أنطوان مسرّه

عضو المجلس الدستوري

          تفترض ممارسة المحاسبة ومكافحة الفساد ثلاثة أبعاد ثقافية يتوجب التساؤل إذا كانت متوفرة في سلوك اللبنانيين وتفترض الممارسات دستورية مساعدة.

الابعاد الثقافية الثلاثة هي التالية:

1- معرفيًا: تتطلب المحاسبة الوضوح والدقة وتوفر المعلومات والتحقق منها حول الوضع المشكو منه. نعيش في جو عارم من الوهم بالمعرفة مع استخدام تقنيات العلوم الإنسانية الحديثة في سبيل تشويه المعرفة. وتأتي ايضًا تقنيات التواصل الحديثة للإيهام بالمعرفة في حين يتوجب التمييز بين المعلومة information والمعرفة savoir. ليست المعلومة بالضرورة معرفة. تتطلب المعرفة جهدًا شخصيًا واكتسابًا واختبارًا وتحليلاً وتدقيقًا… أقول انني أعرف حين أستعمل ادراكي واحلّل وادقق وأتأكد واقتنع ولا اكتفي باجترار ما قيل وما سمعت او قرأت او في تكرار ما هو متداول في سوق المعلومات.

2-  اخلاقيًا: تتطلب ممارسة المحاسبة تجردًا عن المصلحة الشخصية فلا أكون مشاركًا او متواطئًا في علاقة منفعة او نفوذ او سلطة، او حتى علاقة صداقة تتخطى الصداقة والمصلحة المشروعة بل جانبًا من المنفعة. تُبين تحقيقات ميدانية ان اللبناني عامة يقترع – ولا أقول ينتخب – للمشاركة في نفوذ. ما يُؤثر في سلوكه الانتخابي ما يجنيه من النائب من واسطة في التوظيف او المنفعة المادية او الحماية… ولم تتطور الخدمات الإدارية عامة في لبنان ولم تحصل تنمية متوازنة بشكل يصبح فيه اللبناني مُتحررًا من اللجوء الى نائب او وزير او أي موقع نفوذ في سبيل إحقاق حق طبيعي وبديهي في الحياة اليومية.

  1. مسؤولية: تتطلب ممارسة المحاسبة وضوحًا في الصلاحيات والمسؤوليات مما قد لا يتوفر في الأوضاع السياسية والإدارية حيث كل موقع سياسيًا واداريًا يتعاطى في كل شيء ويتدخل في كل شيء رافعًا ستار القانون او ستار الوفاق الذي لا يكون في هذه الحالة وطنيًا، بل وفاقًا بين زعامات في سبيل تقاسم نفوذ ومواقع ومنافع.

مُثقفون وأكاديميون وايديولوجيون يرمون غالبًا بغيظهم لا على اشخاص او مؤسسات، بل على النظام والدستور والطائف…! هل نُدرك ان المسؤولية شخصية. القانون قد يكون سببًا ولكنه ليس مسؤولاً! اذا اعتبرنا ان الدستور او النظام او الطائف هو المسؤول… فهذا ينطلق من فرضية ان السياسيين والاداريين والقضاة… في لبنان يتمتعون بدرجة قصوى من النزاهة والحرص على القانون ويحملون مجموعة التشريع اللبناني للاسترشاد حول كل تفاصيل ما يجب عليهم عمله! خلال ندوة حول مكافحة الفساد ورد في دراستين جامعيتين ان السبب هو “الطائفية”! إذا كان تجهيز هذا المكتب يُكلف مئة مليون ليرة وتم تلزيمه بملياري ليرة، فما معنى حساب ومحاسبة، وما علاقة قاعدة الكوتا في الموضوع؟

لم يعد رمي كل الأسباب على بنية النظام والدستور بريئًا إذا أصبح يُوفر صك براءة لفاسدين اخذوا يقولون ويردّدون، ويكرر بعدهم أكاديميون بعيدون عن الواقع: هذا هو النظام! أدرك بعض المتنفذين سياق اللعبة التمويهية هذه وما يوفره مُثقفون من شرعية لهذه اللعبة فيقولون: “طالما ان النظام طائفيًا نريد حصتنا”! لا يعطي النظام الدستوري اللبناني حصة منفعية لاحد! قاعدة الكوتا او التمييز الإيجابي discrimination positive في النظرية الحقوقية المقارنة لها قواعد في التطبيق حرصًا على المصلحة العامة.

تبرز في الواقع بنية السلطة في لبنان وادارة الحكم من خلال قراءة جدول اعمال مجلس الوزراء لجلسة الثلاثاء 27/7/2004 والمؤلف من 87 بندًا. بعد قراءته لا تُصدق ما تقرأ من دراسات وابحاث وتقارير حول الاصلاح الاداري واللامركزية والاصلاحات الدستورية. اقتطف من الجدول البند التالي: “طلب المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الموافقة على تعيين حاجب بصفة عامل تنظيفات في ملاك الافتاء الجعفري في بعلبك”. واقتطف البند التالي: “طلب وزارة المال الموافقة على قبول هبة مجموعة من الكتب القانونية”.

وفي جدول اعمال مجلس الوزراء لجلسة 10/11/2005 الذي يتألف من 78 بندًا ما يلي:

“36. طلب دار الفتوى الموافقة على قبول هبة عبارة عن البسة متنوعة.

“47. طلب وزارة المالية الموافقة على تفويض الوزير التوقيع على اتفاق تعاون بين المؤسسة الدولية للإدارة والتدريب والمعهد المالي التابع للوزارة.

“58. عرض وزارة الاقتصاد والتجارة موضوع تعديل تعويض متعاقدة لديها”.

          يطرح الجدول التساؤلات التالية: هل يوجد فعلاً في الحكومة وزراء وما هي صلاحياتهم ومسؤولياتهم؟ هل يوجد في الادارات العامة مدراء عامون وما هي، واقعيًا، صلاحياتهم ومسؤولياتهم؟ هل يوجد مجالس بلدية وما هي، عمليًا، صلاحياتها ومسؤولياتها؟ إذا اردت في أي موضوع ان تبحث عمليًا عن المسؤول، فهل تستطيع ذلك في إطار التسلسلية الهرمية القصوى التي تشمل حتى تعيين عامل تنظيفات في ملاك دار افتاء في بعلبك؟ يبدو جليًا انه في الحالة اللبنانية كل المؤسسات تتداخل في كل المؤسسات. ولا أحد مسؤول فعليًا عن شيءً حيث ان كل الأمور غارقة في تسلسل لغاية قمة السلطة التنفيذية. ولا معنى لشعار الثواب والعقاب واللامركزية والحكمية الجيدة والاصلاح والشفافية… في جو عارم من تهرب الجميع من المسؤولية تحت ستار الصلاحيات هرمية التسلسل الإداري الصلاحية اساسًا مسؤولية.

 

قواعد الاعراب في الدستور

 

في ما يتعلق بالجانب الدستوري لمكافحة الفساد فان مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مبدأ عالمي في كل نظام ديمقراطي ايًا كانت طبيعته التعددية او الوحدوية او الفدرالية… وتشمل قاعدة الأكثرية كل الأنظمة بدون استثناء مع تنوعات في التطبيق من خلال أكثرية مزدوجة او موصوفة في حالات مُحددة، كما ورد في المادة 65 من الدستور اللبناني. ورد في الدستور اللبناني بشكل خاص تسمية السلطة التنفيذية بعبارة أكثر عملانية (الفصل الرابع) وهي “السلطة الإجرائية” التي تشمل رئيس الجمهورية (الباب اولاً) ورئيس مجلس الوزراء (الباب ثانيًا) ومجلس الوزراء (الباب ثالثًا). عبارة إجرائية، حسب لسان العرب، مشتقة من أجري – يجري، أي نفّذ وأكثر من ذلك، “جعله يجري”.

ان الاجماع في كل القرارات هو اما في دولة مثالية غير بشرية، واما محصورًا في بعض الحالات، واما في حالات الارغام والهيمنة وهيمنة اقلية abus de minorité. هذا ما يُفسر بعض ما جاء في المادة 65 الجديدة من الدستور التي هي روعة في المخيلة الدستورية لبنانيًا في اشتراط أكثرية موصوفة في 14 قضية أساسية مُحددة تفصيلاً.

يقول ميشال شيحا: “يقتضي البحث عن التوازن في التمثيل الوطني في مجلس النواب. اما في المجالات الأخرى الا يقتضي العدول عن المواقف المسبقة وتوفير مرونة اكبر لهذه الآلية”[1]. يهدف استعمال عبارة “إجرائية” في الدستور اللبناني الى التشديد على الدور التمثيلي لمجلس النواب، وتجنبًا لتحول الحكومات الى مجالس نيابية مُصغرة miniparlement حيث يتعطل عمليًا سياق المراقبة البرلمانية للحكومة. هل تكون الحكومة سلطة “إجرائية” لتسيير شؤون المواطنين واثبات فاعلية الحكم وتجسيد شرعية السلطة وتضامنها ووحدتها وصدقيتها؟

لا تضم حكومات ائتلاف الطوائف كل الأقطاب والاضداد، وذلك ضمانًا لأربع قواعد عالمية لمبدأ فصل السلطات:

  1. الحد الضروري والمقبول من التضامن الوزاري.
  2. توفر معارضة خارج الحكم لا يُعطل دورها بسبب تحول الحكومة الى مجلس نيابي مُصغر parlement en miniature يضم كل توجهات المجلس وتناقضاته.
  3. فاعلية الحكم أي قدرته على تحقيق اعمال إجرائية وتنفيذ قرارات.
  4. مسؤولية الحكومة امام المجلس في نظام برلماني ولا يمكن ممارسة هذه المسؤولية اذا كانت الحكومة مجلسًا نيابيًا مصغرًا واذا كانت الحكومة تفتقر الى تضامن وزاري يشل تطبيق التزاماتها في بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه الثقة.

في نظام برلماني تعددي ذات طابع فدرالي جغرافي كما في سويسرا او بلجيكا، يمكن ان تكون الحكومات جامعة collégiale لان أكثرية القرارات تُتخذ في المقاطعات، اما في نظام برلماني تعددي ذات طابع فدرالي شخصي fédéralisme personnel فقواعد الدستور اللبناني غير قابلة لتأويل فدرالي جغرافي يلغي سياق المحاسبة والمراقبة.

مفاهيم الوفاق والتوافق تتعلق بسياق البناء القومي. في حكومات تضم الجميع يستحيل، عمليًا، الوصول الى قرار الا من خلال تبادل منافع، الا ربما في شؤون لا تحمل مضمونًا زبائنيًا او مصلحيًا. واي قضية لا تحمل بعدًا زبائنيًا او مصلحيًا في مجتمع حيث كل الناس تعرف بعضها وفي مساحة 452، 10 كم2؟ الحكومات البرلمانية المصغرة هي تنظيم للمحاصصة تحت ستار دستوري. لهذا المسار تبرير في ظروف مُحددة وحصريًا كما في كل بلدان العالم، لكنه ليس قاعدة norme في ممارسة الحكم ديمقراطيًا وبفعالية.

ورد في اجتماع أخير في مجلس النواب في إطار برنامج لوضع مراسيم تطبيقية بالتعاون مع وزارتي الاقتصاد والصحة وعلى لسان الوزير السابق والنائب ياسين جابر: يصدر المجلس النيابي تشريعات وأكثر من 37 قانونًا تحتاج الى مراسيم تطبيقية فتضع الإدارات القوانين في الادراج وبدون صدور هذه المراسيم. ما هي واجبات الحكومة في لبنان؟ ورد في المادة 65، فقرة 2: واجبات الحكومة “السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة”.

 

[1]. Michel Chiha, Politique intérieure, Beyrouth, Trident, 1964, 320 p., pp. 135 et 79-80.

مجلة اورا العدد11