من “أستاذ” للدروس الخصوصية في لبنان إلى مستشار نائب أميركي في الكونغرس

 

امام ٨٨ نائبا في الكونغرس، طالب بـ ١٨مطلبا لبلده لبنان، أوّلها التعليم المجاني.

سفره إلى الولايات المتحدة الاميركية كان دعوة تلقاها “كما يتلقى الكاهن دعوته الكهنوتية”.

رجل عصامي، تحدّاه الجميع عندما قرر السفر بعمر الـ١٥سنة بانه سيعود ادراجه، لكن حلمه كان أكبر من عمره: سافر وفي جعبته ٥ آلاف دولار أميركي. وهناك بنى نفسه بنفسه. 

تعلم وتخصص وعمل، وتخرج مهندسا ثم دكتورا في علم السياسة. تدرج في مراتب عديدة الى ان وصل إلى ما هو عليه اليوم: مستشار عضو الكونغرس الاميركي المسؤول عن لجنة القوات المسلحة، النائب دانكن هانتر. إنه اللبناني الأميركي الدكتور أنطوان بريدي…

“كنت أعطي دروسا خصوصية في الصيف، وكنت أتقاضى ٥ ليرات في الساعة، آنذاك كانت الليرة لها قيمتها، وبقيت على هذه الحال حتى جمعت ٥ آلاف دولار . 

لقبوني في بلدتي عجلتون بـ”الاستاذ”، وأصبح جدول مواعيدي حافلا طيلة ايام الصيف. درّست اللغة الانكليزية والحساب، ولهذا السبب تخصصت بالهندسة لاحقاً”.

                                    السفر الى الولايات المتحدة الاميركية كان حلمه

حلمه كان الوصول الى الولايات المتحدة الاميركية، اذ كان يراها الأفضل بين دول العالم.

تأثر في صغره بالافلام الاميركية، وبخاصة أفلام الاسود والابيض عن حرب اميركا ضد الألمان، وكيف دافعت عن حقيقة وجودها. أراد ان يكون أحد هؤلاء الأشخاص الذين يدافعون عن بلدهم وعقيدتهم، ولو بقي في لبنان لما أمّنت له الدولة هذه الفرصة.

“لغتي الانكليزية ساعدتني كي اتعلَّم واسكن في حرم الجامعة، وأول عمل لي خلال دراستي كان كأستاذ للغة الفرنسية في مدرسة خاصة. وبعد فترة عُينت مديرا لتلك المدرسة”.

حصل على منحة تعليمية في الهندسة لسنتين بعد فوزه بسباق الماراثون للجامعة.

“بعد تخرجي من الهندسة، قررت ان احصل على الماجيستير والدكتوراه في ادارة الاعمال. كنت بحاجة الى مبلغ من المال لمتابعة تحصيلي العلمي، كنت اعمل نهاراً، اتابع الصفوف وادرس ليلاً”.

ويكمل بريدي سرد قصته وتحقيق حلمه فيقول:” تقدمت بطلب  إلى مجلس الخدمة المدنية للحصول على وظيفة في الدولة، ودعيت للمقابلة كمهندس في محافظة سان ديغو، والمعروف ان اللبناني بعكس الاميركي يعطي اهمية للمظهر الخارجي، فارتديت بذة وربطة عنق، وكنت المهندس الأصغر سنا من بين  المهندسين المتقدمين لهذه الوظيفة. عندما دخلت حييت المسؤولة التي تقابلني وقبّلت يدها، فقالت لي انت بالطبع لا تملك اي خبرة نظرا لعمرك، ماذا تستطيع ان تعطي للحصول على هذه الوظيفة؟ وبكل ثقة بادرتها بالقول: ما ترينه تنالينه، وهذا القول يعكس شخصيتي وسهولة تعاطيّ مع الغير. تلقيت بعد فترة وجيزة خبر قبولي للوظيفة من خلال رسالة تقول إنني حصلت على الوظيفة من بين ٧٠ طلبا، واختياري تمّ بناء على شخصيتي وأناقتي”.

من أستاذ في الهندسة الى ناشط في السياسة 

يؤمن دكتور بريدي بمقولة “اذا كانت الجذور صحيحةً تكون انسان صالحاً”.

ولأن جذوره لبنانية وايمانه قوي، وعصامي كما يصف نفسه، اكمل درب العلم والعمل، والشهرة التي كان يطمح اليها منذ صغره.

استهوته السياسة وشعر بالانتماء إلى هذا العالم، فحصل على دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الخارجية.

“الشخص الذي شجعني على الإنخراط في السياسة هو النائب في الكونغرس دانكن هانتر الأول، إذ سمعني ألقي خطابا في ولاية سان ديغو عن مشكلة شُح المياه والحلول، فأعجب بشخصيتي وقوة الاقناع لديّ، ورأى فيّ الرجل السياسي لما املك من حدٌة، وقوة تقنع الحضور. طلب مني ان التحق بفريقه فقلت له في البداية انا مهندس، لكنني وافقت على عرضه لاحقاً والتحقت بفريقه، ثم عينت رئيسا لهذا الفريق بعد فترة وجيزة. رافقته في سفراته الى واشنطن وخضنا معركة انتخابية ضد الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما. قلت للنائب هانتر يومها بان قوة اميركا هي في العلاقات الخارجية والعدو الوحيد هو السياسة الخارجية، فيما أنتم تعملون بطريقة تلقائية وعفوية، على طريقة “كوني فكانت”.

بعد ان خسر العضو في الكونغرس دانكن هانتر الاول المعركة الرئاسية ضد الرئيس السابق باراك اوباما تنحى لابنه دانكن هانتر. ولان سياسة الشرق تهمّه، قال لابنه: “يجب عليك ان تسمع لأنطوان بريدي لانه يعرف الكثير عن سياسة الشرق الاوسط.  بعدها طلب من الدكتور بريدي ان يكون مستشاره وممثله في لبنان، علما أنه المسؤول عن القوّات المسلحة في الولايات المتحدة الأميركية”.

بالرغم من سنوات الغربة لم يتوان يوما عن التفكير ببلده لبنان وخدمته. سَخَّر ويسخّر امكانياته المادية والمعنوية ومعارفه وخبرته السياسية والهندسية في سبيل هذا البلد “الذي يليق به ان يعيش بسلام وطمأنينة وبحبوحة”.

“أقوم بالمستحيل لأخدم بلدي من خلال علاقاتي مع الكونغرس الاميركي وعلاقاتي مع رؤساء اللجان، ادعمهم في حملاتهم الانتخابية من خلال حجز طاولات وأضع عليها علم لبنان وأدعو اللبنانيين للمشاركة لان حضورهم في هكذا مناسبات يساعدعلى ترسيخ العلاقة مع الحكومة الاميركية في المستقبل”.

بمقابل هذا الدعم المادي والمعنوي يُسمح بالتكلم ٢٠ دقيقة، يستغلها دكتور بريدي ليتحدث فيها عن لبنان، مما جعلهم يسألون ماذا باستطاعتهم ان يقدموا للشعب اللبناني.

وامام ٨٨ نائبا في الكونغرس عدّد بريدي ١٨ مطلبا أهمها التعليم المجاني، تسليح الجيش وتقويته، وإسترجاع قيمة لبنان وصورته الصحيحة في العالم من خلال وعودة الطيران اللبناني إلى الهبوط مجددا في نيويورك، وهو يعمل وبكل جهده لتحقيق هذا الهدف.

العمل على تقوية الجيش اللبناني 

عُيّن رسميا من الكونغرس الاميركي قبل اتفاق معراب لمحاولة جمع اقطاب المسيحيين في لبنان و”يا ويلي ما حدا رد عليّ…  كل قطب كان له فلسفته الخاصة كي لا يلتقي القطب الآخر”. وبابتسامته المعهودة      أكمل : “عدت بعد ان فشلت في مهمتي الى الكونغرس، فسألوني  مع من يجب ان نتحدث بغياب الرئاسة الاولى، ذهبت الى وزارة الخارجية في اميركا وتحدثت مع السيد جيم مورفي المسؤول عن المكتب اللبناني،  وطلبت منه ان يقوي الجيش اللبناني ويدعمه بالاسلحة. عندها، طلب مني ان أكون صلة الوصل بين الكونغرس الاميركي والمسيحيين في لبنان”.

“لدى عودتي الى لبنان في ربيع ٢٠١٧، التقيت قائد الجيش في مكتبه، وسلّمته رسالة من الكونغرس،  تضمنت نيّة الحكومة الاميركية بدعم الجيش اللبناني وتقويته فشكرني على المساعي التي أقوم بها”.

وفي الإطار عينه اطلعنا الدكتور بريدي أنه بسعي منه، وبالتنسيق مع لجنة القوات المسلحة الاميركية في الكونغرس، يزور قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون مع فريق من المختصين البيت الأبيض في شهر تشرين الاول 2017، وسيلتقي رئيس الأمن القومي الجنرال ماك ماستر لبحث سبل دعم الجيش اللبناني باحدث الاسلحة وأهمها الطيران.

مقابلته مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب

“قابلت الرئيس الاميركي دونالد ترامب بصحبة النائب دانكن هانتر في ترامب تاور،وذلك قبل ان يستلم زمام السلطة، قدمت له ملفي ووضعت نفسي بتصرفه وبخاصة في موضوع الشرق الاوسط، ونبّهته بان السياسة الخارجية هي قوّته.

وافقني الرئيس ترامب الرأي وسألني: ماذا أقدم له عن الشرق؟  فأجبته: الحضارة، وطلبت منه ان يعيّن  لبنانيّين  يملكون الجنسية الاميركية ويؤكدون ولاءهم للولايات المتحدة، عندها صافحني وسألني: ماذا تريد مني؟ فقلت ان تعينني مبعوثا الى الشرق الاوسط لأشرح لهم سياستك التي هي ليست ضد احد ولا ضد عقائد وأديان، إنما نحن بلد سلام، جئنا لنزرع السلام ونساعد البشرية في العالم أجمع. فرح كثيرا بما قلته وشكرني على دعمي له في حملته الرئاسية”.

دكتور بريدي الذي ترك لبنان ليحقق حلمه، عاد وفي قلبه وعقله احلام وامال ينوي تحقيقها بعد أن حصَّل تعليمه وحصّن ذاته: الإستفادة من معارفه وخبرته العلمية والسياسية لمساعدة بلده على اكثر من صعيد.

معجب جدا بشخصية النائب نعمة افرام المدير التنفيذي لمجموعة شركات “اندفكو” ورئيس المؤسسة المارونية للإنتشار. يتمنى وصوله الى سدة الرئاسة في المستقبل: “نعمة افرام هو نعمة من السماء” يقول، ويؤكد جهوزيته لأي دعم وعمل سياسي يوصل افرام إلى الرئاسة، لأن لبنان “بحاجة الى رجال على هذا الطراز الإنساني”.

ما اكتشفناه من خلال الوقت الذي قضيناه مع الدكتور بريدي، هو ان لقب “الاستاذ” الذي حصل عليه بعمر الـ١٤ سنة ما زال الأقرب الى قلبه. فعندما سألناه ما الذي تحب ان تقوم به للبنان بعد غياب حوالي الأربعين سنة غير العمل السياسي بالطبع، أجاب: فتح مدرسة مجانية تعلّم اللغات في بلدتي عجلتون، وانا سأعود “الاستاذ” ولكن من دون مقابل هذه المرّة.

م. م