الأب إسكندر الهاشم

خلق الله الأرض وما عليها وما فوقها ثم خلق الأنسان وقد رأى ذلك حسناً وجميلاً. لقد زيّن الله الطبيعة بكل المحاسن وأخرج من بطنها وصخورها وسهولها خيراً عميماً وجعل الإنسان فيها شريكاً وراعياً لها ينمّيها ويحنو عليها لتبقى جميلة وملعباً لأبنائه من بعده. إن الخلق هو أحد اهم الإشارات لحضور الله ومجده، جمالات هذه الأرض وكذلك خيراتها وتنوعاتها تشير الى أن هذا الخالق هو جميل ومدهش ورائع، هو كذلك لأنه صانع هذه الجمالات وهذه المتناقضت التي تزيد الأرض روعة وبهاء. لقد جعل الله الأنسان على رأس خليقته واعطاه السلطان في ان يعطي اسماء لكل المخلوقات وان تكون في خدمته شرط الّا ينسى انه هو ايضاً خليقة وخاضعٌ لرقابة الخالق.
1- متمرّد لعين
لم يحسن الإنسان استعمال هذه الوصية فمنذ اللحظات الأولى أراد ان يخرج عن طاعة خالقه ويؤسس لذاته مملكة ويستولي على الأرض كلها فكانت الجريمة الأولى التي سفك فيها الأخ دم اخيه دون ان يرف له جفن، ولما هرب قايين جاء صوت من السماء “ماذا فعلت بأخيك”، اراد الأنسان منذ لحظة خلقه ان يشق طريقه بمفرده وان يسود على الخليقة دون الالتفات لخالقه وكانت السقطة الكبيرة وبرزت عند الأنسان طباع الغيرة والتملك والطمع والفساد ولم يعد مجال لاصلاح هذا الإنسان العامة الناكر للجميل المتقلب من نظر الله الذي يحاول بناء مملكته واستغلالها حتى لا يبقى فيها شيء يقدمه لنسله من بعده.
لم يصمت الله بقي مقتنعاً بأن خليقته ستعود الى بيت الطاعة وكل ذلك بفعل محبته، وقد ارسل من اجل ذلك انبياء وابراراً وقد اكتشف ان لؤم الإنسان لن يجد له نهاية فقرر مغامرته الكبرى مضحياً بابنه المسيح يسوع لكي يعيد وصل ما انقطع واعادة اللحمة بين الخالق وخليقته. وكان ما كان من صدام ومواجهة مع البريء والحمل الى ان علق ضحية فوق خشبة ليشبع جوع الإنسانية الى الإنتقام وازالة آخر وريث للخالق لكن الخليقة العتيقة وجدت نفسها في مأزق رهيب، هذا الذي صلبته ودفنته تمرّد على الموت وقام منتصراً ليعيد بناء الحضارة من جديد ويزرع الفرح والسلام في قلب كل حزين وقلق ومضطرب.
إن استثمار الإنسان للإنسان ونهب خيرات الطبيعة وتشويه صورتها وهتك اسرار المحيطات وسرقة سمكها واستغلال خيرات وموارد الطبيعية بدون توقف ولك لأجل مزيد من تجميع الثروة وتجويع الأكثرية الساحقة من البشر، كلها علامات ودلالات على ان الأنسان خطير على ذاته قبل ان يكون خطيرا على أخيه وعلى الطبيعة.
هذا الإنسان الفاسد الذي كلّف الله دفع ثمن غالٍ ودم ثمين مازال على حاله وتمرده ومازال يعبد المال ويجثو له ويرفع صلاته اليه ليحصل على الكثير منه لمزيد من العز والجاه والبطر. المال الذي حذر المسيح منه هو وراء فساد الإنسان والطبيعة وتحول كل شيء الى سلعة للبيع بالمزاد العلني السهول والجبال والينابيع والأنهر تنتهك حرمانها من اجل مزيد من الزرع والثروة.
الإنسان والطبيعة وما فيها من خير وجمالات هما تحت عباءة الله وتحت دفء نظره. ما يصيب الطبيعة من مرض وعقم ينعكس سلباً على الأنسان ونسله وهذا ما هو حاصل اليوم.
أ – حماية البيئة ضرورة ملحة.
البيئة اضحت اليوم عنواناً بارزاً وقضية ملحة، بعد انكشاف قوة التدمير التي اصابت الطبيعة وانعكاساتها على الإنسان صحياً واجتماعياً وروحياً. ليس من عاقل يستطيع التنكر لهذا الأثر الآخذ في التصاعد والذي بات يهدد الإنسان وكل منجزاته. اننا كمؤمنين بالمسيح ندرك اهمية الطبيعة واثرها الفعال على حضارة الإنسان الذي اقامه الله عليها شريكاً فعالاً لإدارة شؤونها والسهر عليها وجعلها دائماً مكاناً يليق بخلق الله ويرضي الخالق.
2- الله الخالق
ليس المجال هنا للبحث في نظرية الخلق وتطور الأنواع ولا نريد ان ندخل في نقاشات علمية او فلسفية. نحن نؤمن فوق كل شئ وقبل كل نقاش بأن الله هو خالق الكون وما فيه من تنوعات وهذا يشكّل احد ابرز موضوعاتنا الأساسية لإيماننا واعترافنا المسيحي. ان وصية الله للبشر “ان ينموا ويملأوا الأرض” ذات بعد ثقافي حضاري. هذه الوكالة لا تفي استغلالاً او تعدياً او تجاوزاً لامكانات الطبيعية وقدراتها.
انه لأمر جيد لبحث عن طرق جديدة واستعمال تقنيات علمية لتتمكن البشرية من اطعام مليارات البشر سيما وانها تشهد ازدياداً كبيراً في عديدها، فمن مليار انسان في مطلع القرن التاسع وصل اعداد البشر اليوم الى ما يناهز المليارات السبعة، ويتوقع ان يصبح العدد في نهاية القرن الحالي الى 12 مليارا، وبالرغم من هذه الزيادة الكبيرة يأمل العديد من الباحثين في ان امكانية اطعام هذا العدد ممكنة شرط عدم حصول أمر جلل يصيب المناخ او يتعلق بحرب وما ينتج عنها من مجاعات وكوارث. الثابت ان هذه التوقعات كلها لا تستبعد ابداً ان تبقى المصالح والأنانيات الشخصية والدولية هي العامل وراء تراجع التوقعات وبروز ازمات دائمة تعيق تحقيق هذه الأهداف الإنسانية.
ان التفلت من الضوابط الأخلاقية وروح التضامن الإنساني يدفع البشرية الى مزيد من استغلال موارد الطبيعية والسير بها الى طريق مسدود وما ينتج عن هذا الأمر من عواقب وخيمة على صعيد التلوث وهدر موارد، وهذا السباق المحموم الى مزيد من الإنتاجية ومزيد من الربح على حساب الكثرة الساحقة من البشر وما يستتبع ذلك من استعمال وسائط غير صحية وضارة بالطبيعية والأنسان معاً في سبيل تحقيق مزيد من هذا الإنتاج بصرف النظر عن جودته وصلاحيته واثره على المناخ والبيئة. يوم دعا الله الإنسان ليسود على المخلوقات كلها ويعطيها اسماءها ويستغل الأرض، كانت هذه الدعوة مشروطة بأن يبقى هذا الإنسان المخلوق خاضعاً لخالقه وفياً لوصاياه عاملاً على مساعدة أخيه وقريبه تنفيذاً لوصية من اقامه شريكاً ومساعداً.
ان الكتاب المقدس يشير الى العلاقة بين الأرض والخصوية، وبين الخضوع الأخلاقي والديني لشعب الله. الأرض التي لا تعامل برفق ومحبة ينتهي المطاف بها الى الموت ولا تعود تطعم صاحبها. الخلق لا يستطيع تحمل وزر هذا الإستغلال الذي يجعله مريضاً. نحن نستطيع اخضاع هذا الكون شرط ان نبقى خاضعين للخالق وتستمر في شراكة معه.
3- الطبيعة انعكاس لحضور الله وجمالاته
ان وحي الله من خلال الطبيغعة هو جزئي، ولا يعود وحده الى الخلاص والتحرّر، لكن ذلك يلقي على عاتق البشر مسؤوليات واولى هذه الأمور الا يعبد الإنسان الخلائق وان يستمر وفياً لعبادة خالقه والطاعة له. ان الإعتراف بمحدودتينا وحدودنا هو اول الطريق لفهم حكمة الله وطلب مساعدته، وان الطرق الأخرى البديلة لن تؤدي الا الى الفوضى العارمة وغياب المرتكزات والثوابت الصحية. ان الذهاب بعيداً في حب الذات والتملك والإستغلال وقطع العلاقات الصيحة مع البشر ستؤدي حتماً الى خلق الفوضى وغياب الحكمة في التصرف والتملك والربح.
4- الإنسان مسؤول امام الله واخوته البشر
ان الأنسان مسؤول عن اخوته البشر كما انه مسؤول امام خالقه فلا يستطيع اغفال هذا الأمر والذهاب بعيداً في السيطرة وجمع الخيور وضرب قواعد العدالة والتصدي لروح الالبطر والطمع والغنى الفاحش. يدعي البشر انهم يستعملون العقل لأدارة جيدة ورؤية صحيحة للعالم، لكن ارادة هؤلأ في السيطرة والزرع لا يلجمها عقل ولا تحدها حواجز. ان الفقر المستشري في العالم هو نتيجة هذا التصرف الأرعن اغير المسؤؤل والذي يفتقر الى ابسط القواعد الأخلاقية.
يعمد اصحاب هذا الأستغلال افراداً وشركات ودولاً الى وسائط متعددة اقل ما يقال فيها انها غير انسانية، وتتحول المختبرات العلمية الى امكنة متفلتة من سلوكيات انسانية صحيحة الى الإنطلاق في متعة الإكتشاف صارفة النظر عن انعكاساتها ونتائجها والفوضى العارمة التي تتوالد منها، اضافة الى الخراب اللاحق في الطبيعة بكاملها بعد ازالة شجرها وحيوانها وما ينتج عن هذا. الأزالة من اضرار جسيمة على التنوعات البيولوجية، وبهذا الخصوص تقول بعض الدراسات العلمية ذات المصدقية بأن هذه التحولات اللاحقة بالطبيعة تؤدي الى موت العديد من انواع النبات والحيوان كل سنة. اسباب هذا الموت هو هذه الهجمة العمرانية لإسكان مزيد من البشر واقامة معامل لمزيد من الأنتاج وكل هذا يزيد من تلوث الطبيعة وانخفاض نسبة الأرض الصالحة للزراعة وغياب مساحات خضراء تشكل متنفساً طبيعياً للبشر.
5- بعدي الطوفان
يعتقد البعض ان مصادر الطبيعة وخيراتها هي بدون حدود ولذلك نرى هذا النزف المتسارع والذي لا يقف عند حدود تدفعه رغبة جامحة الى مزيد من الزرع من خلال زيادة الأنتاج. ان نظرة واقعية الى الأحتياطات المتعددة في الطبيعة من نفط ومعادن ومياه تؤكد على انها كلها قابلة للنفاد.
ان التشويه الممنهج للطبيعة بدافع اكتشاف مزيد من الثورات سيؤدي لاحقاً الى تشويه في الأنسان وعلى الجميع الوقوف في وجه هذا الأستغلال والعمل على عقلنة التعاطي مع هذه الطبيعة واعادة الكرامة لها كجزء لا يتجزأ من مصير البشرية ويبقى الله هو سيد الكون وسيد الخليقة وان الجميع مدعو الى الخلاص. وبولس الرسول يشير الى ان “الخليقة نفسها ستعتق من عبودية الفساد الى حرية مجد اولاد الله” وهذا يفي اعادة ترميم العلاقات بين البشر انفسهم ووقف المجازر بحق الطبيعة وجعلها مكاناً يليق بأبناء الله من خلال احترامها وتجنب استباحتها وهتك جسدها الجميل.
ان تصرف البشرية بحكمة وايمان من اجل الحفاظ على ثروات الطبيعة والتفكير في مصلحة الأجيال الآتية هو التفكير السليم لأنه يقيم توازناً صحيحاً في قلب هذا الكون مدركاً الأمكانيات المحدودة ومحافظاً على نسق حياة بعيد عن روح التملك والتسلط والثروة الفاحشة، معيداً الى الأنسان بساطة العيش فيلا المأكل والملبس، وعاملا لبناء علاقة سوية مع اخوته البشر ومساهماً في توزيع هذه الخيرات بطريقة حسنة وعادلة. ان على السلطات السياسية والهيئات الأقتصادية والعاملين في الزراعة والموزعين والمستهلكين وعلماء البيولوجيا، والفلاسفة والأدباء وكل من يدعي المعرفة ويرغب حقيقة في الدفاع عن مستقبل البشرية ان يقف في وجه هذا الاستغلال والتشويه وهذا الربح المتفلت من كل الضوابط الأخلاقية والأنسانية والعودة الى الأقرار والأعتراف بأن هذا الكون هو ملعب طفولتنا وبيتنا الجميل وبأن الطبيعة ليست بقرة حلوب، ان مساحاتها محدودة وكذلك قدرتها على الأنتاج لأطعام البشر وانها هي ايضاً مريضة وعلينا التعامل معها بحنان ورحمة ورأفة ومساعدتها على البقاء حية خصبة جميلة والا كان انتقامها فظيعاً.

يتبع مقال آخر…

العدد الثامن والتاسع