدنية” الذي اسسته عام 2003 بهدف العمل على تعزيز قيم التربية المدنية في لبنان. وقد عملت من خلال هذا المركز على بناء شراكة مع المركز التربوي للبحوث والإنماء ووزارة التربية امتدت لعقد من الزمن، قامت خلاله على تصميم برنامج تدريبي طال جيلا من التلامذة واساتذة التربية المدنية، وأقامت مشاريع متعلقة بتقييم السياسات العامة والقدرة على إنتاج بدائل لحل المشاكل.

لا مساواة بين الرجل والمرأة

اليوم باتت رلى مخايل مقتنعة أكثر فأكثر بأن البلد يحتاج الى اندفاع وانخراط أكبر في العمل العام، من قبل فئات لم تشارك بعد في السلطة، ولاسيما المرأة والشباب ايضا. تعمل رلى مع الشباب والنساء، وترى ان كلتي الشريحتين بحاجة الى دعم وتمكين، وفرصة للانخراط أكثر في الحياة العامة. وتؤكد أنه حان الوقت لاعتماد مبدأ الكوتا في الانتخابات النيابية وإن لفترة مؤقتة لمساعدة المرأة على الوصول الى السلطة، مشيرة إلى وجود عوائق كثيرة تحول دون تقدم المرأة في سلم المشاركة السياسية، منها ما يعود الى الثقافة السائدة والقوانين التمييزية وعدم وجود حاضنة او رافعة سياسية لها مثل الاحزاب، داعية الاعلام الى إبراز دور المرأة وإيصال صوتها وإعطائها مساحة إعلامية. تؤكد مخايل أن لا مساواة أمام القانون اللبناني بين الرجل والمرأة، مشيرة الى ان أكبر دليل على ذلك موضوع عدم منح المرأة اللبنانية جنسيتها لاولادها. “لا شك ان هناك تمييزا بين الجنسين، ونحن نعيش في مجتمع ذكوري، وحتى الآن لا وجود لاستراتيجية وطنية واضحة قابلة للتنفيذ لمنع التمييز ضد المرأة. فالمطالبة بالمساواة هي مجرد “كليشي” cliché ونظريات”.

في عملها تعلمت رلى مخايل أنّ النجاح يحتاج الى رؤية واضحة وأهداف محددة، وطاقة ايجابية ومثابرة من دون كلل، بالإضافة إلى المحبة. “أعتز بما قمت به مهنيا، بعلاقاتي مع زملائي، وأفتخر بعائلتي الصغيرة، بولدي طارق وتمارا اللذين آمل أن يأخذا شيئا من شغفي بلبنان، ويعودا للمساهمة ايضا في بلدهم لبنان، بعدما أبعدتهما الدراسة عن البلد. العمل شغف، وعندما ينجح، تكون متعته مضاعفة”.

ك.ص