الجامعة اللبنانية هي المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تؤمن التعليم العالي في لبنان . تحتضن 74 ألف طالب ، أي 40% من مجموع الطلبة الجامعيين في لبنان . يتجاوز عدد أساتذتها الخمسة آلاف أما عدد الموظفين فهو نحو ثلاثة آلاف. موازنتها للعام 2015 تُقدر بـ 380 مليار ليرة لبنانية، بعدما كانت في العام السابق 259 ملياراّ.

تضم الجامعة 16 كلية و3 معاهد دكتوراة تتوزع على 62 فرعاً وفيها 62 مكتبة. عرفت الكثير من الانجازات في السنوات الأخيرة، منها ملف تفرغ الأساتذة المتعاقدين بالساعة، تكوين مجلس الجامعة وفق الأصول القانونية، توقيع اتفاقيات مع جامعات صينية لتعزيز التبادل اللغوي والافادة من الخبرات الصينية في العلاج الفيزيائي، لها شبكة علاقات أكاديمية مع جامعات إيطالية، فرنسية، الوكالة الجامعية الفرنكوفونية والمعهد العالي الفرنسي في لبنان . تبدأ بتدريس اللغة الصينية في العام المقبل في مركز اللغات والترجمة التابع لكلية الآداب ، وقد استُقدم لهذه الغاية أستاذ صيني وتمّ الاتفاق مع جامعتي شنغهاي وبكين. تُستكمل الأعمال التنفيذية في مجمّع البحصاص في الشمال، وسيوضع قريباً حجر الأساس لمجمّع جامعي في زحلة.

استعادت الجامعة بعضاً من صلاحياتها واستقلاليتها بتكوين مجلس الجامعة (يتألف من 37 عضواً وهم عمداء 16 كلية و3 معاهد دكتوراة وأستاذ منتخب عن كل كلية وعضويين منتدبين من الحكومة ورئيس الجامعة الذي يرأس الاجتماعات). وبعد غياب دام عشر سنوات يواجه اليوم تحديات جمّة : تطوير الأبنية الجامعية، تطوير قوانين الجامعة، تأمين الموازنة المطلوبة، استعادة استقلالية الجامعة، البحث العلمي…وطالما وُجد مجلس الجامعة فستعود له صلاحيات التعيين وعقود التعاقد والتفرغ والشؤون المالية والادارية وغيرها.

لكن الطلاب لم يتمثلوا بعد في المجلس، وهذا يعود لغياب الاتحاد الوطني للطلاب الذي تعيق انتخابه الانقسامات السياسية، وقد شدد رئيس الجامعة الدكتور عدنان السيد حسين على أهمية تمثيلهم لكن «لم نتوصل بعد الى صيغة لانشاء الاتحاد الوطني بسبب انقسامات 8 و14 آذار التي تنعكس على الجامعة أيضاً».

وهكذا، تبقى الجامعة اللبنانية رغم العثرات والانتقادات احدى البوابات الكبرى التي يدخل منها الشباب معترك صناعة مستقبلهم. هي مساحة التلاقي والانفتاح على الاختلاف في تنوع لا يكسر الوحدة والائتلاف. إنها مؤتمنة على تحقيق مبدأ ديموقراطية التعليم وتكافؤ الفرص لكل أبناء الوطن. تطورت على قاعدة أزمة بحيث أن التطور الذي شهدته على مدى ستة عقود ونيف مضت على نشأتها (تأسست في خريف 1951، وتحتفل هذا العام بعيدها الـ64)، كان في الواقع تطوراً لأزمة ذاتية ارتبطت بها كمؤسسة عامة وغياب التخطيط الهادف إلى التوازن بين اتجاهات التخصص الجامعي وسوق العمل وغياب المشروع الوطني اللبناني العام. ويرد الدكتور السيد حسين هذه الأزمة الى «أن الجامعة هي بنت الدولة وإذا تخلت عنها قد نقع في مشكلة، وقد حصل ذلك عندما بقيت عشر سنوات من دون عمداء. إنها حمل ثقيل على الدولة وأهل الجامعة والمجتمع لأنها تحتاج الى المساعدة».

المحاصصة السياسية والطائفية

إذا كانت الجامعة اللبنانية قد تعايشت مع أزمة موضوعية على امتداد العقود الستة الماضية، فإن استمراريتها في المستقبل تتطور على أرضية الأزمة نفسها بسبب تهميش دورها في عملية البناء الوطني انتاجياً ومؤسساتياً وثقافياً واجتماعياً نظراً للمحاصصة الطائفية والسياسية والمناطقية الموزعة على فروعها وكلياتها ومعاهدها .

هذه المحاصصة لا تزال عالقة منذ زمن بعيد ولا حلول لها حتى تاريخه، لأن الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي الذي تعمّق في السنوات الأخيرة يزيد من أزمة الجامعة اللبنانية. وللحد من هذه الأزمة تتطلع الهيئة التعليمية الى: إنشاء هيئة تخطيط جامعية مختصة ونزيهة تقوم بإعداد الدراسات والخطط الهادفة إلى تفعيل دور الجامعة، انتظام التكافؤ بين انتاجية المعرفة الجامعية وحاجات المجتمع اللبناني حاضراً ومستقبلاً، تعزيز الديمقراطية في الجامعة، إعادة النظر في بنية المناهج لمواكبة التطور العلمي والاستجابة لمتطلبات سوق العمل، توفير امكانيات مادية لإنشاء مراكز أبحاث متخصصة لا سيما وأن جوهر العمل الأكاديمي يكمن في البحث العلمي الذي يحقق مردوداً مادياً وعلمياً ومعنوياً. هذا يحتاج الى اصلاح عملية تقويم الأبحاث وايجاد الآليات الملزمة لها وإعادة الاعتبار لأهمية عامل الوقت. فالأبحاث وكما يقول بعض الأساتذة «تودع في أدراج الادارات المختلفة لسنوات عدة دون اعلام الأستاذ المعني سلباً أو ايجاباً بنتيجة التقويم».

ويصرّ رئيس الجامعة الدكتور السيد حسين على «وصف وضع الجامعة اللبنانية بالجيد، وهي اليوم تحت عين الرقابة والتقييم الدولي والمحلي والوطني بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والتنمية الادارية. ويتمّ تقييمها الى جانب أربع مؤسسات أخرى من أمنية وإدارية وتُعلن النتائج فور انتهاء التصنيف».

انجازات تحققت

يتحدث الدكتور السيد حسين «عن الانجازات التي تحققت ومنها على سبيل المثال لا الحصر: تعميق البحث العلمي من خلال ايجاد هيكلية جديدة مركزياً وفرعياً، إثارة المواضيع العلمية الجديدة ومنها الابتكار والتطوير، وهو موضوع جديد في مجال التعليم العالي. لا يكفي أن يكون البحث فردياً بل انطلقنا بالبحث من خلال فريق العمل البحثي ضمن سياسة عامة تحددها كل كلية حسب الاختصاص. تألفت لجان مركزية تساعد رئيس الجامعة في موضوع البحث العلمي لأن هذا الأخير هو روح الجامعة وتطوير العلاقات الخارجية تعكس صورة الجامعة الى العالم» .

ويتابع: «أُنشئ مكتب لغات ينسق مع مختلف الكليات وهو علامة فارقة وبصمة مهمة في حياة الجامعة. وهي اليوم تدرّس اللغة الانكليزية لتحسين المستوى اللغوي. وتَعمد كلية الحقوق الى تدريس اللغة العربية لأنه لا يجوز للطالب الذي يدرس الدستور اللبناني والقوانين ألا يكون ضليعاً في اللغة العربية، وكيف يكون قاضياً أو محامياً اذا لم يتقن اللغة التي سيترافع بها. ووحدنا التخرج في الكلية لكل فروعها، هذا موضوع شعبي وطني بامتياز. دعمنا منشورات الجامعة وهناك نحو سبع مجلات متخصصة واحدة لكل كلية، بدأنا الطريق الصحيح مع تشكيل مجلس الجامعة وهو انجاز يؤكد استقلالية الجامعة من الناحية الأكاديمية والعلمية والادارية، إنه القيادة والمدخل الاصلاحي الشامل. باشرنا بتطوير علاقاتها مع الخارج لا سيما مع الفرنسيين والأوروبين وانفتاحها على الصين وروسيا وايران وغيرها لاكتساب الخبرات العلمية . هذا التنوع الثقافي أعطاها شخصية مميزة ».

ورداً على سؤال حول كيف يستطيع الرئيس أن يكون على مسافة من كل الفرقاء بالرغم من أنه محسوب على جهة سياسية معينة، أصرّ على القول بأنه «يجب أن أكون على مسافة من كل الفرقاء اللبنانيين لأن الجامعة لا تُدار بالطائفية ولا بالأحقاد، فهي تدار علمياً كجامعة وطنية .إذا قلتم بأنني محسوب على جهة سياسية معينة فأنا لست محسوباً على أحد ، ليس عندي انتماء حزبي بل انتماء وطني، وأنا أُؤمن بالدولة المدنية لكل اللبنانيين وأعتبر ان الجامعة مؤسسة مدنية وليست طائفية. عندنا في لبنان جامعات كثيرة طائفية موزعة على الطوائف لكن الجامعة اللبنانية يعرف عنها اسمها» .

وشدد على بعض التوضيحات بالقول «أنا أعدت الاعتبار للمسيحيين في كثير من الفروع لأن البعض منهم ابتعد كثيراً عن الجامعة وأنا أقول لهم بأن هذه الجامعة هي جامعتكم ، وعندما أشعر بأن أي فريق ضعيف في الجامعة سأعمل على تقويته حتى يتمثل كل الشعب اللبناني في هذه الجامعة».

لجامعة وطنية

أما الخطوات الواجب اعتمادها لتبقى جامعة وطنية فيوجزها رئيس الجامعة بالآتي :

l أن تكشف عن اختصاصاتها بكل اعتزاز، ويتمّ حالياً تنظيم الأبواب المفتوحة لتعريف تلامذة الثانويات على الاختصاصات كافة. وأن نقول لهم هذه هي جامعتكم وهذه اختصاصاتكم . يجب على اللبنانيين أن يعرفوا أنها الجامعة الوحيدة التي تدرّس الطب البيطري وعلم الآثار. وهناك كلية الهندسة التي نفتخر بها وكلية الطب والسياحة … كل هذه الكليات تعتمد نظام امتحانات الدخول ولا يمكن تعديل علامات الدخول لأن المسألة الأكاديمية يجب أن تُحمى في القانون والأخلاق وإلا تضيع المعايير .

l ارسال الطلاب المتفوقين الى الخارج للتخصص على مستوى الدكتوراة ، ولا نسألهم عن طائفتهم او مذهبهم أو ما شابه. كما أن أساتذتنا يسجلون براءات اختراع في فرنسا وغيرها.

l نضع قريباً حجر الأساس لمجمع جامعي في البقاع في حوش الأمراء – زحلة ، كما استأنفنا العمل في مجمّع الجامعة في الشمال في البحصاص-الكورة ، حيث سيتمّ تسليم كليتين بعد سنة ونصف السنة هما الهندسة ومعهد الفنون ثمّ يتوالى التسليم تباعاً من كلية العلوم الى الصحة ثم إنشاء بيت سكن الطلاب .

l الربط بين مؤسسات الدولة حيث بدأ التعاون بين كلية الصحة ووزارة الصحة وذلك بتولي فحص العينات في المختبرات الجامعية البحثية في طرابلس والفنار والحدث. وهذه مساهمة علمية بحثية اختبارية.

l إنشاء رابطة قدامى الأساتذة، مقرها في الطيونة . يتولون الاشراف على أطروحات الدكتوراة والقيام بالبحث العلمي .

أسئلة توضيحية

ورداً على سؤال حول الخروقات في تطبيق قانون التفرغ الرقم 6/70 (الصادر في 23/2/1970) الذي ينظم عمل الهيئة التعليمية، ويوضح الدكتور السيد حسين أنه «يجب تطبيق قانون التفرغ لأن الأستاذ الجامعي لا يحتاج للتدريس خارج الجامعة اللبنانية لأن هذه الأخيرة تحتاج الى أبحاثه ومواكبة الطلاب وخدمة الجامعة والقيام بأعمال إدارية». ويشير الى أن رفع سن التقاعد الى عمر 68 «شأن مهم جداً للافادة من طاقات الأساتذة القادرين على العطاء لأنهم اكتسبوا خبرات طويلة لا سيما وأن الانسان يرتقي بالعلم كلما تقدّم في السن وسنقدم مشروع قانون فور الانتهاء من درسه». كما تحتسب سنوات الخدمة منذ أن بدأ الأستاذ بالتدريس في الساعة وبعد سنتين من التفرغ يدخل تلقائياً الى الملاك .

ماذا يقول ؟

ويقول السيد حسين:

l الأستاذ الجامعي: «طالب علم ومعرفة وباحث عن الحقيقة العلمية» .

l عمداء الكليات: «أنتم في موقع المسؤولية الأكاديمية، والشفافية مطلب دائم لاحقاق الحق، فلا تتخلوا عن دوركم في وجه المنازعات الفئوية».

l الموظفون والعاملون: «التهرب من واجبات الوظيفة مخالف لقانون الموظفين. ولا يحق لأي موظف إفشاء أسرار وظيفته لا أثناء العمل ولا خارجه ولا بعد بلوغ سن التقاعد».

l الطلاب: «دافعوا عن الثقافة الوطنية، لا ثقافة الاسفاف. صحيح أن وطنكم صغير المساحة ومحدود الامكانات المادية لكنه كبير بطاقاته البشرية ودوره مشهود له في الشرق الأوسط».

l أهل الجامعة: «ثقوا أنكم تحملون التعليم العالي على أكتافكم، ومن دون الجامعة الوطنية لن يكون تعليم راقٍ يصل الى كل المواطنين . قدموا الصورة البهية علماً وأدباً وخلقاً …وكونوا سبّاقين الى تطبيق القانون».

ختاماً، في الايجابية الجامعة اللبنانية ناضلت للحفاظ على استمرارها وبقائها. وفي السلبية أن السياسة تتدخل في الجامعة لخدمة السياسيين وليس العكس.

م.ط.ر.

الجيش الثاني

بعض الأساتذة مخلص للجامعة، والبعض الآخر لا يربطه بها إلا الراتب، عددهم قليل انما يفتعلون المشاكل. أريد أن أقوي الانتماء والولاء الى الجامعة، وكما أراهن على الجيش اللبناني أراهن على الجيش الثاني في الوطن ألا وهو الجامعة . أريدها مؤسسة قوية .

مشكلة بنيوية؟

يتناقص عدد الطلاب المسيحيين في الجامعة ليصل الى 46% ،أما نسبة الأساتذة المسيحيين فتصل الى 40% وتوضح مصادر أكاديمية أن أغلبية الجامعات الخاصة هي جامعات مسيحية (البلمند، الكسليك، الجامعة الأنطونية، جامعة اللويزة، اليسوعية…) تجذب الطلاب المسيحيين بدلاً من الجامعة اللبنانية . هذه تعتبر مشكلة بنيوية في المجتمع اللبناني . لذا يحتاج المجتمع الى ثقافة جديدة للتعاطي مع الجامعة ضمن مفاهيم انتاجية تنافسية وإعتماد ثقافة التقييم الدائم .

م.ط.ر