من الجامعة اللبنانية الى أهمّ معاقل التكنولوجيا في العالم

أن يبدع اللبناني في الخارج، فهذه حقيقة معروفة. وأن يتوق للعودة الى وطنه، فهذه حقيقة مرّة يعيشها كلّ مغترب. ولكن أن يعجز الوطن عن استيعاب نجاحات أبنائه، فتلك حقيقة أمرّ، ما زال الوطن يدفع ثمنها عجزا وضعفا ونزيف هجرة للأدمغة، لا تستطيع إيقافه كلّ العلاجات الآنيّة والمسكّنات الظرفيّة ونداءات العودة على طريقة المواويل و”يا مهاجرين ارجعوا…”

البروفسور فريد متري مبدع من لبنان، حمل إبداعه في مجال الفيزياء والعلوم البيو – طبية الى فرنسا ثمّ الى الولايات المتحدة، حيث أثمر إبداعه مناصب عليا في أهمّ المختبرات الاستراتيجية الأميركية، وبراءات اختراع وجوائز تقدير وتكريم، وهو في مقتبل العمر، لم يتجاوز عامه التاسع والثلاثين. يعشق عمله ويعشق وطنه، حلمه أن يعيش العشقين، ويخدم وطنه من أرض الوطن، ولكن “النصيحة” بالبقاء في الخارج أتته من أعلى المستويات في الإدارة اللبنانية الرسمية! فحمل “مشاعره المتضاربة” وعاد الى الولايات المتحدة، من دون أن يبخل على بلده بزيارات متتالية كلّما سنحت له ظروف العمل. وفي زيارته الأخيرة الى لبنان، تكلّم عن تجربته، وسجّل أهمّ “براءة اختراع”: حلم العودة مستمرّ والأمل موجود…

 

ولد فريد متري في بلدة الدبّية قضاء الشوف، وهو من سكّان “قرنة شهوان”، تلقى علومه الأولى في مدرسة “الشانفيل”، ليتخصص في الفيزياء في الجامعة اللبنانية – كلّيّة العلوم، قبل أن يتابع تخصصه بموجب منحة في فرنسا. ومن فرنسا الى الولايات المتحدة بعد حصوله على الدكتوراه، بدأت الأبواب تفتح أمام نجاحاته وطموحاته، بدءاً من مختبرات “مايو كلينيك” حيث عمل ستّ سنوات ونصف السنة في تكنولوجيا التصوير الدقيق في مجال السرطان، وصولا الى مختبرات “لوس ألاموس” أهم مختبر استراتيجي للأمن القومي. ومن “لوس ألاموس” وصل الى شركة “شيفرون” عملاقة النفط ومصادر الطاقة حيث يعمل اليوم. وفي كلّ مجال علم أو عمل، كانت له جوائز تقدير وتكريم وبراءات اختراع…

 

فقد أضاف الباحث والمخترع الدكتور فريد جورج متري أخيرا، مأثرة جديدة إلى مآثره المتعددة في عالم الأبحاث والاختراعات إذ عمد، بالتعاون مع إثنين من المهندسين، إلى تطوير تكنولوجيا جديدة لتحسين خصائص متدفق النفط عبر الأنابيب عند خطوط الإنتاج، والحد من تآكل الأنابيب، وقد منحته الولايات المتحدة براءة الاختراع في الخامس من تموز 2016.

وهذا الإنجاز ليس الأول له، فقد حاز على عدد كبير من الجوائز حتى الآن. فمتري بدأ دراسته في وطنه الأم لبنان ولقد حاز على البكالوريوس في الفيزياء من كلية العلوم في الجامعة ‏اللبنانية (الفرع الثاني) في العام 2000، وعلى الماسترز في العام 2001 والدكتوراه في الهندسة البيو – طبية (2004) من جامعة كلود برنار في ليون، فرنسا. وقدمت له ليون منحة لمتابعة ‏أبحاثه الدراسية للماسترز في مختبر التصوير بالرنين المغناطيسي النووي. كما حاز أيضا ‏على منحة من المؤسسة الوطنية للصحة والبحث الطبي في ليون (‏INSERM‏) لمتابعة ‏أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في مختبر البحث العلاجي بالموجات فوق الصوتية.‏

انضمّ متري في العام 2004 إلى مختبر أبحاث الموجات فوق الصوتية في مايو كلينيك، في روتشستر مينيسوتا في الولايات المتحدة، وهو احد أهم مراكز الأبحاث الطبية في العالم، حيث يعمل أستاذا مشاركا في الهندسة البيو- طبية، ولقد نال من المختبر جائزة لاختراعه مسبارا للعلاج الشعاعي للسرطان، وهذا المسبار يعتبر أكثر دقة وأقل إيلاما وضررا من الأجهزة التقليدية السابقة. وفي العام 2005 حاز متري وهو لا يزال طالبا جامعيا على جائزة “الباحث الشاب” Prix Du Jeune Chercheur de la ville de Lyon” من جامعة كلود برنارد في فرنسا. ثم حاز في العام 2007 على جائزة إدوارد س. كيندل الحائز على نوبل 1950 في الفيزيولوجيا والطب، إضافة إلى سبع ‏جوائز سفر تنافسية للمشاركة في لقاءات دولية. وانضم في آذار 2010 ‏إلى مختبر لوس ألاموس الوطني National Los Alamos laboratory ليعمل باحثا في أحد أهم المختبرات الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأميركية (الذي اخترع القنبلة الذرية الأولى). ومن ثم شركة “شيفرون” Chevron  النفطية العملاقة حيث أنجز اختراعه الأخير.

ولم يتوقف متري عند هذا الحد بل اختير من بين أكثر من 1500 عالم أميركي ومن مختلف بلدان العالم ‏لتولي منصب ‏Director’s Fellow‏ في مديرية علوم الفيزياء الاختبارية في مختبر لوس ‏ألاموس الوطني. ‏ومتري، بحسب رئيس الصوتيات والمجسات في المختبر، ديبان ن. سينها، هو “اللبناني الأول الذي يتم اختياره لهذا المنصب في السنوات الخمس عشرة الماضية”. والمختبر المذكور يديره الأمن القومي للوس ألاموس أل. أل. سي. بصفته أحد المختبرات ‏التابعة لوزارة الطاقة. ويعمل على تطوير العلوم والتكنولوجيا وتطبيقها لضمان سلامة الرادع ‏النووي للولايات المتحدة وأهليته؛ وخفض التهديد الناتج عن أسلحة الدمار الشامل، وانتشارها، ‏والحد من الارهاب؛ وإيجاد الحلول للمعضلات الوطنية في مجالات الدفاع، والطاقة، والصحة، والبيئة، والبنى التحتية…

وفي لبنان، منح رئيس الجمهورية العماد إميل لحود في أيلول 2007 وسام الأرز الوطني برتبة ضابط الى البروفسور متري الذي عاد وزار لبنان عام 2009 والتقى برئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان وأطلعه على أبحاثه واضعا قدراته بتصرف وطنه الأمّ، ولكنّ الرئيس سليمان نصحه بعدم العودة، فاختلطت عليه المشاعر حينها بين “الشعور بالخيبة من عدم التجاوب، والشعور بالإمتنان، كون النصيحة المقدمة له صادقة، لأن مجال عمله شبه مفقود في لبنان” كما أكّد متري. وفي هذا الإطار لا يستبعد البروفسور متري إعادة المحاولة مع الرئيس العماد ميشال عون، مؤكدا أنه مستعد لوضع قدراته بتصرف منظومة رسمية للمساعدة في مجالات الأمن الوطني أو الهندسة الطبيّة أو أي مجال من مجالات خبرته، مشيرا الى أنّ الأفكار موجودة وقابلة فعلا للتطبيق، ولكنها تحتاج الى قرار رسمي وفريق عمل. ويؤكد أنّ المطلوب في لبنان للنهوض بالدولة، الإنخراط فيها أولا، فالتغيير يتمّ من الداخل وليس من خارج الدولة.” ويضيف: “اللبنانيون ينجحون في خارج وطنهم لأن دول الخارج تعمل على مخططات طويلة الأمد ولا تعيش “كل يوم بيومه” كما في لبنان. ولذلك لا ينقصنا في لبنان إلا الإرادة، فإذا وجدت لاستطاع اللبناني أن يحقق المستحيل لأنه مثقف وقادر على العطاء”. وفي هذا الإطار ينصح الشباب بأن يؤمنوا بوطنهم وبأنفسهم، وأن يتخصصوا في ما يحبون، لأن سرّ النجاح هو أن تعمل ما تحبّ، فتحبّ ما تعمل ويصبح عملك شغفا وليس مجرد عمل.”

وعن إنجازاته ككلّ، يقول البروفسور متري، إنّه فخور بما وصل إليه، ولكنّ طموحه لا يقف عند حدود، والتفكير بكل ما هو جديد هو بالنسبة إليه “أسلوب حياة يعيشه دوما.” وهو في هذا الإطار يواصل أبحاثه في مجال تكنولوجيا السرطان، وتكنولوجيا النفط، بالإضافة الى تطوير لاصقات على الجلد قادرة على قياس معدلات مكونات الدم والأجهزة الحيوية للإنسان، وأخرى قادرة على تحويل عرق الإنسان الى طاقة… وغيرها من الأمور المتعلقة بالفيزياء كعلم متعلق بالإنسان وخادم لحياته ومساعد في مكافحة أمراضه. وهذه الأهداف هي عينها التي قادته الى التخصص في الفيزياء من الأساس. وفي أوقات الفراغ أو الراحة من عدم التفكير، يمارس البروفسور متري هواية ركوب الخيل التي يعشقها، وهو يربي خيولا لهذا الغرض.

 

يفتخر البروفسور متري بالجامعة اللبنانية الوطنية، ولكنه يدعو الى تحييدها عن السياسة والأحزاب، لأن العلم يتطلّب تركيزا من الطالب ومتابعة صحيحة من قبل إدارة الجامعة.

الغربة علمته المثابرة، والعلم علّمه الطموح، وعلّمه أيضا أنّ العالم يستطيع أن يكون مؤمنا بالله لأن الإيمان أكبر بكثير من حدود العلم. وهو كعالم وكإنسان يتخذ من الإنجيل المقدّس مرجعا ودستورا للعيش، لأن فيه تسكن جميع علوم…الحياة.

 

ل.م