الخوري إسكندر الهاشم

امام هذا الكمّ الهائل من الأخبار والصور والمشاهد، وهذا الكمّ من الفوضى الذي يستتبع حكماَ هذه الموجات المتلاحقة التي تنقلها هذه الوسائل الإعلامية المتنوعة، فإنّنا نبدو منذهلين وهنا لا بدّ من العودة إلى طرح أسئلة تعيد تصويب المسار باتجاه فلترة هذا الكمّ والعمل على انتقاء الجيد وطرح الرديء.

  • الحقيقة قيمة أساسية وجوهرية

حين نشير إلى أن الحقيقة هي قيمة أساسية بالنسبة للإعلام والخبر، فإننا نعلم صعوبة هذا الأمر، فالحقيقة هي اشبه بقمّة يصعب الوصول اليها بدون عناء وكدّ.  لا يكفي ان تطلق الخبر وتملأ الشاشات بالصور، عليك ان تحدد الشروط وتحلل الأهداف التي من أجلها أطلقت هذه الإشارات والصور والمشاهد. ان الحقيقة غالباً ما تكون مخفية لأنّها تزعج وعلينا طرح قضية أساسية، هل المواطن والمستمع يملك القدرة على سماع الحقيقة، وهل حلّ هذه القضية سهلاً من أجل اقناع المشاهدين والتمكن من احداث تغيير في ذهنية هذا المشاهد حتى يثق بالوسيلة الإعلامية وبما تبثه على موجاتها. القضية الأسلم في علاج هذه المسألة هو العمل على توجيه وتدريب الصحافيين والإعلاميين على أصول المهنة وآدابها واخلاقياتها. فكيف السبيل مثلاً إلى تأسيس صحافة واعلام بدون إعطاء الحدّ الأدنى من أصول هذه المهنة، فالصحافة تشبه معظم المهن الأخرى وعلى العاملين فيها التعرف إلى أصولها وأهدافها ومهمّتها الشريفة لنقل الخبر وتعرية الاحداث ليظهر الجيد من الرديء والحقيقة من الباطل. يجب أن يصار إلى نقلة عند المستمعين والمشاهدين والمتلقين ليصبحوا جديرين بحسّ نقدي يساعدهم على البقاء يقظين أمام هذه الموجات المتسارعة التي تجعل البشر احياناً غير قادرين على اصدار حكم صحيح وبالأخصّ الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة امام شاشات التلفزة ويدخلون أبرياء في متاهات وسائل التواصل المتعددة.

  • دور المربّين (الأهل، الكنيسة، المجتمع)
    على المربّين بكل فئاتهم: الأهل، المدرسة، الكنيسة، الجمعيات الأهلية والدولة متابعة تلقين الشباب والصغار الحسّ النقدي وروح التمييز وان كل ما يسمعونه لا يرقى إلى الحقائق خاصّة في أزمنة الفوضى والصراعات. إنّ تلقينهم الحدّ الأدنى من النقد والحكمة وروح التضامن يخفّف من وقع هذه الموجات المتواصلة من الصور والأخبار والمشاهد.

إنّ الكنيسة كونها معلّمة وأمّ ومربيّة تلعب دوراً هامّاً في تصويب وتوجيه أبنائها، وجهة خيارات سليمة واعطائهم القدرة على الاختيار والتمييز، وهي اذ تريد لشعبها ان يكون مسؤولاً وحرّاً فعليها المساعدة على خلق شروط حقيقية للرأي العام يستطيع قبول النقد وبدون هذا الأخير لا يستطيع المجتمع ان يحقق هذا الإصلاح وهذه النقلة النوعية. لقد أدركت الكنيسة مثلاً أهمية الاعلام ووسائل التواصل وعلى لسان البابا بيوس الثاني عشر XII نسمعها تقول “الصحافي الكاثوليكي هو على غرار كل المؤمنين عليه تجنب الوقوع في العبودية والنقد المتفلت من كل قيد” ويقول Patrick Chalmel “الاعلام اليوم يعاني من مرضين يبدوان للوهلة الأولى متناقضين: الشكّ الكوني والسذاجة الكبيرة” ولفهم أكبر لهذين المرضين يجب العودة إلى خطاب بولس الرسول في Agora بأثينا وخطابه مثال مؤسس لحوار صحيح لأنّه يصل بين طرفين: الانفتاح على الآخر والانطلاق من ثقافة هذا الآخر وانتظاراته ولكن التمسك بقوة بالمبادئ التي يؤمن بها بولس. التواصل والاعلام هو في المحصّلة عطاء بشكل متعدد، ماذا يعطي الخبر والمشهد والمعلومة، عليه ان يعطي جزءاً كبيراً من حقيقة الواقع والحدث والمشهد.

  • الموضوعية ممكنة؟

تحمل الموضوعية استهزاء، فهل هي ممكنة. نحن نؤمن بأن الموضوعية المطلقة والحقيقة الكاملة هي في الله وحده. الانجيل يعني البشارة السّارة أو الخبر المفرح أي خبر التجسد. الجديد في هذا الخبر ان الله أصبح بشراً. إنّه لأمر عظيم وجديد. في حديث إلى صحافيي أميركا قال البابا يوحنا بولس الثاني “ان مهنتكم تدعوكم إلى التأمل والتفكير في واجب الحفاظ على الحقيقة وطابعها المميز” ان حقيقة الخبر لا تختصر بالموضوعية، انها تبحث عن معنى وهي تفترض العبور من الإحساس إلى التأمل.
إنّ وسائل الاعلام تعطي النظر والسمع بشكل أو بآخر وخدمتها تقوم على تقديم المعلومة المستندة إلى الحقيقة ودائماً يجب الحرص على عدم تلطيخ هذه الحقيقة بالمؤثرات المتعددة والاحكام المسبقة. أن شرعة الصحافة المكتوبة أو المتفق عليها عرفا يجب أن تشكل الأساس القانوني وهذا غير موجود حالياً.

إنّ معاهد الصحافة لها دور أساسي يجب ان تلعبه كاملا في فهم وتدعيم هذه المبادئ المهنية، وأما دور القارئ والمستمع والمشاهد يبدو أساسياً أيضاً في الشراكة بالمسؤولية وعليهم الضغط باتجاه ولادة صحافة واعلام تساهم كلها في تطوير الديمقراطية وتهذيبها.

  • مسؤولية مشتركة (اعلامي-ناشر-متلقي)

وإذا كان بالإمكان تلخيص بعض أهم هذه النقاط فإننا نشير إلى أن حرية الاعلام مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسؤولية الصحافي وبالناشر وكذلك بالمجموعة المشرفة على فلسفة وايديولوجية هذه الوسائل. للإعلام اليوم أهمية مركزية في حياة البشر. يقول افلاطون بان الانسان هو حيوان سياسي اجتماعي ولا يصل إلى قامته كانسان الا عبر التواصل ونقل كل ما وصل اليه من السلف الى الخلف. ميزة البشر متأتّية من عملية التواصل والتبادل في ما بينهم وفد حددت الطبيعة بعضاً من اطر هذا التبادل. الانسان بدون عملية نقل الثقافة والتبادل المتعدد لا يصل الى اكتشاف غناه ومسؤولياته.

 

إنّ مسألة الحفاظ على القيم الأخلاقية أضحت عنوانا عريضاً وأساسياً للمواجهة مع الفساد والتعصّب واستغلال الانسان. الواقع المرّ والبائس الذي تعيشه الإنسانية بعد تفشّي الأمراض الاجتماعية الخطيرة وخصوصاً احتقار الانسان والسير على جثث الأبرياء من أجل ربح خسيس وارتقاء إلى السلطة، يحتّم على وسائل الاعلام كافّة خوض حرب ضروس على هذه الهجمة البربرية التي تعيد الانسان إلى العصور الحجرية وإعادة الاحترام للإنسان والطبيعة بجعل هذا الكون مكاناً آمناً لأحفادنا من بعدنا.

العدد العاشر