عوّدتكم أن أكتب في المواضيع الإجتماعية والوجودية، وأتحاشى الدخول في الأمور العقائدية واللاهوتية على أهميتها. ولأن قيامة الرّب يسوع هي محور حياتنا وأساسها الثابت، أحببت أن نتشارك في هذا العدد ببعض التأملاّت والاسئلة حولها:

خبر بعضنا البعض كل سنة بأن المسيح قد قام، مع العلم بأن القيامة تغذّي كل لحظة في حياتنا، وربما اعتدنا على “الخبريّة” ولم تعد بشرى سارّة قويّة لنا. لان المطلوب أن نقوم نحن، وإلاّ نبطل قيامة المسيح.
ماذا تغيّر في حياتنا مع القيامة وبعدها؟ أي تغيير إجتماعي وجماعي وأخلاقي وقيمي حصل؟ هل شهادة حياتنا تظهر قيامة المسيح؟ وهل اجتاحت مفاعيل القيامة كل أوجه تصرفات حياتنا الشخصية والاسرية والمهنية وأعمالنا ومؤسساتنا؟  نعم إن القيامة هي تجديد كلّي في حياتنا اليومية مع ذواتنا ومع الآخرين. أليس الأحد بعد القيامة هو الأحد الجديد؟  لماذا؟ لانه بعد القيامة الحقّة يتغير العالم ونخلع أثوابنا القديمة البالية والمعفنة، لنلبس قوّة القيامة، ويصبح التغيير واقعاً ملموساً في كل لحظة وموقف من حياتنا.

 

في الأحد الجديد نتذكّر شكّ توما وتسامح المسيح معه، وقد دعاه الى وضع يده في جنبه ليكون مؤمناً لا غير مؤمن! مَن منّا يساعد قريبه، كما فعل المسيح، فيسامحه على شكّه فيه، ويشجّعه على الاقتراب منه كي يؤمن، لأنّ هدف القيامة هو الايمان بقوة القيامة وليس الابقاء على حالة الشّك فينا؟ ألا نرى بأن الشكّ يكبر من حولنا؟  ويتجذّر فينا، حتى أصبحت قضية توما حالة معمّمة في العالم؟ إن ذلك لا يعود فقط إلى  ضعف إيماننا وإيمان الآخرين بشخص المسيح، بل في عدم وجود شهادة حقيقية في حياتنا وفي مجتمعنا. كم من البشر يشكّون بأن المسيح غير موجود في مؤسساتنا على أنواعها ولا يلمسونه باصبعهم؟ فهل أضحت القيامة درساً تنظيرياً نسمعه في مناسبة القيامة، لينمو الشكّ بأن المسيح لم يقم بعد خارج القبر الفارغ، بل قام خارج إطار حياتنا اليومية، وبعيدا عن الأشخاص الذين نعيش معهم ونعرفهم.
إن المطلوب من أبناء القيامة اليوم، المؤمنين بالمسيح وبالقيم الإنسانية، تشجيع هؤلاء المشكّكين، لكي يلمسوا القيامة فينا وفي مؤسساتنا ويقتربوا منا، وندعوهم، إذا كانت لدينا الشجاعة الكافية، إلى ان يدخلوا إلى قلوبنا ومؤسساتنا كلّها، ويضعوا أيديهم فيها كي يؤمنوا بان المسيح فيها، في مدارسنا وجامعاتنا، ومستشفياتنا ورعايانا وبيوتنا. إنّ دورنا لا يكمن في مطالبة الآخرين بعدم الشكّ في كل ذلك. فالشكّ من حقوق الانسان الأرضي، ودليل على أن المؤمنين والجماعة عليهم اثبات القيامة في حياتهم أمام الآخرين.

ومن واجبنا أيضاً إذا كنّا أبناء القيامة أن نكون على مثال المسيح، ونقبل شكّ هؤلاء ونلاقيه بالحب والتسامح، لنزيله ونؤكد مفاعيل القيامة. علينا أن نقبل شكّ الآخرين بما نقوم به، وبما نحن فيه، وهذا حقّ لهم، وعلينا أن نتمثّل بالمخلّص ونجعل من شكّ الآخرين طريقاً إلى اليقين والخلاص. فكلما كبر توما وتجذر بيننا، علينا ان نتحلّى بشجاعة المخلّص لنقول لكل مشكّك، تعال وضع اصبعك في حياتنا وفي مؤسساتنا، وكن مؤمناً لاغير مؤمن. مؤمناً بشفافيتنا ورسالتنا وعطاءاتنا، فالمسيح قام هنا في مدارسنا وجامعاتنا، ورعايانا ومستشفياتنا، وبيوتنا وشوارعنا.
علينا أن نحوّل الشكّ طريقاً إلى اليقين بالقيامة، واليقين هو نتيجة التساؤل والشكّ وطرح الأسئلة الجوهرية والمصيرية، والحوار الجدّي، والعلاقة مع الآخرين في الطريق بين الشكّ والقيامة.  فلا تغضبوا يا أبناء القيامة من توما القرن الواحد والعشرين، انه دعوة لنا لنعود إلى رسالتنا وجوهر دعوتنا، بمحبتنا وأعمالنا. ولا تخافوا أيها الثابتون في إيمانكم وقيامتكم أن تلاقوا هؤلاء المشكّكين وتحبّوهم وتساعدوهم بالتزامكم بمفاعيل القيامة. هكذا نستطيع معاً في عليّة هذا العالم أن نشهد ان المسيح حقاً قام، فتصبح حياتنا شهادة ساطعة على ذلك، لا مجرّد كلمات نردّدها دون أي شعور بالمسؤولية،  ودون ظهور واضح لنتائج التغيير المطلوب.

 

الأب طوني خضره

رئيس اتحاد “أورا”