بيار عطاالله

كاتب وصحفي معني بشؤون الديموغرافيا والأرض

“أيها اللبنانيون، لنا إخوة مواطنون يقطنون في المناطق الحدودية، من الشمال إلى الجنوب، ويشكّلون الدرع الأول لحماية لبنان. علينا أن نوليهم اهتماماً خاصاً، في بلداتهم وقراهم؛ فنطوّر أريافنا، ونعزّز ارتباط سكانها بالدولة، مما يشدّ أيضاً أواصر الوحدة الوطنية، ويحدّ من هجرة الأرض. إن المجتمع العائش في العوز والحاجة معرض للتجارب القاسية وما ينتج عنها من خلل أمني واضطراب اجتماعي. والوطن لا يحيا فقط بمدنه وضواحيه المكتظة، بل بانتشار سكاني متوازن على مختلف أراضيه”.

هذه الفقرة ليست إلا مقطعاً من الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى اللبنانيين في 22 تشرين الثاني الفائت، غداة عيد الاستقلال. وتختصر هذه الفقرة في معانيها الاجتماعية والاقتصادية عناوين كبيرة للتحدي الوجودي الخطير، الذي يتمثل في الدفاع عن الجيوديموغرافيا المتنوعة للكيان اللبناني في شكله المعروف. وحقيقة الامر، أننا امام خلل كبير في كفتي ميزان المعادلة الاجتماعية اللبنانية المتعددة، وكيفية الموازنة بين استمرار جغرافيا العيش المشترك بين المكونات اللبنانية المختلفة على امتداد مساحة الوطن، من اقصى وادي خالد الى رميش والقليعة وعلما الشعب جنوباً، ومن المتوسط الى القرى والبلدات المنتشرة على سفوح السلسلة الشرقية.

لا يمكن حماية العيش المشترك والميثاق والتنوع ومعنى بقاء واستمرار لبنان، من دون الحفاظ على مساحات العقارات المملوكة من المسيحيين والمسلمين معاً في كل انحاء لبنان. وبهذا المعنى يصبح النضال من أجل التصدي لمنع انتقال ملكية اراضي المسيحيين شرعاً أو بالقوة مبرراً، ويزخر بكل معاني العيش معاً. لكن حفظ اراضي المسيحيين ومواجهة عمليات البيع يصبح غير ذي جدوى ومن دون أدنى فائدة، اذا كانت القرى والبلدات المسيحية او تلك المختلطة، خالية من الوجود الديموغرافي المسيحي. ومن هذه المعادلة بالذات تنبع أهمية كلمة رئيس الجمهورية في التشديد على الحاجة الى إيلاء الاطراف الحدودية عناية خاصة، لتجذير الاهالي في ارضهم، ومنع انتقالهم الى ضواحي المدن البائسة، وهجرة قراهم.

ليست الارياف ومناطق الاطراف اللبنانية بخير، وخصوصاً المناطق المسيحية منها، التي تعاني الى جانب أهمال الدولة والمؤسسات الرسمية والخاصة لها، اخطاراً وجودية تتهدد مصيرها ووجودها الانساني بكل ابعاده، بدليل ما جرى في بلدة القاع، وما يمكن ان يجري في اي بلدة حدودية مسيحية دون استثناء، نتيجة التهديد التكفيري أولاً، ومن ثم عدم سيطرة دولة القانون على مسار الحياة الوطنية في لبنان، وتطبيق مبادئ الدستور وشرعة حقوق الانسان في المساواة بين المواطنين عموماً، وعلى كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتنموية، وغيرها من القطاعات.

ليس سراً ان بيع العقارات الى الاجانب في اقضية كسروان والمتن (وهي من المناطق المسيحية الصرف)، هو اعلى بكثير نسبياً من عمليات البيع في منطقة زحلة او جزين او البقاع الغربي، لاسباب كثيرة، منها ارتفاع جاذبية عامل الاستثمار والجدوى الاقتصادية، لكن لا بد من الاشارة الى تمسك مسيحيي الاطراف بممتلكاتهم، ورفض قسم لا بأس به منهم بيع هذه العقارات، خشية التغيير الديموغرافي والثقافي في هوية بلداتهم، لكن ذلك لا يكفي، ذلك ان اهالي الاطراف يحتاجون الى “التجذر” في أرضهم، والى تأمين الطبابة والمسكن وقوتهم اليومي والمدارس اللائقة لاولادهم، ولاحقاً فرص العمل المفيدة وذات الجدوى لا البطالة المقنعة، وهذه كلها عوامل تؤدي الى منع بيع العقارات بحجة “تعليم الاولاد” أو “شراء شقة في بيروت”، او لغيره من الاسباب التي تؤدي الى النزوح من الارياف الى بيروت.

تشكل هذه العلاقة الجدلية بين الارض والتنمية ثنائياً مقدساً اذا جاز القول، يحمي الوجود اللبناني المتنوع حاضراً ومستقبلاً، ويضع حداً للتحدي المستمر في ملف انتقال ملكية العقارات في لبنان. وكلام الرئيس العماد ميشال عون في رسالة الاستقلال جوهري واساسي، لتجنب “التجارب القاسية” التي تحدث عنها، ولا بد من الالتزام به والتمعن في تفاصيله، ويجب ان يشكل عنواناً رئيسياً للعمل في أتجاه لبنان الغد، فالارض من دون شعبها لا حاضر لها ولا مستقبل.