دعوة إنقاذية لإستعادة دورها الريادي أكاديمياً ووطنياً

الجامعة اللبنانية هي المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تؤمن التعليم العالي في لبنان. تحتضن 40% من الطلبة الجامعيين. يتجاوز عدد أساتذتها الخمسة آلاف، أما عدد الموظفين فيها فهو نحو ثلاثة آلاف. تضم 16 كلية و3 معاهد دكتوراة.

منذ أيام فؤاد افرام البستاني الذي جاء كأول رئيس للجامعة في العام 1953 عرفت هذه المؤسسة عهداً ذهبياً استمر الى حين اندلاع الحرب وتمتعت باستقلالية ذاتية سمحت لها أن تبقى مؤسسة وطنية على امتداد مساحة الوطن من خلال أهلها (أساتذة وموظفين وطلاباً)، ولكنها تنوء اليوم تحت عبء الصراعات السياسية والطائفية والمذهبية. هي التي انطلقت من دار معلمين وتنافست فيها التيارات الفكرية والثقافية والأدبية، وناضلت للحفاظ على استمرارها وبقائها، تعاني اليوم من التدخلات السياسية العشوائية …

تمّرُ الجامعة اللبنانية حالياً كما في كل مرة، بأزمة شديدة ودقيقة يصعب الخروج منها إلا إذا  تكاتف أهلها من جديد، لأن المراحل التي عرفتها الجامعة اللبنانية تُظهر للعلن أنها تستطيع تخطي المحن بتضافر وتضامن مَن ينتمون إليها وبإمكانهم تحقيق ما يريدون، وعدم الانصياع لقيادات خارجية تحكمها التحالفات والمصالح الشخصية.

 وإذا كانت قد تعايشت مع أزمتها على امتداد العقود الستة الماضية، فإن استمراريتها في المستقبل تتطور على أرضية الأزمة نفسها بسبب تهميش دورها في عملية البناء الوطني انتاجياً ومؤسساتياً وثقافياً واجتماعياً، نظراً للمحاصصة الطائفية والسياسية والمناطقية الموزعة على فروعها وكلياتها ومعاهدها.

هذه المحاصصة لا تزال قائمة منذ زمن بعيد ولا حلول لها حتى تاريخه، لأن الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي الذي تعمّق في السنوات الأخيرة يزيد من أزمة الجامعة اللبنانية. وللحد من هذه الأزمة تتطلع الهيئة التعليمية الى إنشاء هيئة تخطيط جامعية مختصة ونزيهة، تقوم بإعداد الدراسات والخطط الهادفة إلى تفعيل دور الجامعة وانتظام التكافؤ بين انتاجية المعرفة الجامعية وحاجات المجتمع اللبناني حاضراً ومستقبلاً، وتعزيز الديمقراطية.

هذا يقود الى القول إن الجامعة في الزمن الجميل كانت صورتها الأكاديمية براقة جميلة، لا شعارات ولا صور لزعماء تُعلق على جدرانها، لا مرجعيات إلا أصحاب العلم والاختصاص، لا كوادر تعليمية وإدارية إلا نخبوية … وليُطرح السؤال هل الصفحات المشرقة طُويت لتفوح من صفحات اليوم رائحة الصفقات والانقسامات والحسابات الفئوية الضيقة؟

يمكن الاشارة الى أن التوازن الطائفي على صعيد الوطن ينبغي انسحابه ومراعاته في مختلف المؤسسات العامة للحفاظ على كينونة هذا الوطن وهويته. والجامعة اللبنانية هي احدى هذه المؤسسات التي تتطلب ذلك، لأنه عندما يحصل العكس تشعر فئة من اللبنانيين بالغبن والظلم اللاحق بحقوقها.

واذا تمّ القول أن هناك تفاوتاً كبيراً في أعداد المدربين، فهذا صحيح لأنه في العام 1997 قرر مجلس الوزراء توقيف التوظيف، انما تمّ خرقه بعقود مصالحة مع المدربين بحجة التدريب مع أن كليات الجامعة بأكثريتها لا تخضع لمراسيم تنظيمية بمهنة التدريب. بعض المدربين سدّ العجز الاداري والبعض الآخر هو عبء على موازنة الجامعة، وأصبح التوظيف سياسياً وعائلياً، بحيث أن بعض الرؤساء يتدخل مباشرة في تعيين أو رفض موظفي الفئة الثالثة في الجامعة. وبات المعيار الطائفي يتحكم بمواقع القرار في الجامعة وصولاً الى وظائف الفئة الخامسة.

وفي سلة تعيينات حكومة عمر كرامي كان لوزارة التربية حصتها لناحية التقاسم: المسيحيون تمسكوا بالمراكز في مدير عام وزارة التربية، التفتيش التربوي والمركز التربوي للبحوث والانماء. وحصل المسلمون على رئاسة الجامعة اللبنانية ومدير عام الشباب والرياضة ومديرية التعليم المهني والتقني.

هاتان الحادثتان دلالة على الاستئثار بالمواقع والتوظيف العشوائي وعدم الحفاظ على التوازن الوطني في بعض الوظائف.

تقصير باستكمال المجمّعات مقابل التشعيب

على صعيد المجمّعات الجامعية، إن الجامعة لا تستطيع الاستمرار بشكلها الحالي. بعد العام 1975 تمّ تفريعها في المحافظات لتأمين التعليم الجامعي لمختلف أبناء الوطن، انما ما يحصل اليوم من التشعب بصيغته الحالية يضر بالجامعة ويجعل منها مركزاً طائفياً بدلاً من أن يكون مركزاً للوحدة الوطنية. فمثلاً يمكن أن يأتي الى مجمع الحدث الطالب المسلم والمسيحي وفي الفنار وزحلة وصيدا وطرابلس، أما الفروع التي تنشأ خارج هذا الاطار بحسب المراجع الأكاديمية في الجامعة فستكون مراكز مذهبية، واقترحت رصد الأموال اللازمة لبناء مبانٍ سكنية للطلاب في المجمّعات الأساسية الخمسة بدلاً من استحداث فروع جديدة للحفاظ على التعايش الوطني.

ويقول عضو الهيئة التنفيذية في رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الدكتور شربل كفوري إن الجامعة تفرعت نتيجة الحرب وكان الهدف الانماء المتوازن في المناطق وتسهيل الانتقال على الطالب، انما للأسف أصبحت باباً للتوظيف والهيمنة الحزبية، البعض تخطى هذا الوضع والبعض الآخر يأبى التخلي عن ذلك، وعوضاً عن إنشاء مجمّعات جامعية موحدة في المناطق تطورت الفروع لتتشعب هنا وهناك كجوائز ترضية لبعض المسؤولين .ويؤكد الدكتور كفوري “أننا بحاجة الى إعادة ضبط الفروع بمجمعات جامعية في المناطق كافة وليس من الضروري أن تتحول الفروع الى مدارس ابتدائية في كل منطقة”.

وتعليقاً على المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير التربية والتعليم العالي مروان حمادة بما يتعلق بالفروع الثانية في الجامعة اللبنانية أكدت جمعية “أصدقاء الجامعة اللبنانيّة” أوليب ان:

– المشكلة ليست ديمغرافية كما طرح الوزير بل تكمن بالصلاحيات المعطاة لرئيس الجامعة في ابرام عقود المدربين والأساتذة المتعاقدين وتوزيع الموازنة على الكليات والفروع وغيرها، ولا نعتقد ان العدد هو المشكلة بل قضية التوازن والميثاقية، هي على المحكّ.

– هناك كليات ومراكز ممنوعة على طائفة معينة وكأنها أصبحت ملكاً لطائفة أخرى.

– بخصوص المناصفة التي تحدث عنها الوزير في تعيين العمداء والمدراء، فعدد العمداء هو مناصفة كما قال الوزير غير أن عدد المدراء هو 49 يتوزعون كالآتي: 19 مسيحيا و30 مسلما.

– مطلبنا واضح: الجامعة اللبنانية للجميع ليختار الرئيس من يشاء، ليطبق القوانين، شرطنا الكفاءة، والمناصفة لأن أي خلل في التركيبة يؤدي الى انهيار الجامعة.

وعبّرت الجمعية عن قلقها لناحية التوجّه الى إضعاف الفروع الثانية وإقفال بعض مبانيها ونقل بعض الإدارات الى مجمّع الحدث، مؤكدة أنّ هذا المنحى يتعارض مع مصلحة الجامعة الوطنيّة ويدل على توجهات فئويّة وسياسيّة غير أكاديميّة. وطالبت بـتعيين مدير مسيحي في الفرع الثالث والفرع الرابع في معهد العلوم الاجتماعية وتعيين رؤساء مسيحيين في مكتب العلاقات الخارجية ومركز المعلوماتية ومركز اللغات.

انتشار الشُعب يُخل بالتوازن الوظيفي

ويعتبر الدكتور أنطونيو خوري أن قانون الجامعة الذي وضع منذ 47 عاماً لم يعد صالحاً ولم يجرؤ أي رئيس أو وزير تربية على إعداد قانون جديد، متحفظاً على تصرفات رئيس الجامعة الذي يطرح سياسته دون أي مشاورات للفريق المسيحي، فمثلاً على سبيل المثال قبل طرح إنشاء فروع ومجمّعات في عكار وبعلبك ينبغي استكمال ما بدأت به الجامعة في طرابلس في مجمع سان ميشال وفي الفنار وزحلة.

ويطرح الدكتور خوري مشروع استكمال مجمّع الفنار للكليات العلمية وانشاء مجمع ثانٍ في ضبيه للكليات الأخرى، بما يوفر من الموازنة الملحوظة للايجارات والتي تُقدّر بأكثر من 12 مليار ليرة لبنانية سنوياً للفروع الثانية فقط.

ويوضّح الدكتور شربل كفوري أنه في العام 2001 جرت تحركات للحفاظ على الفروع الثانية أسوة ببعض الفروع المتواجدة في المناطق الأخرى. ويعتبر إن فقدان القرار السياسي بدعم الفروع الثانية والمصالح الحزبية الضيقة هي التي تؤخر انجاز هذه الفروع. إن انتشار الشُعب في المناطق هو الذي أخلّ بالتوازن الوظيفي والفرز الطائفي والمذهبي. هذا الأخير يطبع الشُعب في مناطق ذات صبغة طائفية ومذهبية وعدم قبول الآخر، علماً أن بعض الفروع لم يكن لديها هذا التفكير في السابق، وأكبر دليل على ذلك هو أن الفرع الثاني لكلية الهندسة ضمّ أساتذة من طوائف غير مسيحية لتكون عبرة لغيرها انما لم يُطبق ذلك في كليات أخرى.

إن مسألة التفريع والتجميع لا يمكن معالجتها استناداَ الى مصالح فئوية كما جاء في كتاب “قضايا الجامعة اللبنانية واصلاحها” وتفرض تحاشي استفزاز أي مشاعر طائفية، كما تفرض تقديم رؤية شاملة لمستقبل الجامعة اللبنانية تأخذ في الاعتبار متطلبات اللامركزية وحاجات المناطق ووجود نظام فعّال للسلطة الأكاديمية.

وفي التفاصيل، إن استحالة حشد كل الجسم الجامعي (أساتذة وموظفين وطلاباً) أي ما يقارب 70 ألف شخص في مجمع واحد، اتجهت الخيارات لانشاء مجمعين اثنين في بيروت الكبرى وثلاثة مجمّعات في المناطق تتمتع بالمواصفات الضرورية للبناء الجامعي تؤمن خدمات تعليمية عالية الجودة.

إن مبنى الحدث الجامعي هو الوحيد الذي يتطابق والمواصفات العالمية لمبنى جامعي، ومبنى الفنار يحتاج الى استكمال أقسامه. وتبقى المجمعّات المزمع تشييدها في البقاع (زحلة)، الشمال (طرابلس) والجنوب (صيدا والنبطية) رهناً بقرارات الحكومة المجحفة بحق الجامعة وإبعادها عن التجاذبات السياسية والفئوية. إن مجمّع الشمال يسير ببطء جداً، مجمّع البقاع حتى الآن يشمله الحرمان بحيث أن العقار الرقم 66 في حوش الأمراء – زحلة الذي من المخطط أن يٌشيد عليه بناء الجامعة، لم تُكلّف أية جهة بالمشروع وأهل البقاع تظاهروا واحتشدوا وراجعوا الحكومة لكن دون جدوى.

إزاء هذا الواقع، تتابع جمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية “أوليب” مسألة الجامعة اللبنانية بحيث عقدت مؤتمرات صحفية عدة والتقت المسؤولين الذين لهم التأثير البارز في هذه القضية وأصدرت سلسلة من البيانات بعدما تناقشت مع ممثلي الكنائس، مندوبي الأحزاب المسيحية، فعاليات سياسية، أكاديمية، دينية، ومجموعة من المشاركين دفاعاً عن الجامعة اللبنانية، ومن أبرز البيانات، ما صدر عن المؤتمر الذي عقدته الجمعية في 13 تموز2017 في مقرها في انطلياس بحضور ممثلين عن الأحزاب والفعاليات الروحية والاعلامية.

وكان للجمعية بيان حول تأجيل انتخاب ممثلي الأساتذة في الكليات لدى مجلس الجامعة الى أواخر شهر أيلول  افساحاً في المجال أمام أفراد الهيئة التعليمية للتشاور ودراسة البرامج التي على المرشحين تقديمها.

واعتبرت الجمعية في بيان آخر لها أنّ “هذه المؤسّسة تخضع لسياسات فئويّة وطائفيّة تتعارض مع مصلحة الجامعة اللبنانيّة والمصلحة الوطنيّة”. وأكدّت أنّ “التخبّط الإداريّ والأكاديميّ الّذي تعيشه الجامعة يتطلب الإسراع في إقرار قانون جديد للجامعة مبني على إستراتيجيّة تربويّة جامعيّة وطنيّة شاملة، قائمة على أسس وقواعد الإنماء المتوازن والتنمية المستدامة للمناطق اللبنانيّة كافّة وحاجات سوق العمل الوطني”.

خوري: السياسة الحالية في الجامعة همّشت الدور المسيحي

وما قاله الدكتور أنطونيو خوري وهو أحد المناضلين والمدافعين عن الفروع الثانية “رافقت الجامعة منذ تأسيس الفروع الثانية وفرضنا وجودها كمستوى وتحقيق أفضل النتائج. وكان الأساتذة يناضلون وكذلك الطلاب لتطوير هذا الصرح الأكاديمي انما اليوم يسود التراخي، وأستاذ اليوم لا يشبه أستاذ الأمس وكذلك الطالب”. وأضاف: “إن بعض الجامعات الخاصة التي هي دون المستوى أفسد روح المثابرة عند الطالب بالحصول على الشهادة الجامعية بطرق سهلة. كما أن معاهد الدكتوراة المتنوعة بات همها زيادة أعداد الخريجين من مذهب وطائفة معينة، وينسحب ذلك على بعض المعاهد في الخارج نظراً لتناقص عدد طلابها”.

وتعليقاً على الاجحاف بحق الجامعة يشير الدكتور خوري الى: أولاً، عدد أساتذة الجامعات الخاصة قليل مقابل المئات في الجامعة اللبنانية لأسباب سياسية. ثانياً، إن الأستاذ في الجامعة الخاصة يُفترض به الحضور الالزامي يومياً لتأمين عدد معين من الساعات وانتاج أبحاث أما في اللبنانية فهناك نحو 20% من الأساتذة يستأهلون التفرغ الحقيقي. هذا هو الوضع السائد حالياً بينما في الثمانينات كان الأساتذة يعطون بلا حدود أكثر بكثير من اليوم”.

ويعتبر الدكتور خوري أن الجامعة اللبنانية مع فؤاد افرام البستاني وادمون نعيم وجورج طعمة وزهير شكر وابراهيم قبيسي أعطت صورة جلية لها بالرغم من التدخلات السياسية آنذاك، وبعدما أصبحت رئاسة الجامعة للطائفة الشيعية كان من الأجدر أن تختار الطائفة أفضل أستاذ شيعي لهذا المنصب وما أكثرهم. ويؤكد “أن السياسة الحالية المتبعة في الجامعة اللبنانية همّشت الدور المسيحي إن على مستوى القرار في مجلس الجامعة أو لناحية الموظفين في الفئتين الثانية والثالثة”. ويشير الى أن جمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية رفعت الصوت عالياً أثناء زيارتها لرئيس الجامعة وفي بيانات صدرت عنها تباعاً دفاعاً عن الجامعة اللبنانية.

ويوضح الدكتور خوري أن في الجامعة نقصاً على مستوى الموازنة في التجهيزات ونقصاً في الموظفين حيث تمّ في السنوات السبع الأخيرة توظيف مدربين “تنفيعة” والمشكلة أن حوالى 75 % منهم من المسلمبن وتحديداً من الطائفة الشيعية. ويتمنى على الرئيس ومجلس الجامعة إعادة النظر بهذا الأمر وضبط التوازن في الادارة المركزية وفي الجامعة بشكل عام وضبط معاهد الدكتوراة والتشدد بتطبيق القوانين وحصر العدد بالمتفوقين كي لا يُصار الى تخريج عاطلين عن العمل. وكذلك ضبط حاجات الكليات للأساتذة من خلال إيقاف الهدر بالتشعيب الوهمي والفائض في أعداد المدربين بحيث هناك خلل في تركيبة التوازن الطائفي يتطلب التخلص منه وليس توزيعه على سائر الفروع الأخرى.

ويطالب برسم سياسة تربوية جامعية تحدد أهداف الجامعة اللبنانية وطريقة عملها لخلق جيل مثقف واعٍ وزيادة اللحمة بين اللبنانيين.

كفوري: معاناة الجامعة نتيجة تراكمات على مرّ السنوات

ومن الذين رافقوا الجامعة اللبنانية بنضالاتها وتحديداً للحفاظ على الفروع الثانية الدكتور شربل كفوري الذي قال:”أتحدث من منطلق أكاديمي كوني أستاذاً جامعياً وأنتمي الى هذه المؤسسة الوطنية وإدارياً كوني نقابياً وعضواً في الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين. بدأت مشكلة الجامعة كما بدأت في سائر القطاعات الأخرى عندما بدأ توزيع مراكز الفئة الأولى في عهد حكومة الرئيس عمر كرامي ووضع سلة التعيينات الأولى. كان رأينا آنذاك أنه اذا اقتضى الأمر بتوزيع طائفي لمراكز هذه الفئة يكون مداورة وعدم استئثار طائفة معينة، هذا الأمر لم يأخذوا به ليصبح كل موقع رهينة الفئة التي عينته دون احترام المعايير الأكاديمية.

ويتابع:”تحدث الطائف عن توازن في الفئة الأولى انما لم يُشر الى الفئات الأخرى، فالتوازن في الفئات الصغرى يجب أن يكون ميثاقياً توظيفياً وتعينياً وليس أن تأخذ طائفة معينة كل شيء وتتجاوز حقوق الطوائف الأخرى”.

ويردّ الدكتور كفوري تناقص عدد المسيحيين معللاً “أكاديمياً، أن الهجرة في ما بعد الحرب أثرّت على هجرة المسيحيين وتحديداً الأدمغة، فالطلاب أكملوا دراستهم في الخارج ولم يعودوا، هذا أثّر على الخلل الديمغرافي فنتج عنه عدم التوازن في المواقع الأكاديمية أو في غيره. وإدارياً حصل نوع من التراجع في التوظيفات بعدم طرح المداورة. كما أن عشوائية التوظيف من قبل السلطة السياسية وعدم العودة الى مجلس الخدمة المدنية أدّى الى تراجع المسيحيين عن اقتناعهم بالتوظيف في القطاع الرسمي”.

ويعتبر أن ما تعاني منه الجامعة ليس ناتجاً عن التحركات الحالية بقدر ما هي نتيجة لتراكمات على مرّ السنوات، ولا سيما خلال تغييب مجلس الجامعة لسنوات (2004- 2014) ما جعل بعض السياسيين يستأثرون بقرار الجامعة إدارياً وتوظيفياً.

“أوليب”: سندافع عن الجامعة رأفة بشباب الوطن

وحرصاً على موقع الجامعة اللبنانية ودورها في الانصهار الوطني، عقدت الأحزاب المسيحية وجمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية (أوليب) اجتماعات في ما بينها ومع رئيس الجامعة اللبنانية الحالي والرؤساء السابقين للبحث في المشاكل التي تعترض الجامعة في مسارها الوطني المتوازن. وقد رُفع أكثر من تقرير حول ما تعانيه الجامعة من تردٍ لأوضاعها على أكثر من صعيد واتباع سياسات فئوية ضيقة في ادارة شؤونها.

وجاء في بيان أوليب: “للأسف، لا تزال الجامعة اللبنانية اليوم تعيش تحت وطأة السياسات الفئوية والطائفية الضيقة التي تتعارض مع المصلحة الوطنية، حيث تُنتهك فيها الثوابت اللبنانية القائمة على التوازن والمناصفة والكفاءة كضمانة لجميع الطوائف، وتغرق في آليات إدارية تعيق عملها، وتفتقر الى نظرة استراتيجية لتطويرها، كما تعاني من اهمال الدولة لها”. وأسفت جمعية أصدقاء الجامعة اللبنانية “ما يجري اليوم من ضرب التوازن من خلال المس بحقوق المسيحيين، أو ربما غيرّهم في الجامعة اللبنانية على قاعدة أنّ ما هو للمسيحيين يُحلّل لهم ولغيرهم، وأن ما هو لغيرهم ممنوعٌ المس به“. وتمنت الجمعية “لو نختار معا رئيس الجامعة اللبنانية كلبنانيين، وألا تكون الجامعة اليوم في أزمة متفاقمة متمثلة بتحكّم السياسة الفئوية الضيقة فيها”.

خلل واضح في الادارة

وأشار بيان جمعية “أوليب” الى الخلل الواضح في الإدارة من خلال:

-إستبدال الدكتورة ندى شباط (مسيحية) وهي كانت تشغل منصب رئاسة مكتب العلاقات الخارجية في مطلع العام 2017، وتعيين ستة منسقين بدلاً منها في بدعة لا مثيل لها في مختلف جامعات العالم المحترمة.

-استبدال رئيسة قسم المعلوماتية في الادارة المركزية السيدة كارول باسيل بلجنة تقوم بدورها.

– تعيين مديرة من الطائفة السنية للفرع الفرنسي في كلية الحقوق خلفاً للمدير المسيحي الدكتور جورج نفاع الذي استقال بسبب تصديه للتلاعب بمحضر ضبط سُطّرَ بحق طالبة متلبّسة بالغش، الأمر الذي أدّى الى ضرب قاعدة المناصفة، والإخلال بالتوازن الوطني، إذ أصبح لكلية الحقوق اليوم أربعة مدراء مسلمين ومديران مسيحيان فقط.

– تعيين مدير كلية العلوم الاجتماعية الفرع الثالث في الشمال من الطائفة السنية مكان مسيحي، مما يخل بالتوازن المتبع وفق الاعراف.

– الإصرار على استبدال منسق مكتب اللغات (وهو مسيحي) بثلاثة منسقين وفق “قاعدة المثالثة” إياها.

– إصدار قرار بتاريخ 23 حزيران 2017 يقضي بتعيين مدير جديد لمعهد العلوم الاجتماعية في الفرع الرابع- زحلة، هو الدكتور عبد الله حسين السيد خلفاً للمدير المنتهية ولايته الدكتور هيكل الراعي (من الروم الملكيين الكاثوليك(.

قضم المواقع المسيحية الخاصة بموظفي الفئتين الثانية والثالثة في الادارة المركزية جارٍ على قدمٍ وساق، إذ بات رؤساء الدوائر موزعين وفق ما يأتي: 12 رئيس دائرة من الطائفة الاسلامية و6 رؤساء من الطائفة المسيحية، وما حصل من رفض سياسي لتعيين المحتسبة في إدارة الجامعة السيدة ڤيرونيك عيسى خير دليل على ذلك.

– إيجاد حل لقضية المدربين المتعاقدين والذين هم في غالبيتهم الساحقة من طائفة واحدة (بمعدّل 76%) وإعادة التوازن إلى هذه الفئة من العاملين في الجامعة.

– أما على الصعيد الأكاديمي، فهناك شكاوى عديدة من بعض الكليات ومن معاهد الدكتوراه كونها غير خاضعة إلا لرأي العمداء، وتراجع مستواها، بالاضافة الى الاعداد الكبيرة من الخريجين الذين يحملون أعلى شهادة تمحنها الجامعة الرسمية في لبنان، ما يستدعي إعادة النظر بهيكلية معاهد الدكتوراه كي تخضع لرأي لجنة علمية خارج سلطة العميد.

– أن التسرّع في تنظيم انتخابات ممثلي الكليات لدى مجلس الجامعة، بناءً على قرار صادر عن رئيسها (رقم 24 تاريخ 7/7/2017)، يخفي نوايا مبيّتة. في حين ان المطلوب هو تأمين التوازن في مجلس الجامعة.

مطالب محقة للحدّ من التدّخل

وطالبت الجمعية بـ:

– التأكيد على ضرورة العمل على وقف السياسة الفئوية الضيقة في الجامعة، وابقائها النموذج الوطني الرائد.

– التشديد على ان الجامعة هي مؤسسة أكاديمية لا تستقيم الا بتطبيق القوانين ووضع معايير علمية ووطنية في التعاقد والتوظيف.

– ضرورة مراعاة التوازن والمناصفة في مختلف الدوائر والمعاهد والكليات مع التأكيد على اختيار الأكفياء من كل الطوائف.

– فتح تحقيق حول ما سبق ذكره من مخالفات، بخاصة في ما يتعلّق باستقالة الدكتور جورج نفاع والتدخلات الطائفية التي حصلت في كلية الحقوق، الفرع الفرنسي.

– العمل السريع على ضبط الأمور في الكليات ومعاهد الدكتوراه وتصويبها قبل فوات الأوان.

– ان الحجم الذي بلغته الجامعة الوطنية وهو أكثر من 50 فرعٍ منتشرٍ في كل لبنان، إذ تضم حوالي 70 ألف طالب وحوالي 6900 أستاذ، يستلزم إعادة النظر بقانونها الذي يعود الى العام 1967.

– السعي الى إنقاذ الجامعة اللبنانية ضرورة وطنية، لذلك يجب تطوير قوانينها نحو مزيد من اللامركزية الادارية، وتحريرها من البيروقراطية الإدارية التي تعيق تطويرها ووضعها تحت إشراف مجلس أمناء يضع سياستها العامة. إذ حان الوقت لإنشاء جامعات لبنانية تخدم اللامركزية وتساعد على توفير الإنماء المتوازن لجميع المناطق اللبنانية.  مع العلم أن الجامعة اللبنانية تدفع سنوياً حوالي واحد وعشرين مليار ليرة لبنانية بدل إيجارات وذلك بدلاً من بناء المجمعّات التي سبق أن أقرّ بناءها مجلس الوزراء.

– المحافظة على مواقع الفروع الحالية المستعملة (كمباني سن الفيل والفنار والمنصورية وغيرها) بانتظار انتهاء بناء المجمعات المقررة.

– متابعة العمل مع كل أصحاب النوايا الحسنة من جميع الطوائف على تحسين أداء الجامعة والحد من التجاوزات رأفة بشباب الوطن الذين هم مسؤوليتنا الأولى.

ولفت البيان الى “أن رئيس الجامعة اللبنانية لم يكن يوماً موظفاً مسيحياً او شيعياً او درزياً كسائر موظفي الفئة الاولى بل كان شخصاً يعلو فوق الطوائف والطائفية ولا يعمل الا ضمن الثوابت الوطنية ويفرض هيبته بثقافته المميزة وقراراته الحكيمة ومستواه الأكاديمي… إن موقع رئيس الجامعة لا يقّل أهمية عن موقع قائد الجيش وحاكم مصرف لبنان، ولا يتأثر بوصاية أيًا كان مهما علا شأنه… ”

 

وفي الختام، دعوة لتمكين أهمية الجامعة إن على صعيد دورها الوطني والذي هو بمثابة الجيش الثاني الذي يحمي الوطن، أم على صعيد دورها التنموي كونها تمدّ سوق العمل بالكفاءات والطاقات الشابة، أم على صعيد دورها الاجتماعي الذي يهدف الى الارتقاء بالانسان نحو المزيد من التطور، وتأهيل الشباب لخوض مُعترك الحياة، بالاضافة الى أنها تؤمّن التعليم العالي المجاني للجميع على حدٍ سواء، وهي تَجمع الشباب اللبناني في إطارٍ وطني راقٍ.

منى طوق