الاعلامي يزبك وهبة

لم يعُد في إمكان الإعلام القديم (صحيفة، راديو وتلفزيون) أن يبقى متفرجاً على التطورات التكنولوجية في العالم والتي دخلت الى عالمه بقوة.

قبل نحو عشرين سنة كنت أقوم بأول رحلة ٍ سياحية الى إسطنبول، رغبتُ في معرفة التطورات في لبنان إنما لا محطات لبنانية على التلفزيون، لا إذاعات يُمكن إلتقاطها، فإضطررت للذهاب الى مكتبةٍ كبيرة قيل لي إنها تبيع صحفاً عربية، وما إن وصلت تبيّن لي أنّ الصحيفة التي إشتريتها هي لليوم الذي سبق إذ إنّ الطائرات توصل الأعداد ليلاً . أكتب ذلك لأقول أين نحن اليوم من هذا الأمر، فاليوم نقرأ الصحيفة عبر الألواح الإلكترونية في أي زاويةٍ في العالم عند منتصف الليل وقبل طبعها على الورق شرط أن يكون هناك نت (واي في).

سريعة هي التطورات في عالمنا الإعلامي، إذا لم نواكبها نفقد المبادرة ونصبح بدورنا من الماضي، لم تعُد هناك صحفٌ لا تملك موقعاً إلكترونياً أو لا تعتمد تقنية الخبر العاجل NOTIFICATION  وحتى الصور، فهي باتت تنشر الخبر أوّل ما يرسله مندوبها مع صورةٍ للحدث، فالسباق بات أسرع بكثير والمنافسة أشد.

الحال نفسه ينطبق على الإذاعات حتى ولو كانت أخبارها سريعة وموجزاتها كل ساعة، فبعدما كانت تبثّ ملاحق لكلّ خبرٍ عاجل، هي مضطرةٌ اليوم أن يكون لها حساب على وسائل التواصل الإجتماعي  TWITTER & FACEBOOK  إذ إن ّ ثمانين في المئة من اللبنانيين أنزلوا حساباتٍ متعددة على هواتفهم لمواقع إلكترونية، إذاعية ،صحافية وتلفزيونية للإطلاع على الأخبار العاجلة.

وضعُ التلفزيونات مشابهٌ ايضاً، لسنا مضطرين الى إنتظار النشرة التلفزيونية المسائية أو نشرة الظهيرة لمعرفة كل شيء، هناك النقل المباشر لأي حدث وهناك الموقع الإلكتروني التابع لكل محطة يبثّ أخباراً وصوراً وفيديوهات سريعة في حال حصول أي طارئ.

نعم هناك مخالفاتٌ كثيرة تحصل خلال النقل المباشر جراء التسرّع وتُبثّ صورٌ لا يصلح أن تمرّ عبر الشاشات، وكلّه تحت خانة السبْق الصحافي ( صورُ الضحايا والأشلاء، صور الدم، صور تعنيف الأطفال والقصّر، …)

النشرات الأساسية للتلفزيونية لم تعُد تركّز على الحدث الذي تتم مواكبته خلال النقل المباشر بل بات الحرص على مواكبة ما بعد الحدث والخلفيات والتداعيات …

كل ّ مراسلٍ لأي وسيلةٍ إعلامية، صحيفة، إذاعة، تلفزيون أو موقع إلكتروني بات مضطراً لأخذ دروسٍ للتعامل مع وسائل التواصل الإجتماعي، فالمطلوب منه إرسال أي جديدٍ الى مؤسسته أو حتى الى صفحته الخاصة على twitter or facebook or instagram ect… فهو بات مصدراً للأخبار، من هنا فالسرعة يجب ألا تؤدي الى التسرّع وبالتالي الى نشر أخبارٍ خاطئة أو غير دقيقة…

ومنذ ثلاث سنواتٍ تقريباً ها هو مصدرٌ جديد من مصادر الأخبار يُعرف بصحافة المواطن أو citizen journalism  حيث بات كثير من المواطنين المهتمين بالأخبار ونقل أي مستجدات مصدراً للأخبار عبر صفحاتهم الخاصة، لكن هنا يجب التدقيق كثيراً فالمواطنون لا يعرفون الأسس التي يجب إعتمادها لناحية الدقة والمصداقية والمتابعة ومواكبة الأحداث والتعابير المستخدمة، وبالتالي يجدر متابعة خبرهم وتقاطعه مع مصدرٍ آخر أو أكثر.

ظاهرة بروز مواقع إلكترونية تزداد يوماً بعد يوم، ومع أن ّ قسماً منها يعتمد القواعد الخبرية السليمة ويعزز أخباره بالصور أو حتى بتقارير مصورة قصيرة، إلا أن الأغلبية تتكل على نقلِ الأخبار دون تدقيق حتى ولو كانت تتضمن أخطاء جمّة، والأدهى من ذلك أنها لا تنسُب الخبر …

مساحة الحرية التي نتمتع بها في لبنان سمحت ببروز مواقع إخبارية عديدة، إلا أنّ ذلك يجب ألا يكون على حساب الخبر الصحيح.

في الخلاصة، الحداثة مطلوبة لا بل ملزمة لكلّ وسائلنا الإعلامية كي لا تسبقنا الأحداث، إنما دون تناسي القواعد الخبرية التي تظلّ هي الأساس ولعلّ المصداقية والدقة أبرزها.