أكثر من ثلاثة عقود في حقل الإعلام، زرعت خلالها التعب لتحصد النجومية. ولم يكن زرعها عاديا، بل أنتجت ثمارا جديدة تغذى منها الإعلاميون على مر السنوات وما زالوا. هي صوت مميز يخترق القلوب قبل الآذان، تربّت على نبرته أجيال من الإعلاميين، وتلمّس من خلاله المواطن طريقه خلال فترة الحرب الصعبة. هي “لغة بيضاء”، لطالما عملت على “ترجمة” لغة الحرب والسياسة الى لغة يفهمها الناس على أمل أن ينجوا من الأولى ويستبشروا خيرا بالثانية… كتاب سنوي هي تكتب فيه عن المستقبل ما تعلمته وقرأت عنه من الماضي والحاضر، وما درسته حول علوم حركة الكواكب في فرنسا. إنها الإعلامية الأولى ماغي فرح التي اشتاقت الشاشة الصغيرة إليها وافتقدتها الإذاعة، ويحنّ اليها الإعلام ككلّ، حنينه الى أيامه الأصيلة.

 

بدأت ماغي فرح مسيرتها الإعلامية من خلال إذاعة “صوت لبنان” وهي لا تزال طالبة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية عام 1977 ، وبعد تخرجها عام 1979، برزت كمقدمة في قسم الأخبار والبرامج السياسية، وساهمت مع زملاء لها في ترسيخ مدرسة جديدة في لغة الإعلام تعتمد على “العربية البيضاء” أي اللغة الواقعة ما بين الفصحى والعامية، المعتمدة في وسائل الإعلام اللبنانية اليوم. تولت بعد ذلك إدارة قسم الأخبار في إذاعة “صوت لبنان” بين عامي 1982 و1988، لتشارك فيما بعد في لجنة تحكيم برنامج “ستوديو الفن” على شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، وفي العام 1992  إنتقلت إلى قناة “ام تي في” اللبنانية، حيث قدمت برنامج “لحكي بيناتنا”. إنتقلت فرح عام 2000  بعد إغلاق “إم تي في” إلى “تلفزيون المستقبل“، وقدمت برنامجا سياسيا حمل عنوان “مع ماغي” الذي لم تتخلَّ عنه في ما بعد على محطة “ال بي سي” بعدما حوّلته إلى برنامج اجتماعي لم يعرض منه إلا عدد محدود من الحلقات، وتوقّف بطريقة مفاجئة دون اعتذار ودون إبداء الأسباب. بعدها قدمت برنامج “الحق يقال” على شاشةOTV” ” ” من العام 2008  حتى العام 2011.

التحقت ماغي فرح بمعهد الدراسات الفلكية في فرنسا لتصبح محترفة في تحليل حركة الكواكب وتأثيرها على الأرض، عانت كثيرا من استخفاف الناس بعلم الفلك وتوقعاتها، لكنها استمرّت ليفوق عدد كتبها السنوية حول الأبراج، الثلاثين كتابا حتى الآن.

توقعت ماغي فرح بالعديد من الأحداث السياسية التي وقعت في الشرق الأوسط، ولعل أبرز توقعاتها هي الاضطرابات السياسة والثورات التي قامت بها شعوب منطقة الشرق الأوسط في عام 2011، كما أنها توقعت سقوط العديد من حكام ورؤساء الدول العربية، في كتابها “2011 سنة المخاطر الصاعقة”، ووصفتها آنذاك بالسنة الشرسة المليئة بالاضطرابات والمحاكمات. وللمنتقدين تقول إنّ علم الفلك هو علم قائم بذاته، عرف منذ العصور القديمة، ولا يقوم على الحدس والإلهام “الدارج هذه الأيام”، بل على التوقع انطلاقا من حركة الكواكب وتأثيرها على الأرض وما ومن فيها. وهو كذلك لا يتعارض مع الأديان، “بل إنّ ميلاد السيد المسيح مرتبط بنجمة في السماء”.

ماغي فرح “مرتاحة” اليوم كما تقول، وهي بعيدة عن الإعلام لأنها “أدّت قسطها الى العلى”، ولأن الجوّ الإعلامي لم يعد يشبهها، وهي  لم تعد تنسجم فيه، فالبرامج تكرر نفسها، والسياسيون أنفسهم يتنقلون من محطة إلى محطة بدون تقديم أي جديد أو إحداث أيّ تغيير. وفي المقابل، فإنّ إنتاجا مهمّا ومستوى برامج لائق ربما يعيدانها الى الشاشة، ولكنّها مقتنعة بأنّ كل إنسان يؤدي دوره في الحياة وهي أدّت هذا الدور.

الفترة الذهبية

وفي هذا الإطار تحنّ ماغي فرح الى الفترة الذهبية للإعلام، وبخاصة فترة انطلاقتها من خلال إذاعة “صوت لبنان”، تستذكر عبارات “هنا صوت لبنان، صوت الحرية والكرامة”، و”مكتب التحرير في خبر جديد”… والى نشرات الأخبار التي كانت “تحفة” في الصياغة والمصداقية والوصول الى الناس. كانت فترة ذهبية عملت خلالها مع مهنيين، رفعوا معا المستوى الإذاعي ووصلوا بالإعلام الى ما كان يسمّى “الأعداء قبل الأصدقاء”، ففترة عملها في صوت لبنان كانت من أصعب المراحل التي مرّ بها لبنان، واستطاعت الإذاعة أن تصل الى الطرف الآخر من الصراع، ولذلك قالت يوما في إحدى المحاضرات: “ليس المهم ما يقال عنا في صربا، بل ما يقال عنا في صبرا.” مؤكدة من هذا المنطلق أنّ “الهويّة في العمل الإعلامي لا تعني أبدا الإنغلاق على الذات”.

والانفتاح على الآخر ربما كان أحد أهمّ الأسباب التي أدّت الى ولادة “اللغة البيضاء” التي ابتكرتها، والتي تعرّفها بأنها “لغة محكيّة برقيّ، بانتقاء للكلمة، بحسّ المسؤولية، هدفها الوصول الى الجميع، بعفوية وثقافة. والعفوية لا ترادف أبدا لغة الشارع التي تعوّد عليها غالبية إعلاميي اليوم. اللغة البيضاء لا تعني أخذ لغة الشارع الى الإعلام، بل على العكس، أخذ لغة الإعلام الى الشارع، أي تثقيف الجمهور والتوجه إليه بلغة أرقى لإخراج فكره وسلوكه من الغريزة إلى العقل .. وللأسف فإنّ إعلام اليوم يغفل عن هذه الأمور، وقد استبدل رسالته الأساسية بالتجارة والسعي الى جني الأموال. فعدد المشاهدين هو الأساس اليوم وليس قيمة البرنامج الإعلامية والتثقيفية”.

ورغم أنها ترتاح أكثر للعمل الإذاعي أكثر من التلفزيوني، إلا أنها تفخر بما أنجزته على الصعيدين، فقد أجرت في مسيرتها الإعلامية، مئات المقابلات السياسية والثقافية، بينها مقابلات أثرت فيها، كمقابلات مع الراحل الكبير غسان تويني، الرئيس الراحل الياس الهراوي يوم لم يكن رئيس الجمهورية يعطي مقابلات، الإمام محمد مهدي شمس الدين، السيد حسن نصرالله الذي طلب منها تدريب إعلاميين في قناة “المنار” على مدى 3 أشهر، الزعيم الليبي معمر القذافي الذي سألته في التسعينات عن انتفاضة محتملة للأكراد، وزير الخارجية العراقي طارق عزيز الذي سألته في التسعينات أيضا عن مخاوف من انتفاضة شيعية محتملة، ومخطط لتقسيم الشرق… وأمور عدة مما يحدث فعلا اليوم. لا تنسب ماغي فرح أسئلتها آنذاك الى “التنبّؤ” بمعناه “الدارج اليوم”، بل الى قراءاتها للتاريخ ولوثائق خطيرة حصلت عليها كإعلامية، مما جعلها مطلعة سياسيا اطلاعا واسعا أكسبها خبرة وقدرة على التحليل للمستقبل. وهذا الاطلاع يجعلها ترى أنّ داعش” هو اختراع إسرائيلي، وأنّ لبنان يعيش هو جزء من المنطقة الشرق أوسطية المضطربة، وهو بالتالي على خط الزلازل الأمنية والسياسية، ولكنه في المقابل سيبقى وطنا للمسيحيين، فيما سيكون الجولان للموحدين الدروز. وتشير الى أنّ كل ما يجري في المنطقة لا يخرج عن إطار الخطة القديمة لتقسيم الشرق الى كيانات دينية وإتنية متناحرة.

برامج “التوقعات والتبصير”

بين الإعلام وعلم الفلك، تؤكد ماغي أنها إعلامية بالدرجة الأولى، وعلم الفلك “جاء لاحقا، وهو ما بقي الآن”. وتؤكد في هذا الإطار أنها “تستحي” ببرامج “التوقعات والتبصير” التي لا تمتّ الى علم الفلك بأي صلة.

الانتقادات والشائعات والصعوبات كافة، تداويها بـ”النسيان”، تساعدها عليه “ذاكرة ضعيفة” أنعم عليها الله بها. وهي بالتالي “تمزح” مع مشاكلها، تتحداها بالمرح والتفاؤل، ومن تعرّض للكثير في حياته، تقول، يكون قد تعوّد على الأزمات ولا يعود يعرف الخوف، وبخاصة إذا كان إنسانا مسالما بطبعه ومحبا للناس.

التجربة الأخيرة التي عاشتها مع العاملات الفيليبينيات في منزلها، كانت واحدة من أخطر التجارب، فقد كانت طوال السنوات الثلاث الماضية ضحية لهنّ، يعمدن الى تخديرها يوميا بدواء لمرضى انفصام الشخصية، مما جعلها تنام معظم ساعات اليوم، ولا تصحو إلا لساعات قليلة تكون فيها عرضة للدوار والضعف، حتى أنها وقعت يوما وكسرت كتفها… انفضح أمر الخادمات واقتدن الى التحقيق واعترفن بما قمن به ونجت ماغي فرح، ولكنّ والدتها توفيت بالطريقة عينها التي كانت تخطط لها، هذا على الأقل ما تشكّ فيه هي … وإذا كانت “ذاكرتها الضعيفة” وطبعها المرح يساعدانها على تجاوز هذه المحنة، فيجب ألاّ يكون القضاء في لبنان على القدر عينه من “ضعف الذاكرة” و”المرح”، لأن هذه الأمور “ما فيها مزح” وهي مسألة حياة أو موت.

لا تندم ماغي فرح على شيء لأنها عملت في حياتها كل شيء بصدق وقناعة، ولو عادت الى الوراء لأعادت ما عملته مع تعديل بسيط، وهو التعامل بحذر مع بعض الأحداث والأشخاص، لتفادي بعض خيبات الأمل، ولكن هذه الخيبات هي بدون شكّ ثمن لا بدّ من أن يدفعه الإنسان للقيام بما هو مقتنع به. وكما أنها لا تندم، فهي كذلك لا تحلم، “لم يعد لديّ أحلام” تقول، منذ أن بدأت تعرف ماذا سيحصل في المنطقة. يهمها أن تكمل حياتها بسلام، إلى جانب من تحبهم. ومن هذا المنطلق، تصف نفسها بـ”الواقعية، المرتاحة مع نفسها، المزاجية التي لا تخطط، ولكنها تتعامل مع الظروف بالقرارات المناسبة في حينها”.

لم تفكر يوما بالهرب من لبنان الى بلد أكثر رفاهية وأمنا، لأنها تحنّ دائما الى البلد الذي ولدت فيه وأعطت فيه، تحنّ دائما الى البدايات لأن الإنسان يشبه دائما بداياته ويحبها، الإنسان يحب حيث يعطي كما تحب الأمّ أولادها لأنهم هم المكان الذي أعطت وضحت فيه… في لبنان خاضت كل معاركها وقدمت كل تضحياتها، وبالتالي لا يمكن أن تحب العيش إلا فيه.

تهوى العمل السياسي كإعلامية فقط، ولا تفكر يوما بدخول معترك السياسة، لأن السياسة في لبنان تعني الاستزلام والمصلحة، وهي لا تستطيع أبدا أن تمارس هذا النوع من الزحف والتلوّن بألوان المصالح، فهي بطبيعتها تتقن “الانتماء”، ولا تعرف إلا الوفاء لهذا الانتماء. لم تبحث يوما عن الشهرة، ولكنها لا تكرهها، بل تحب أن يحبها الناس، أن يحبوها لا أن يعجبوا بها، وهذا أجمل ما قد تعطيه الشهرة لأحد. لا تستغرب الغيرة المهنية البناءة، فهي تدفع الى المزيد من التقدم، ولكنها تكره “الحسد المجاني” الذي مارسه الكثيرون ضدها، والذي يهدم كل العلاقات الإنسانية ويدمر صاحبه.

تؤمن بالله “الحق المطلق والحقيقة المطلقة”، تؤمن به “جمالا وحبا لا محدودين”، وهذا الإيمان يرتكز على ذلك التوق الذي نعيشه ولا نستطيع تفسيره، التوق الى اللانهاية، الى المجهول الذي نصبو اليه ولم ندركه بعد… وبما أنّ هذا التوق موجود، فإنّ الله موجود، يسهر دائما على خليقته التوّاقة دائما اليه…”

لارا سعد مراد