الخوري اسكندر الهاشم

يجب أن تسود الصراحة في الحياة اليومية الوطنية والإنسانية. وحدها الصراحة تكشف ما يفكّر به جدّيا الآخر، وتضع تحت المجهر كل ما يجول في عقل وقلب الإنسان.

القادة الحقيقيون يستمعون بفرح إلى ما يوجه إليهم من انتقادات، وما يطرح عليهم من أسئلة، والقادة الحقيقيون هم الذين يصارحون شعوبهم بواقع الحال، وبكل ما يحمل هذا الواقع من سلبيات وإيجابيات.

اعتاد الناس إخفاء الحقيقة طمعا بربح الآخرين، وخوفا من مواجهتهم، ودخلت هذه العادات إلى كل المستويات، لتجعل من الصعب إظهار الحقيقة وتبيان الواقع، ليتسنى للآخرين اتخاذ الحيطة، أو العمل على إصلاح هذا الواقع ودفعه باتجاه الإصلاح، تجنبا للمواجهة وللفتن.

الصراحة تكشف بوضوح شخصية صاحبها وصدقه، ودقة وصفه للواقع المعيوش بدون قفازات، بل يقف معرياً ومفنداً لمحاسن هذا الواقع وسيّئاته، وهذه هي الطريق الأسلم لوضع العلاج، والبدء بعملية الترميم والبنيان.

الحرص على مستقبل الوطن ومستقبل العلاقات بين مكوّناته وأجياله، يستدعي بالضرورة قول الحقيقة ووضع الإصبع على الجرح، ليتسنّى لأصحاب الارادات الطيبة إعادة التموضع معا، لرفع التحدّي وخلق مناخ مؤاتٍ للعمل المشترك ولبناء الثقة.

  • الجميع لا يقول الصراحة والحقيقة

إنّ الخطب الرنّانة والتصريحات المتتالية والإجتماعات المشتركةن تبقى كلها دون المستوى المطلوب، لأنها جميعها تخفي الحقيقة وتحاول طمس ما يضمره كل فريق، فكيف تتم المصالحات الحقيقية إن بقيت نصف الأمور مكتومة وخافية عن الآخر، وكيف تسير عجلة البناء والاصلاح والتقدّم إن اخفت كل مجموعة عن الأخرى مشاريعها وهواجسها، وأبقت الكثير من مشاريعها تحت الطاولة، بانتظار تغيّر الأحوال وتبدّلها.

إن الواقع المرير الذي وصل الوطن اللبناني إليه، يستدعي وبدون إبطاء مكاشفة حقيقية عن مكامن الخلل، وعن المخاطر الحقيقية التي تهدد الجميع بدون استثناء.

2- الفساد ثم الفساد

يعرف الجميع سرّاً وعلناً أن الفساد علّة اصابت الوطن مقتلاً،  بعد حرمانه من حقوقه ونهب خيراته وتبديد موارده، إضافة إلى انقسام واضح بين أغنيائه وفقرائه، وهذا هو الشرخ الأعمق الذي يؤدي إلى توتر ثمّ مواجهات، إذ كيف بمقدور الفقير المحروم من أبسط مقوّمات الحياة الكريمة أن ينظر الى هؤلاء الأغنياء وهم يمرحون ويسرحون أمامه، يتنعمون بخيرات الوطن ويستأسدون على فريق كبير من أبنائه دون حرج أو فحص ضمير، وهم يعلمون ونحن نعلم أن الأموال التي في جيوبهم ليست ملكا شرعيا لهم، بل دخلت إليها عن طريق النصب والإحتيال والتزوير واستغلال النفوذ والسلطة والقانون. وقد شكلوا معا طبقة يساند الواحد فيها الآخر وتتقاسم مال الدولة، غير عابئة بما تحضّر لها الأيام، عاجزة عن فهم منطق التاريخ والثورات، متلطية بمذاهبها وطوائفها وتحالفاتها العابرة للحدود.

إنها طبقة تفتقد إلى الحس الإنساني والأخلاقي، ولا تقيم وزنا لكل النداءات والإعتراضات والإتهامات التي تساق ضدها، عاجزة حتى عن التفكير في إرساء الحد الأدنى من قواعد العلاقات الإنسانية، جاعلة المال معبودها وشفيعها، غافلة عن أبسط الواجبات الوطنية القائمة على ردم الهوة بين أبناء الوطن وعيال الله، درءاً للمخاطر والمواجهات.

لقد أصبح الفساد فلسفة قائمة بذاتها، تستهوي الكثيرين ويعشقها معظم الناس، لأنها فلسفة اللذة والتخمة والقيادة، ولم يسلم منها إلاّ قلّة قليلة ينظر إليها بازدراء على أنها قلّة غير نافعة، وغير منضوية لهذا المنطق اللعين .

الفساد يستتبع حكما غياباً تاماً عن معالجة المسائل الحيوية والملحة للوطن، لأن الفاسد مشغول بجمع المال واحتكار السلطة، فلا يرى ما يحاك لوطنه وشعبه وأمّته، وإلاّ كيف تغاضت هذه الطبقة الحاكمة عن موجات الزحف المستمر التي تدخل أرض الوطن، من نازحين ومهجرين وشذاذ أفاق، من مجرمين وصيّادي جوائز بالآلاف، يسرحون في قرانا ومدننا، يأكلون خيرات أبنائنا، فيما هؤلاء يغادرون بصمت إلى بلاد الله الواسعة، تاركين وراءهم بيوتا وأمهات وأباء في حراسة الغرباء، وتحت وطأة إقامتهم.

3- إنه إنتحار وطني لا يسلم منه أحد

نحن أمام انتحار وطني من خلال استبدال أبنائه والإستعاضة عن خدماتهم بقوى عاملة غريبة، ولكي نكون منصفين وصادقين، نؤكّد بدون لبس أن الطبقة التي تحكّمت بمصير الوطن إبتداء من التسعينات، دمّرت عصب الوطن وأغرقته في عصبياتها ونزاعاتها، وحطّمت فيه وحدته الوطنية، بعد تدمير الجامعة اللبنانية والمدرسة الرسمية على حساب جامعات خاصة، معظمها مشبوه الإنتماء والثقافة، اللهم الأقلة قليلة من جامعاته الخاصة التي لها فضل كبير في تقدّم وتطوّر الوطن، ووضعه على سكة الحداثة.

هذا الفريق عينه غيّر وجه الإدارة اللبنانية، وأنهك البلاد والعباد بصناديق ساعدت في زيادة الدين العام، وشرّع الفساد ودمّر ما تبقى من مؤسسات رقابة وحماية. لقد حاصرت هذه الطبقة الحاكمة الوطن والدولة والشعب، وسدّت منافذ التطور بغرقها في الذاتية والمذهبية والإقطاعية، وابتعادها عن آفاق المواطنة والدولة العصرية المتحررة من المحسوبية والإقطاع والتخلّف، العاملة على إرساء قواعد العدالة الإجتماعية، دولة تواكب إنجازات العصر وتسهر على كرامة أبنائها وتقديم أفضل الخدمات لهم وبثّ روح الوطنية، دولة تكون فوق الأحزاب والطوائف والمذاهب، تحاسب وتكافئ، تخفف من حدة الصراع الطبقي والمذهبي والطائفي، وتعمل على تداول السلطة. هذا الإستمرار في سدّ منافذ الخلاص وصمّ الآذان عن الإصلاح الحقيقي، يشكّل أرضا خصبة للمطالب الإجتماعية والإنسانية، ويكشف هذه الطبقة يوما بعد يوم أمام ذاتها وأمام الناس، ويدخل البلاد في أزمات لا ينفع معها تأجيل أو تسويف، لأنها أزمات لن تبقى صامتة، خاصة حين تتحوّل أزمة وجود وبقاء.