من المُسلم به إن استعراض الأرقام لم يعد ضرورة للدلالة على الغبن الذي يلحق بالمسيحيين في القطاع الرسمي وتحديداً في إدارات الدولة العامة، إذ يصل عدد الموظفين المسيحيّين في بعض الإدارات الى 3 في المئة، و26 في المئة في أفضل الأحوال، في وقت يصل عدد موظفي الفئة الأولى الى 150 موظفاً، موظفي الفئة الثانية (رئيس مصلحة) 940 موظفاً وموظفي الفئة الثالثة في الإدارة(رئيس دائرة) 1100 موظف. كما تبلغ كلفة القطاع الرسمي سنويّاً نحو سبعة مليارات دولار، يُفترض أن تكون حصّة المسيحيّين منها 3،5 ملياراً، لكن الواقع عكس ذلك.

ناقوس خطر تحجيم المسيحيين في المؤسسات الرسمية يدق ، فهل من يتحرك ؟ تعديل المادة 95 من الدستور ألغت التوازن الطائفي للوظيفة العامة، تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية حدّ من حق الرئاسة الأولى في تعيين موظفي الفئة الأولى، وغيرها من الأمور التي لا تُعدّ ولا تُحصى. فإذا كان الدستور قد حافظ على التوازن في الفئة الأولى، فإنّ ما نشهده اليوم يعتبر مناصفة وليس توازناً.

وحول التعيينات الإدارية التي تحصل ، تقول إحدى المرجعيات السياسية «المسيحيون منكفئون عن الوظيفة العامة ، إنهم في حالة طلاق مع الدولة». أما المرجعية الدينية فتسأل «كيف يقبل الوزراء تمرير مرسوم لا يحفظ الحد الادنى من التوازن الطائفي وهل يتجرأ السياسيون ويتحملون تداعيات هذا الخلل»؟ أما المرجعية القانونية فتتطالب «بتعديل المادة 95 من الدستور ومواد أخرى لضمان حقوق المسيحيين في الدولة». هذه المرجعيات مجتمعة تؤكد على «ضرورة تغيير ذهنية الشباب المسيحي حيال الوظيفة العامة». وتتفق هذه المرجعيات على اختلا ف تنوعها على تحديد «مرجعية مسيحية واحدة تتعاطى في موضوع الحضور الوظيفي في الدولة انطلاقاً من حقوق المسيحيين، لأن الخلل في مبدأ المناصفة فاق كل المعايير المقبولة».

شكّل اتفاق الطائف أحد أسباب الإحباط المسيحي إذ يشهد لبنان منذ إقراره غياباً ملموساً للحضور المسيحي في الإدارات العامة، إذ تقلصت صلاحيّات رئيس الجمهوريّة ونُقلت الى مجلس الوزراء مجتمعاً وعزّزت صلاحيّات رئيس المجلس النيابي، بالإضافة الى الكثير من التعديلات الأخرى التي واجهت اعتراضاً مسيحيّاً واسعاً. وألغى الاتفاق المناصفة التي كانت سائدة في الوظائف العامة، حاصراً إيّاها بموظفي الفئة الأولى، شرط مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني، وهو شرط يحتمل الكثير من التفسيرات والاجتهادات.

ويظهر جلياً من خلال خطابات السياسيين المسيحيين والدراسات التي تقوم بها مرجعيات دينية مسيحية، أنه يبرز منذ سنوات وجود خلل في إدارات الدولة بسبب غياب الموظفين المسيحييّن، خصوصاً، أن معظم هؤلاء أصبحوا في سن التقاعد، ويُستبدل بعضهم بآخرين من طوائف أخرى. لهذا يشعر المواطن المسيحي بالغبن والاحباط. لكن على المسيحيين أن يبدلوا نظرتهم الى الدولة، لتعزيز شعورهم بإنتمائهم إليها وضمان التوازن في كلّ ما له علاقة بها، وهذا ما تؤكد عليه مرجعية دينية رفيعة، وترى «نحن المسيحيون، نحن المتجذرون في هذا الشرق ونحن الخميرة التي تنمو على محبة المسيح. ومن واجب المسلمين أن يحافظوا على هذا الوجود لأن لبنان بلد التعايش والانفتاح على الآخر». وهذا ما كان يؤكد عليه الامام موسى الصدر: «إن ميزة التعايش لا بد لكي تتكامل من أن يبقى للطوائف اللبنانية الحد الأدنى من وجودها الثقافي».

تطوّر الإدارة العامة

رافقت الطائفية الإدارة العامة في كل مراحل وجودها التاريخي، حيث ارتبطت الإدارة بالسياسة، لا سيما في عهد الامارة والقائمقاميتين والمتصرفية، وكان الأُمراء والقائمقاميون والمتصرفون والذين يعاونوهم من إقطاعيين وقضاة ومستشارين ، يقومون بالأعمال الإدارية ويديرون الشؤون السياسية العامة معاً في المراحل الأُولى. أخذت الإجراءات الإدارية تتبلور أكثر من خلال تعيين الموظفين في الدوائر والمقاطعات في عهد المتصرفية، وتطورت في عهد الانتداب.

في عهد الاستقلال اتخذت الإدارة العامة صفتها النهائية بواسطة المراسيم والقوانين التي خُصصت لهذه الغاية، حيث تناولت هذه الأخيرة كيفية التوظيف والشروط الخاضعة لها. ومع ذلك، ظل العمل الإداري العام مرتبطاً إلى حد كبير بالعمل السياسي بسبب التداخل بين الإدارة والسياسة، بحيث لا يمكن لأي سياسة أن تنجح من دون إدارة كفوءة، لا سيما بعدما أصبحت خدمة المواطنين الهدف الأساس للسياسة، وبعدما تحولت الدولة من الدولة الأمنيّة، إلى الدولة الراعية.

خضع تعيين الموظفين في لبنان، خاصة بعد الاستقلال للتوازن الطائفي، بالاستناد إلى المادة 95 من الدستور «بصورة مؤقتة والتماساً للعدل والوفاق» تُمثل الطوائف بعدل في الوظائف العامة وتشكيل الوزارة من دون أن يؤول ذلك إلى الأضرار بمصلحة الدولة لكن بالرغم من تضمين هذه المادة عبارة «بصورة مؤقتة» بقي التوازن الطائفي هو المعمول به في التوظيف في إدارات الدولة العامة، من المدير العام إلى الحاجب. فالمرسوم الاشتراعي الرقم 112 الصادر بتاريخ 12حزيران 1959 في المادة 96 منه المعطوفة على المادة 95 من الدستور ، تمّ بموجبه توزيع المناصب الإدارية على الطوائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين(6 للمسيحيين مقابل 6 للمسلمين).

من الناحية القانونية، أدّت عبارة «مراعاة التوازن الطائفي»، إلى تجاوز عملية ترتيب الناجحين في الامتحان، حيث ألزمت الإدارة من دون نص صريح بإجراء التعيين وفقاً لترتيب الناجحين ، عن طريق اعتماد المباراة بحيث يمكنها حق الاختيار في التعيين من بين الناجحين دون اتباع درجات النجاح ، مع التقيد بالقاعدة التي تقول، «بالترتيب ضمن قائمة الناجحين نسبة لكل من الطوائف فيفضل للتعيين أسبق الناجحين من طائفة واحدة»، كما جاء في كتاب موريس نخله بعنوان «شرح قانون الموظفين»، فينتج عن ذلك تعيين الرابع من الناجحين بدلاً من الثالث مثلاً بموجب هذه القاعدة . يكون ذلك متوافقاً مع أحكام القانون ولا مخالفة فيه من جراء تعيينه أسبق الناجحين من كل طائفة ، لأن الذي أتى في المرتبة الرابعة ، يكون الثاني في سلسلة طائفته، والتوزيع يفرض إثنين .

لقد تم تشريع هذا الترتيب في تعيين الموظفين من قبل مجلس شورى الدولة عندما أصدر قراراً يقول بتطبيق القانون والمبادئ العامة المتبعة في دوائر المالية ومراعاة التمثيل الطائفي في ملء المراكز الشاغرة والمستحدثة، فإن على السلطة أن تعين في المراكز التي أجرت من أجلها المباراة الناجحين فيها حسب ترتيب نجاحهم وضمن الطائفة التي يمثلونها.

إن مراعاة التمثيل الطائفي يبدو كذلك في الفئتين الثانية والثالثة. أما بالنسبة لمراكز الفئة الأُولى ، فتتم بواسطة سلة التعيينات الإدارية ، والتي بموجبها تقوم السلطة التنفيذية بالتعيين استنسابياً ، أو بالترقية من داخل الملاك بواسطة ترفيع الموظف من الفئة الثانية إلى الفئة الأُولى أو التعيين من خارج الملاك ، كل ذلك يتم بحسب التوازن الطائفي لملء المراكز الإدارية في الفئة الأُولى .

وعليه، «تبين أن الطائفية هي الركن الأساسي في تعيين موظفي الإدارات العامة بموجب القوانين الصادرة بهذا الشأن ، ما أدّى الى ترسيخ الطائفية في شتى المرافق الإدارية اللبنانية». ويشكل مجلس الخدمة المدنية النواة الأساسية لتعيين الموظفين في الفئتين الثانية والثالثة ، وهو الجهة المخولة التي تُعنى بإجراء الامتحانات دون تحديد العدد من كل طائفة .

مجلس الخدمة المدنية :
حارس القانون ؟

أُنشىء هذا المجلس بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 114 في 12 حزيران العام 1959 بناءً على القانون الصادر بتاريخ 12/12/1958. ويمكن القول أن القائمين على أمور الإصلاح آنذاك قد راودتهم جدياً فكرة إنشاء مجلس للخدمة المدنية يتمتع بإستقلالية كاملة ويتولى الاهتمام بشؤون الإدارة وموظفيها من حيث تطوير أساليب عملها وتحديث ملاكاتها وحسن اختيار موظفيها ومتابعة مسيرتهم خلال الوظيفة.

أتى هذا المجلس ضمن تصور علَّقت عليه الآمال لكي يقود الإدارة والإصلاح فيها بصورة دائمة ويكون حارساً للقانون ، يضمن تحرير الإدارة من الضغوطات المختلفة، ولا سيما منها الطائفية والسياسية ، انطلاقاً من عدم ارتهانه، واستقلاليته، وخلق منهجية مركزية واحدة للتنسيق بين كل الإدارات الرسمية ومراقبة القرار وسير تنفيذه . لكن السؤال : هل ينفذ المجلس ذلك وهل يستطيع؟

يقول رئيس مجلس الخدمة المدنية السابق الدكتور خالد قباني في تقرير لأعمال المجلس «أن المجلس يحرص على بث روح جديدة في الإدارة ، ترتكز على قيم الجدارة والتفوق والمسؤولية وأخلاقيات العمل والخدمة العامة، والالتزام بالقوانين والأنظمة، بما يحقق المساواة وتكافؤ الفرص ويعزز الديموقراطية السليمة، إلى جانب دور هيئات الرقابة الأخرى التي تلعب دوراً هاماً في تنقية الإدارة وضبط عملها وتحسين الأداء الإداري» .

ولا ينكر الدكتور قباني في هذا التقرير «أن الوظيفة العامة تتعرض لتحديات لا بد من مواجهتها بإيجاد الحلول المناسبة، ولعل في طليعتها التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على كرامة الوظيفة العامة وعلى ولاء الموظف للدولة ومعالجة مسألة الفساد في الإدارة، مما يتطلب إعادة النظر بالرواتب لكي تتلاءم مع الأوضاع المعيشية والحياتية التي تضغط على كاهل الموظف وتنعكس سلباً على الأداء العام» . ويحرص قباني على القول «يجب إبعاد السياسة عن الادارة وأن يحرص أهل السياسة على عدم التدخل في الادارة أو ممارسة أية ضغوطات أو تأثيرات عليها بما يمنعها أو يبعدها عن ممارسة دورها الحقيقي ألا وهو الخدمة العامة المجردة» .

البدء من القاعدة

ويوضح مصدر رفيع في مجلس الخدمة المدنية تعليقاً عن سؤال طرحناه عليه حول مدى التأثير في عمل المجلس لإدخال الموظفين الى القطاع العام «إن الامتحانات التي يجريها مجلس الخدمة المدنية لا يمكن التلاعب بها وتعتبر نزيهة الى حدٍ كبير بحيث لا يفوز إلا الذي يحصل على معدل العلامات الأعلى بين الناجحين. انما المشكلة التي تظهر للعلن بشأن ارتفاع عدد المسلمين فهذا يعود الى أن الأعداد التي تتقدم للامتحانات من هذه الطائفة هي أعداد مضاعفة للعدد الذي يتقدم من الطائفة المسيحية ، لهذا من الطبيعي أن تكون أعداد الناجحين المسلمين تفوق أعداد الناجحين المسيحيين. هذا يتطلب تغييراً لذهنية الشباب في المجتمع المسيحي لأنهم لا يتهافتون على تقديم الطلبات، وبالتالي لا يتحلون بالشجاعة بأنهم سيتسلمون مراكز مهمة في الادارات الرسمية التي تحتاج الى كفاءات قد تتوفر فيهم».

ويرى المصدر «أن تعديل المادة 95 من الدستور بعد اتفاق الطائف كان له الأثر السلبي حيال هذه المسألة بسبب عدم اعتماد مبدأ التوازن الطائفي الذي كان سائداً لسنوات، فقد ينجح متقدمون للامتحانات من طائفة أكثر من طائفة أخرى فيتمّ تعيينهم في المراكز الشاغرة حتى ولو لم يتوفر التوازن الطائفي.

ويتوقّف المصدر عند «رسوب المرشحين الذين تقدموا من جامعات خاصة»، مطالباً «بإعادة النظر في الطرق التعليمية المعتمدة في المؤسسات التربوية» لافتاً «الى تدني المستوى العلمي عند بعض الشباب المسيحي الذين يتقدمون للامتحانات». ولم ينكر أن «هناك العديد من العوامل التي تتداخل للحد من ادخال المسيحيين الى الدولة (من تعديل الدستور الى إنكفاء المسيحيين عن التقدم بطلبات التوظيف إلى القطاع العام والمستوى العلمي المتدني…) وينبه «الى الخطر الوجودي المسيحي في حال استمرت الحالة على ما هي عليه». والأكثر من ذلك، إن الوظائف الرسمية التي لا تتطلب امتحانات وتقوم على التطوع تشهد تراجعاً من المسيحيين الذين لا يتقدمون الى هذه الوظائف. ويطلب المصدر من المسؤولين المسيحيين: مرجعيات دينية وقوى سياسية «العمل تبعاً لاستراتيجية بعيدة الأمد تكمن في التقدم الى الفئات الثانية والثالثة تمهيداً لترفيعهم عند الحاجة الى الفئة الأولى لتولي وظائف سيادية، واليوم هناك صعوبة في إيجاد موظفين مسيحيين في الفئة الثانية مثلاً لترفيعهم الى الفئة الأولى وتعيينهم في المكان المطلوب.

ويذكر المصدر « أن المجلس يعتمد التعيين من خلال إجراء مباراة تتسم بالنـزاهة والشفافية والموضوعية التي تقوم على أساس المساواة والمنافسة وتكافؤ الفرص، بحيث أن المجلس هو الضامن لحقوق أصحاب الكفاءات والاختصاص، بما يجنبهم اللجوء إلى الواسطة، ويعزز استقلالية الإدارة، لكن التدخلات السياسية تأتي في مرحلة لاحقة بعد الاعلان عن النتائج وطريقة التعيين، وهذا خارج صلاحيات المجلس».

تهميش المسيحيين في تولي الوظائف

ولأن تهميش المسيحيين بدا واضحاً في مختلف الوزارات، أعدّت لجنة المتابعة النيابية المنبثقة عن اللقاء الماروني الموسّع في بكركي والتي ضمّت النائب البطريركي الماروني العام المطران بولس صياح رئيساً والأباتي أنطوان خليفة ورئيس مؤسسة «لابورا» الاب طوني خضره، دراسة قانونية مفصلة عن تهميش المسيحيين في مؤسسات الدولة، عرضت تفصيلاً للمادة 95 من الدستور. واقترحت تعديل هذه المادة والعودة الى العمل بقاعدة 6 و6 مكرر في ما خص جميع وظائف الدولة بسائر فئاتها.

وأشارت الدراسة الى أن «وضع المسيحيين في الادارة اللبنانية يعاني تراجعاً متصاعداً وممنهجاً منذ مطلع التسعينات، ويعتمد المتواطئون ضد الوجود المسيحي في الادارة وسائل وذرائع شتى لتهميش المسيحيين فيها»، معتبرة «أن الفقرة ب من المادة 95 من الدستور بعد التعديلات الدستورية التي انبثقت من وثيقة الوفاق الوطني في الطائف وأقرّت بموجب القانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990 لم تعد توجب صراحة حفظ كوتا لأي طائفة في توظيفات القطاع العام، ما عدا مراعاة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في وظائف الفئة الأولى». وشرحت بإسهاب أن المعنيين «يعمدون الى تغطية أهدافهم بالتحايل على القانون في عمليات إبعاد المسيحيين عن الإدارة، فيطلبون توظيف العشرات أو مئات الموظفين ويختارون في الوظائف المطلوبة مهمات أو مناطق لا تهمّ المسيحيين عادة».

ورأت «أن المادة 95 من الدستور في نصها القديم كانت تقضي بوجوب مراعاة التمثيل الطائفي في تعيين الموظفين الى أي سلك أو فئة انتموا، فلم يكن من خلاف على وجوب تقيد السلطة الادارية بهذا الالزام، وكان اجتهاد مجلس شورى الدولة مستقراً على القول إنه يتعين على السلطة الادارية المختصة أن تعين في المراكز التي أجريت من أجلها المباراة، من ينجح من المرشحين بحسب ترتيب نجاحهم، ولكن ضمن الطائفة التي ينتمون إليها، لا بحسب ترتيب نجاحهم الأساسي المطلق».

وأشارت الدراسة الى أن عبارة «مراعاة مقتضيات الوفاق» تهدف الى «مراعاة التوازنات الطائفية وليس الى التفلت منها أو ضربها». هذه العبارة لم ترد في نص الفقرة ب من المادة 95 من الدستور بعد عبارة «تلغى قاعدة التمثيل الطائفي» التي استهلت بها الفقرة مباشرة، بل جاءت بعد عبارة «ويعتمد الاختصاص والكفاية في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة»، مما يعني انها تابعة ومعطوفة على الاخيرة وتشكل أحد شروط تولية الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات المذكورة الى جانب شرطي الاختصاص والكفاية. وخلصت الدراسة الى أن «المعنيين انتهكوا بصورة صارخة شرط الاختصاص والكفاية في التعيينات، والشرط الآخر المتعلق بمقتضيات الوفاق الوطني لابعاد المسيحيين رويداً رويداً وبشكل تصاعدي عن الادارة العامة».

تعديل المادة 95 ومواد أخرى

يوضح الدكتور خليل الدحداح (دكتور دولة في الحقوق وأستاذ محاضر في القانون في الجامعة اللبنانية) أن الدستور اللبناني هو القانون الأعلى في البلاد ولا يجوز للقوانين الوضعية العادية أن تخالفه، فلم يعد بالمستطاع إلا المطالبة بتعديل المادة 95 منه لأنها حدّت لا بل حسمت عدم إمكانية وجود توازن طائفي في مختلف التعيينات الإدارية التي هي دون الفئة الأولى، مع الاشارة الى أن المادة 95 تناقض نفسها بنفسها، فبينما تتحدث عن أن الفئة الأولى وما يوازيها يجب أن ترتبط بالتوازن الطائفي إذ يُستثنى منها القضاء وسواه من المراكز التي تمتاز بحجم الفئة الأولى». ويشرح الدكتور الدحداح «هناك الكثير من المناصب التي كانت محسوبة لطوائف معينة بدأت تتقلص شيئاً فشيئاً بحجة التقيد بالمادة 95 من الدستور، ما عكس قلقاً لدى فئة من اللبنانيين وهذا يزداد كلما تقاعد عدد معين من أبناء هذه الطوائف. إذ أنه يحل مكانهم حكماً أشخاص من طوائف أخرى ، كل ذلك انطلاقاً من أحكام هذه المادة الدستورية والمشكلة ليست فقط في المادة 95 من الدستور بل أن العديد من المواد الدستورية لا سيما تلك المتعلقة بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية جعلت التوازن مفقوداً في المؤسسات السياسية والعامة التي تدير البلاد وبالتالي نقترح تعديلاً للدستور في الكثير من مواده ، وما الأزمة الرئاسية الحالية إلا احدى التداعيات الناجمة عن عدم دراسة الدستور اللبناني دراسة جيدة تجعل أمر الأزمات السياسية على مستوى الرئاسة والوزارة وسواها بحكم غير الموجودة» .

ويقترح الدكتور الدحداح «ان يكون التعديل بعيداً عن التناقضات الواردة في المادة 95 وأن يصيب الموضوع مباشرة بحيث تنص صراحة على إجراء المناصفة في جميع وظائف الدولة حتى الدرجة الثالثة بين المسيحيين والمسلمين الى حين تنفيذ البنود المتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية الواردة في الدستور من قبل الجهات المختصة».

ويجد أن «قاعدة التمثيل الطائفي في لبنان تدخل في قيمه وتاريخه كبلد لأقليات لا يمكن تجاوزها أو محاولة الالتفاف حولها على سبيل المناورة ليس إلا، علماً أن الأعراف التي كانت سائدة في لبنان كانت تسعى دوماً للابقاء على التوازن الطائفي في الفئات ما دون الأولى في معظم الادارات والمؤسسات الرسمية. أما عندما تُجرى المباراة سواء في القطاعات العسكرية أو المدنية أو القضائية أو غيرها فإن هذه القاعدة يتمّ استبعادها، مما قد يؤثر على المدى الطويل على فئة معينة من اللبنانيين التي لا تجد تشجيعاً لها للدخول الى إدارات الدولة بمختلف أجهزتها ووجوهها ، هذا أمر يجب استشرافه من اليوم لأنه قد يؤدي في وقت لاحق الى أن تجد فئة من اللبنانيين نفسها مهمشة في معظم إدارات الدولة».

التحرك السياسي المسيحي للضغط والتأثير

ويقول الدكتور الدحداح : «إن التوازن في لبنان تقلص بشكل بارز بعد التعديل الدستوري الذي حصل في العام 1991 بحيث من ناحية أولى لم تعد قائمة الصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية ، ومن ناحية ثانية تمّ تعديل المادة 95 من الدستور بحيث بدأت تتدنى المراكز التي كان للمسيحيين الأولوية في تبوئها وجاءت ثالثاً الفئات الأقل درجة في سلم التراتبية لتمحق نسبياً وجود المسيحيين في الكثير من الإدارات الرسمية ، اذ كنا نجد في البعض منها عدد لا يتجاوز الأصابع اليد في حين أن اعداداً من الطوائف الاخرى بالمئات ولا يكفي تشجيع المسيحيين للانخراط في وظائف الدولة اذا لم يكن ثمة قانون يحميهم في ظل التدخلات التي تحصل عادة من قبل المنتمين الى طوائف أخرى في المراكز الادارية».

ويؤكد «للخروج من هذه الأزمة التي يعاني المجتمع المسيحي منها، واذا كان من المتعذر تعديل الدستور فانه يمكن عملياً من قبل السياسيين المسيحيين الموجودين في السلطة من وزراء ونواب ورؤساء أحزاب، اضافة الى السلطة الدينية، بمختلف مذاهبها أن تقوم بتحرك على أرض الواقع تسعى من خلاله الى الضغط على الفئات الأخرى السياسية لادخال أكبر عدد ممكن من المؤهلين الى الادارات الرسمية وفي شتى فئاتها، كما السعي لدى أبناء الطوائف المسيحية لتشجيعهم على ولوج الوظائف العامة وحثهم على عدم اهمال هذا الأمر مما يخفف من هجرتهم التي قد لا تؤمن لهم احياناً ما قد تؤمن لهم من استقرار الوظيفة على الأراضي اللبنانية».

ويدعو «الى إلقاء المحاضرات في الجامعات لا سيما في الفروع التي يكثر فيها عدد المسيحيين سواء تلك التابعة للدولة أو للقطاع الخاص لتنبيه الطلبة الجامعيين على أهمية الدخول في ملاكات الدولة ، مما يعزز ترسيخهم في أرضهم وعدم التفكير في تركها لا سيما وأن استمرار الأمر على ما هو عليه حالياً سيؤدي حتماً الى تدني نسبة الأقلية المسيحية في لبنان والشرق الأوسط» .

«ولا يجب الاكتفاء بالجامعات بل أيضاً في المدارس والرعايا لاعلام الأشخاص الذين هم قادرون على ولوج الفئتين الثالثة أو الثانية أو غيرها في الدولة، لأنه يجب التوجه الى الفئات الثانية وما دون وذلك للتدرج تمهيداً للوصول الى الفئة الأولى. كما لا نؤيد إدخال أعداد كبيرة في المؤسسات العسكرية من طوائف معينة لا تتعدى الـ20% للطوائف المسيحية ، من هنا يجب وابتداءً من اليوم فرض التوازن الطائفي التام عند حصول أية مباراة أو تطوع حتى ولو في رتب عسكرية غير متقدمة».

الأحزاب تعمل على تصحيح الخطأ

يعترف نائب الأمين العام في حزب الكتائب ومستشار وزير الاقتصاد الياس حنكش «أن بعض السياسيين المسيحيين المعنيين بهذا الموضوع ارتكب أخطاءً، لكن المهم اليوم أننا كأحزاب مسيحية نعمل على تصحيح هذا الخطأ والتنسيق مع «لابورا» لتفادي الوقوع في أخطاء مماثلة وخلق آلية تنسيقية بين الأحزاب». ويقول: «كمسيحيين لسنا بسلطة قرار بسبب عدم التوازن في الصلاحيات. لسنا موجودين في هيكلية الدولة خصوصاً في القوى الأمنية والجيش. ننزف من وراء الفراغ في سدة الرئاسة. ومن مسؤوليتنا أن نقوم بحملات توعية تنظم في مختلف المناطق اللبنانية ، وإرشاد الشباب على الطريق الصحيح من خلال دورات تدريبية وتأهيلية للتوظيف وخلق جدوى اقتصادية للفرد».

ويؤكد حنكش «مشكلتنا هي طلاقنا مع الدولة وذلك بسبب البعد عنها. لم نعرف في السابق أن ننخرط في الدولة، فبقينا مهمشين. فالمسيحيون أفقدوا أحياناً مقومات لبنان – الدولة بسبب طلاقهم معها . فالمسيحي يفضل العمل في القطاع الخاص بسبب المعاش المرتفع ليمكنه من العيش بكرامة وطمأنينة لكن يجهل بأن الوظيفة العامة تؤمن له الاستقرار والطمأنينة ولو على المدى البعيد . من هنا نحتاج الى ثقافة لنشر هذا الوعي بين المسيحيين. فمثلاً في وزارة الاقتصاد أُحيل الى التقاعد 14 موظفاً، وخلال خمسة أشهر نفتش عن اثنين لترفيعهم الى الفئة الثانية، فهناك صعوبة بايجاد مسيحيين في مراكز مهمة». ويتابع «في اهراءات القمح أحيل المدير العام على التقاعد فيُعين مكانه بالوكالة شخص شيعي، ما يمهد الطريق لتعيينه لاحقاً بالأصالة. هذا يعتبر احتيالاً على القانون والأعراف التي تربط اللبنانيين ببعضهم البعض. ونعمل اليوم على إعادة هيكلية للاهراءات وتصويب الأمور».

ويشدد على أن «ما يجمع المسيحيين اليوم هو أكثر مما يفرقهم، وهو العمل من أجل تقويتهم داخل مؤسسات الدولة والحفاظ على وجودهم. وصحيح أنه تتمّ المناصفة بين اللبنانيين على صعيد الفئة الأولى لكن المسيحيين لا يتسلمون مراكز سيادية ، من هنا انعدام التوازن في غالب الأحيان فمثلاً هناك 120 مراقباً في وزارة الاقتصاد (80 مسلماً و40 مسيحياً ) وبالرغم من ذلك كلما أردنا ادخال أي موظف مسيحي ندخل في معركة مع الآخرين ، وهنا نسأل أين الخطابات التي تتحدث عن التنوع والتعددية» .

المناصفة للوحدة والعيش المشترك

ويؤكد حنكش «نحن مؤتمنون على أن يبقى لبنان بصورته التعددية وألا يبقى المسيحيون في طلاق مع الدولة. قضيتنا المحورية هي إعادة التوازن وخلق إطار قيمة مضافة ووضع هذا الموضوع في سلم أولويات الأحزاب بالتعاون مع «لابورا». ويضع في تصرف المعنيين ولا سيما «لابورا» مكاتب أقسام الحزب في مختلف المناطق اللبنانية والتي تصل الى الـ 400 قسم وأن يتمّ تشجيع وتوجيه شبان المناطق للانخراط في المؤسسات العامة في الدولة. هناك صعوبة أحياناً بسبب عدم حماسة الشاب المسيحي للدخول الى الدولة لأسباب عدة».

ويدعو حنكش الى «تحقيق المناصفة بين المسيحييّن والمسلمين لان لبنان بُنيَ على هذه المناصفة والوحدة والعيش المشترك»، مشددّاً على «ملء كل الشواغر في الإدارات الرسمية»، ويذكّر بأنه «في عهد الرئيس فؤاد شهاب كان الحضور المسيحي ظاهراً في إدارات الدولة لانه تميّز بتحقيق المناصفة والمساواة في تولّي الوظائف العامة، اما اليوم ووسط كل ما يجري فإن تحقيق التوازن من ناحية المحافظة على حقوق المسيحيّين يقع على عاتق المسيحييّن وحدهم، لذا عليهم اليوم رفع الصوت عالياً اكثر من اي وقت مضى مع الاهتمام الكامل بكل قضاياهم» .

لابورا تناضل لحماية المسيحيين

أما عن الدور الذي تقوم به «لابورا» للحفاظ على التوازن الطائفي في مؤسسات الدولة يقول رئيسها الأب طوني خضره : «لدينا مبدأ أساسي هو أن التوازن الطائفي من إحدى المقومات الأساسية التي تحمي لبنان في صيغته الحالية ، وإن العنصر الأساسي الذي يعطي الأمان يتخطى الأمن بالمفهوم العسكري لأن حماية لبنان تكمن في تنوعه والحفاظ على هذا التنوع . من هنا وضعت «لابورا» خطة للحفاظ على التوازن الطائفي الذي من المفترض أن تحميه المادة 95 من الدستور اللبناني التي تنص على إلغاء المناصفة في الفئة الثانية وما دون، دون مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني ، لذلك طُرح على كل المرجعيات أن يتمّ اعداد قانون في مجلس النواب «يفسر هذه المادة وكيفية الحفاظ على التوازن بالأرقام وليس بالمبدأ». ويرى أن «الحفاظ على مبدأ التنوع في الادارات العامة يتجلى من خلال الإبقاء أقله على نسبة 30% من المراكز الأساسية لكل الطوائف الكبرى . وقد قامت «لابورا» برصد الشواغر في الإدارات العامة، والذين يُحالون على التقاعد من أجل ملء الشواغر وفق طوائفها حتى لا يختل هذا التوازن من خلال اعداد برامج الترفيع والتعيينات المطلوبة التي على مجلس الوزراء القيام بها . كما طرحت «لابورا» منذ سنتين أن يكون الموضوع على طاولة الحوار الوطني لأنه أساسي لاحقاق هذا التوازن والعدالة الاجتماعية ، لكن الجهود ذهبت سدىً بسبب توقف طاولة الحوار».

ويؤكد الأب خضره أن «لابورا» «تحفز وتشجع المسيحيين على الانخراط في وظائف الدولة لكي يبقى هذا التنوع» ، مناشداً الشركاء في الوطن «ألا يذهبوا الى الوظيفة العامة إلا ومعهم المسيحيون مهما تعددت الأسباب والحجج. والمثال على ذلك هو أنه في العام 1990 كان من أصل كل مئة لبناني يتقدم الى الوظيفة العامة نحو 48 % من المسيحيين، وأصبح هذا الرقم 14% في العام 2008، أما اليوم وبفضل «لابورا» التي بدأت العمل منذ ست سنوات وصل العدد الى 31% . كما أن دورة رؤوساء الدوائر الأخيرة التي تمّت في العام 2014 فقد نجح فيها نحو 42% من المسيحيينً في وقت لم تتخطّ النسبة في العام 2004 الـ 12% ».

ويرى الأب خضره «أن وظائف الفئة الثانية والثالثة لا يزال التوازن فيها مقبولاً لأن العديد من هؤلاء تمّ تعينهم في زمن عهد المناصفة مع بعض الخروقات التي تمّت وتتمّ من خلال تغيير طائفة بعض المراكز من مسيحي الى مسلم، وهذا ما يجب توقيفه للحفاظ على نسبة من التوازن»، مشيراً الى «أن مجلس الوزراء يعمد أحياناً الى تعيينات في الفئة الثانية والثالثة من خارج جدول الأعمال، دون تحضير مسبق، وهذا ما أكده العديد من الوزراء أن بعض المراسيم لم تكن مطروحة مسبقاً بل جاءت من خارج جدول الأعمال وتمّ التوافق عليها. من هنا التزم عدد من الوزراء تحاشي هذه الطريقة وتحضير التعيينات مسبقاً مع الأخذ في الاعتبار مبدأ التوازن» .

ويسأل: «هل ما زالت قناعة الحفاظ على الآخر والتنوع موجودة عند كل اللبنانيين لأن الطائفية تسللت بقوة الى مراكز التعيينات والقرار، وما نسمعه في أكثر الخطابات السياسية هو «لقد أوقفنا العدّ والمناصفة الى الأبد ، سنحافظ على التوازن لو بقي مسيحي واحد» (هذا ما كان يردده رؤساء حكومات سابقة)، أين نحن اليوم من هذا الكلام وكيف يُصرف.

ويكشف الأب خضره عن واقعٍ مرير، هو الخلل الطائفي الذي بات مخيفاً، بشهادة قيادات وأحزاب 14 آذار المسيحيّة. والأمثلة أكثر من أن تُحصى عن هذا الخلل الحاصل والاجحاف في حقّ المسيحيّين في مختلف الوزارات ، من دون أن تنفع التطمينات التي تلقّتها جهات روحيّة وحزبيّة مسيحيّة بإصلاح هذا الخلل.

غيض من فيض
ويمكن تسجيل بعض الملاحظات في ما يتعلق بوظائف الدولة بين الماضي والحاضر، وهذا على سبيل المثال لا الحصر:
– يصل عدد الموظفين المسيحيّين في بعض الإدارات الى نسبة 3 في المئة، والى 26 في المئة في أحسن الأحوال.
– في التعليم المهني والتقني ، هناك مناصفة تقريباً في عدد الأساتذة في الملاك، أما المتعاقدون فعددهم 16 ألفاً و500 متعاقد ، وعدد المسيحيين منهم يبلغ نحو 9% . والمشكلة هي أنه اذا تمّ تثبيت هؤلاء فتصبح نسبة المسيحيين لا تتعدى الـ 10 % بدل 50%
– هناك 12 مديرية في مجلس النواب ، 11 منها يشغلها أشخاص من الطائفة الشيعية .
– في بلدية بيروت تمّ توظيف عدد كبير في العام 2012 ، ولم يكن هناك أي توازن طائفي . تمّ الاتفاق مع سياسيي بيروت على ادخال مئة مسيحي بالتعاقد من أجل الحفاظ على التوازن.
– أجرى مجلس الخدمة المدنية بطلب من رئاسة الحكومة مباريات لتعيين محاسبين، تقدم إليها 1645 مرشحاً، بينهم 234 مسيحياً و 1411 مسلماً، نجح منهم 220 مرشحاً، 22 مسيحياً و198 مسلماً، اي 10 في المئة مسيحيون و90 في المئة مسلمون. ومن ضمن هؤلاء، تم تعيين الدفعة الاولى في المديرية العامة للتعليم المهني والتقني، وشمل قرار التعيين 105 محاسبين بينهم ثمانية مسيحيين فقط. الدفعة الثانية المتبقية تشمل تعيين 115 محاسباً في إدارات أخرى وفق الطلب ومن بينهم 14 مسيحياً فقط، هذا سيشكل خللاً فاضحاً للتمثيل المسيحي في مركز محاسب في ملاك الادارات العامة.
– تعيين حسن سويدان من الطائفة الشيعية في مركز رئيس مصلحة المحاسبة في وزارة الاشغال العامة والنقل الذي كان يشغله سمعان بدوي من الطائفة المارونية. وقد وقع 12 وزيراً مسيحياً على مرسوم التعيين.
– في وزارة الماليّة ، كان رئيس دائرة الضرائب، حتى العام 2003، مسيحيّاً، قسّمت الدائرة الى ثلاث، ومنحت رئاسة اثنتين الى مسيحيّين وواحدة الى مسلم. ثمّ، في العام 2010، أصبحت أربع دوائر، يتولّى رئاسة ثلاث منها مسلمون.
– في السلك العسكري، لا تتجاوز نسبة المسيحيّين في الدرك الـ 36 في المئة .
– عدد المسيحيين في الادارة المركزية في الجامعة اللبنانية مثلاً لا يتعدى 12 موظفاً بينما عدد المسلمين يقارب ألـ 20 موظفاً. أما على صعيد أمناء السر في الجامعة فيصل عدد المسيحيين الى 24 أميناً أما المسلمين فالى حوالي 37 أميناً .
– في موضوع تثبيت الأساتذة المتعاقدين في وزارة التربية والتعليم العالي. اقترحت «لابورا» أن يتمّ تثبيتهم مناصفة للحفاظ على تنوع القطاع التربوي ، هذا لا يزال عالقاً في مجلس الوزراء لصعوبة هذه المناصفة بين المسيحيين والمسلمين وتجاهل مقتضيات الوفاق الوطني .

وبناءً على ذلك ، يقول الأب خضره اقترحت «لابورا» بشأن التعيينات التي يصدرها مجلس الوزراء أن تنحصر التعيينات الادارية في سلة واحدة يعتمد فيها التوازن والكفاءة لكن ذلك لم يُطبق . هناك واقع جديد هو أن كل الشواغر في الادارات التي ينتمي أصحابها الى طوائف غير مسيحية يتمّ تعيينهم ، والشواغر المتعلقة بالطوائف المسيحية تبقى شاغرة أو بالإنابة .

ويشير الأب خضره الى أنه «بالنسبة للفئة الثانية والثالثة ، فهناك مشروع من خلال طرح آلية جديدة للعمل في مجلس الوزراء الحالي ألا وهي ترفيع الفئة الثانية والثالثة بالنصف زائد واحد ، هذا مخالف لقانون التعيينات الادارية لأن هذه الفئات تعطي لرئيس الجمهورية حق النقض والتغيير ولا يمكن قبول هذه الآلية في غياب رئيس الجمهورية، هذا يؤدي الى كسر التوازن اذا تمّ. فمثلاً في الفئة الأولى يتمّ تعيين مدير عام بالثلثين لأن رئيس الجمهورية لا يستطيع توقيف المرسوم أكثر من 15 يوماً وإلا يصبح نافذاً بعد هذه المدة. أما ما يتعلق بالفئتين الثانية والثالثة فلرئيس الجمهورية الحق الكامل بإيقاف المراسيم وتغييرها، هذا الحق يجب أن يعني كل وزير أي بالاجماع (24 وزيراً). وهذه هي المشكلة الجوهرية المطروحة على آلية عمل مجلس الوزراء. هذا ما تحذر منه «لابورا» كل المرجعيات لأن بتمرير هذه الآلية وعدم الحفاظ على صلاحيات رئيس الجمهورية نضرب العيش معاً والتوازن بصورة نهائية».

ختاماً، يجب أن تبقى الوظيفة العامة بعيدة عن التجاذبات السياسية والفئوية، لأنها تتعلق بخدمة المجتمع وتأمين سير المرافق الحيوية. لكن، هل سيحصل ذلك في لبنان بلد الطوائف والمذاهب والمحاصصة السياسية؟ الوقائع لا تلغي المخاوف، أما المناصفة فتبقى بيد القوى السياسية الحاكمة.

منى طوق رحمة