المافيات وحاجات المواطن الأساسية

منذ نشوء الانسان، وتطوره عبر الأجيال، وذلك قبل مئات آلاف السنين، بدأت حاجاته الأساسية بالتكوّن واحدة بعد الأخرى، وبحسب مراحل هذا التطور، ان لناحية دماغ الانسان نفسه، وإن لناحية اندماجه الاجتماعي.

هذه الحاجات وإن كانت متباعدة عن بعضها في ظهورها بالزمن، يمكن تعدادها وفق الترتيب التالي: المأكل والمشرب، المسكن، المعبد (العبادة)، المستشفى (الطبابة)، المعمل (العمل على انواعه)، المدرسة (التعليم)… .

في الدولة العصرية التي تحترم الانسان ككائن مفكّر، يعيش ماضيه وحاضره، ويفكر بمستقبله، تؤمن هذه الدولة هذه الحاجات الأساسية كحقوق لمواطنيها. وتقوم بذلك من دون تمنين او مطالبة، لا بل تعتبره من اساسيات واجباتها.

في لبنان الصورة تختلف كليّاً.

  • المأكل: تسيطر عليه مافيات الامتيازات الحصرية والتجار الذين يبدّلون تاريخ الصلاحية ويتلاعبون بالأسعار ولا يتقيّدون بمعايير الجودة: الطحين، اللحوم، الحليب، المعلّبات… .
  • المشرب: تتحكّم به مافيات المياه المعبّأة وأكثرها غير مرخّص، يعاونها في ذلك أصحاب الآبار الارتوازية والصهاريج. أمّا مؤسسات المياه الرسمية فيتحكّم فيها مجموعة من السماسرة: مديرون، مهندسون، عمّال، نواطير… يوزعون هذه المياه بحسب حجم الرشوة… والأهمّ من كل ذلك ان هذه المؤسسات تصدر البيانات بسلامة هذه المياه وصلاحيتها للاستخدام المنزلي والشرب… وهي بالفعل ملوّثة، أقلّه بسبب الشبكة المهترئة.
  • المسكن: يحتكر هذا القطاع مجموعة من المطوّرين (التسمية خطأ لأنّ المطوّر يسعى إلى الأفضل) بالاتفاق مع عدد من إدارات المصارف وبتغطية من مصرف لبنان، والمواطن اللبناني من الطبقة الوسطى وما دون، يعيش تحت رحمة مافيات هذا القطاع طوال حياته من دون ان يتمكن من تسديد ثمن مسكنه.
  • المعبد (العبادة): باسم الدين، وأيّاً تكن تسميته، تتحكّم بهذا القطاع، نعم القطاع، مافيات تعد الانسان بالجنّة السماوية، وهي تنهب خيراته الأرضية، وما تأجير الأوقاف واستثمارها إلّا الدليل على ذلك، سواء أكان ذلك لجهة الأبنية أو القاعات، أو لجهة الأراضي الوقفية.
  • المستشفى (الطبابة): وكما أنّ الانسان يلجأ إلى الدين في روحانيته، يلجأ إلى الطبيب في صحته ويسلّم إليه أمره. هذا التسليم يفرض على الطبيب أن يربط عمله بالضمير. ولكن… البعض لا يمكنه الدخول إلى قسم الطوارئ في مستشفى إلّا بعد دفع رشوة… تمديد مدّة الاستشفاء… اللائحة المضخمة للأدوية والخدمات… تواطؤ موظفي الصناديق الضامنة مع إدارات المستشفيات… وصف أدوية غير ضرورية… تسعير الدواء…عدم صلاحية بعض الأدوية…
  • المعمل: في الدول التي تحترم الانسان، العامل (على انواعه) هو الأساس في العمل. في لبنان العامل أو الموظف هو في خدمة رأس المال وتؤكل حقوقه: ضمان اجتماعي وصحي، تسجيل بغير الراتب الحقيقي، عدم تأمين الشروط الصحية للعمل، إجازات مرض أو أمومة أو خدمة اجتماعية، صلاحية المكان، زيادة الرواتب…
  • المدرسة (التعليم): هذه المهنة التي من المفترض ان تكون رسالة لأنّها “تصنع” دماغ الانسان، أصبحت في لبنان تجارة، تماماً كالاستثمار في مخبز أو معمل اسمنت، أو مكتب استقدام خدم. إدارات هذه المدارس بمعظمها لا همّ لها إلّا جمع المال، سواء في التعليم الجامعي، أو ما قبل الجامعي. وأين تذهب الأموال التي تجمع باسم الفقراء او العمل الاجتماعي او صناديق الاهل او ما يعرف بدكان المدرسة.
  • المقبرة أو المدفن: وهي لما بعد الحياة، وفي لبنان حاجة أساسية. فهل سأل احدهم كم تبلغ تكاليف دفنة مواطن، وبخاصة إذا كان لا يملك مدفناً خاصّاً؟ ومن يتحكّم بهذه الأملاك الوقفية؟

باختصار، ما تقدم عن المافيات التي تسلب المواطن حقوقه الأساسية ليس الا القليل، والسلطات التي من واجبها تأمين هذه الحاجيات الأساسية تتواطأ بمعظمها مع هذه المافيات التي تتحكم بهذه الحاجيات، لأنّ مصالح القيّمين عليها ترتبط بمصالح هذه المافيات.

ومن يحلم بأن الكهرباء ستعود إلى منازل اللبنانيين 24\24 مع وجود مافيات أصحاب المولدات… ومن يحلم بان المياه ستعود الى مجاريها في المنازل مع وجود مافيات أصحاب الصهاريج والآبار الارتوازية وشركات تعبئة المياه…

ومن يحلم بان الأطباء سيعودون الى ضميرهم… واهل الدين الى السجود امام ربّهم… وأصحاب الجامعات والمدارس الى تحكيم عقولهم وليس مصالح جيوبهم…

على هؤلاء الّا يحلموا كثيراً… اقلّه في المدى المنظور.

ولكن… ولأن الانسان ابن الرجاء، على المواطن اللبناني “الآدمي” الا يفقد الأمل. الأمل في سلطة صاحب العهد، الامل في دور عدد من الجماعات والأفراد الذين لا زالوا يؤمنون ان الانسان وحقوقه الأساسية هما الغاية والهدف، علّ هؤلاء يستطيعون الحدّ من دور من لا يريد للمواطن اللبناني أن يعيش حياة سعادة وكرامة.

رئيس التحرير
سمعان سمعان