” بعرق جبينك تأكل خبزك”!

ومنذ تلك اللحظة باتت حياة الانسان “الصّالح”! ” مربوطة” بعمله، تأميناً  لمعيشته  ومعيشة    من هم في عهدته !  لذلك، أضحى” وقف العمل ” بمثابة   وقفٍ للجهاز التنفسي ّ!

ولأن التعامل المتبادل ما بين جميع الاطراف يحتاج الى اطر وقواعد تحفظ الحقوق وتفرض الموجبات، نظّم القانون الوضعي اللبناني، «العمل” في قطاعين كبيرين أساسيين ، لكل منهما قوانينه واصوله وطرقه ، هما  : القطاع العام والقطاع الخاص :

  • “القطاع العام”، والعامل فيه يعرف بالعامية ب ” موظف دولة ” او ” ابن حكومة “وقانوناً بـ “موظف”!  وهو كلّ شخص يعمل في ادارات ومصالح ومؤسسات “لدولة” على تنوعها، ويتقاضى راتبه من خزينتها! وتطبّق عليه عامة قوانين الموظفين! ويفصل في “مشاكله” مجلس شورى الدولة!

 

  • اما “القطاع الخاص”، فهو، بالمعنى المجازي، ما لا علاقة للدولة به !!! اي ما يعرف بالعامية أيضا، بـ ” شغلو على حسابو! او صاحب الشغل ” او “بيشتغل عند فلان”!  ومن يعمل “لدى احد”، يسمى قانوناً “اجيراً” أو «عاملا ً” ويتقاضى أتعابه  أو أجره من نتاج عمله ! ويطبق عليه مبدئيا ” قانون العمل”! وتبت في مختلف نزاعاته مع اصحاب العمل مجالس العمل التحكيمية!

بين القطاعين، مجموعة كبيرة من التمايزات التمويلية والتنظيمية والقانونية! … ولكن ما يجمع بين كل من يخوض غمارهما، ” همّ ” واحد، وهو تأمين مستلزمات الحياة الوجودية!

ومن اجل ذلك، يصبح “وقف العمل ” اي ” الصّرف من الخدمة ”   علّة العلّل، لا سيما اذا كان مفاجئاً و مفروضا دون وجه حق!  ولأجل ذلك، يسعى كل متظلّم في القطاعين الى مرجعه القضائي بحثا عن حقوقه المهدورة او تعويضاته المفقودة!

وكي لا يطول الحديث، وتختلط الامور ببعضها البعض، سيقتصر الكلام في هذا المقال على “الصرف من العمل” في القطاع الخاص!  المفترض ان يكون ركيزة الاقتصاد الوطني وخزانه التمويلي ومعيار صحته ونشاطه!

فقانون العمل، يعطي لصاحب العمل كما للعامل، الحق في فسخ عقد الاستخدام المعقود بينهما لمدة معينة، الا أنّه يحق للمتضرر من الطرفين عند الاساءة في فسخ العقد او التجاوز في استعمال الحق ان  يطالب بتعويضات  في حال توفر شروطها !

فما هي الاساءة او التجاوز في استعمال الحق التي قد تحصل من الطرفين؟

انها حق صاحب العمل في حماية اعماله اصولا، فله ان يقاضي العامل المهمل اوالكسول او المتفلّت من موجباته او غير المسؤول او الذي يترك العمل بصورة مفاجئة مثلا في ” عز الشغل “!!  ودون مبرر الا بغاية الاضرار!

كما انها ايضا، ما يسمى في قانون العمل بـ «الصّرف التعسفي”   وله شروطه! وذلك، لأنه يحصل من قبل «رب العمل” دون مبرر! ودون سبب مقبول اصولاً … ويكون دائماً ” مش بوقتو”!  و”بأسوأ الظروف” “وهلق ؟! علينا كتير مصاريف “!!!!!!!!!!

  • فمثلا لا يحق لصاحب العمل صرف العامل لسبب لا يرتبط بأهلية العامل او تصرّفه داخل المؤسسة، فطالما ان ” الشغل ماشي ” بصورة صحيحة وضمن الاطر الاخلاقية والعملية المرسومة، فلا علاقة لصاحب العمل بغير ذلك!
  • كما لا يحق لصاحب العمل صرف العامل او الاجير لممارسته حرياته الشخصية او العامة ضمن نطاق القوانين المرعية الاجراء.
  • والاهم ايضا أنّه لا يحق لصاحب العمل صرف العامل، بحجة أنّ هذا الاخي قد تقدّم بحسن نية بشكوى الى الدوائر المختصة تتعلق بقانون العمل مثلا وتبعا لذلك تقدّم بدعوى على صاحب العمل!

 

والامثلة كثيرة في اطار الصرف التعسفي، وهي مستمدة من واقع الحياة ومن اصول التعامل، ولكن ما يستشف منها جميعها هو ان قوانين العمل نشأت اصلا من رحم الحريّة صوناً للعنصر الأضعف، ومنعاً لاستعباد الناس، فلا يقيّد فكرهم وحقهم بخبزهم  ! وانما يُعجن خبزهم بعرقهم!

وطالما ان الضرر يقع في كثير من الاحيان، فما هي ” الاسعافات الاولية ” لهذه الحالات الطارئة المفاجئة؟

  • يفترض جمع كل المستندات المتوفرة!
  • ولكن الاهم هو التوجه دون ابطاء وخلال ثلاثين يوما ” على القد ” الى مجلس العمل التحكيمي التابع له جغرافياً مكان العمل!
  • يتوجب التقدم بشكوى! من اجل وقف مهلة مرور الزمن!

 

وبعد استيعاب “الصدمة” المستجدة، تبدأ المنازعة   ومناقشة توفر وقائع الصرف (للتحقق من حقيقة حصوله تعسفا او من حقيقة اداء العامل المشكو منه، فليس كلّ من يخبر ” الخبرية ” يكون معه حق”!)  وصولاً   الى تحميل “الصارف” المتعسّف او العامل الممتنع! مسؤولياته القانونية والمادية عمّا تسبّب به!  وتشكل   تلك المسؤوليات الملقاة على عاتق «الصارف” او المتسبب بالضرر ديونا !!  سواء كان فردا او مؤسسة او شركة، تلاحقه، وفق الاصول على كل ممتلكاته وموجوداته! الحالية والمستقبلية، لا بل تسبق ورثته (بعد عمر طويل) او شركاءه على مقاسمة      ” تركته ” !!!

يعلّمنا واقعنا ان ” العمل ” هو عصب المجتمع الاول ودليل صحته وركيزة اقتصاده وميزان أخلاقه، فاذا مسّه وهن!  انعكس ذلك على بنيان الوطن وباء ساماً كارثياً خصوصاً في الازمنة السيئة المحكومة بالقلوب السوداء! فماذا لو طرق ذاك المرض مثلا ابواب “المدارس” التي بدل ان تكون “ام الانظمة” الحريصة على تطبيق اصول العدالة وتعليم مبادئ الاخلاق وفنون الثقافة تصبح منزلقاً الى مزيد من الأنفاق المظلمة!

انها امثلة تقود الى المزيد من التعقيدات!

المصروف تعسفا من عمله، كما كلّ مظلوم، نقطة في بحر هائج!

فماذا لو بات المصروفون والمظلومون والمعاملون السوء، يشكلون هم بدورهم بحرا هائجاً!  تطال موجاته العاتية والغاضبة اعلى القمم! …  الم تغمر المياه يوما المسكونة! ولم ينج منها الاّ من كان اميناً صادقاً ومحصّناً في سفينة انتظار اشارة السلام ؟!

المحامية جيهان القاصوف

مجلة اورا – العدد 11