بينه وبين وطنه علاقة حب من بعيد…  واللقاء الاول حدث بعد أربعين سنة

المحامي أنطوني بزعوني: حلم العودة إلى لبنان أصبح واقعا

 

الماضي القريب أصبح بعيدا، وبعيدا جدا، اصبح جيلا واجيالا وعمرا بكامله. هذه هي حال من ترك بلده بحثا عن لقمة العيش، سنة وراء سنة والايام تجري، “واذا الله راد السنة الجايي منرجع”، والعائلة كبرت وتجنست وانخرطت في نظام البلد المضيف، ولم يبق من الوطن الأم سوى الذكريات، وبعض الصور والمراسلات.

“أورا” التقت بعيّنة من ابناء الوطن المنتشرين، التقت الجد والإبن والحفيد، سمعت اخبار الجد الذي وجد نفسه مع عائلته على متن سفينة وجهتها المجهول، ما وراء البحار. سمعت قصة الابن الذي باع ما يملكه ليؤمن تذكرة سفر له ولعائلته، بحثا عن بلد يضمن له حقه كمواطن. “أورا” التقت ايضا بِالحفيد الذي ولد وترعرع وكبر وتزوج ولم تطأ قدماه أرض الوطن. البعض زار لبنان وتعرف على جذوره، والبعض الآخر يرى ان بلده هو الذي ولد فيه، ولبنان هو مجرّد بلد الأجداد، و”جميل ان يزوره للسياحة فقط”… للأسف.

أنطوني بزعوني ولد في اوستراليا ونشأ فيها. ميزته انه عاش علاقة حب مع وطنه الام، بالرغم من انه زاره وزاربلدته حدشيت مرة وحدة في صيف ٢٠١٧ مع زوجته واولاده. “زيارتي الاولى الى لبنان اثرت فيّ جدّا، وكما تصورت حدشيت رأيتها. أهل بلدتي لم يتركوني لحظة واحدة من الصباح حتى المساء. شاركتهم الفطور والغداء والعشاء والحفلات وزيارات الكنائس. شعب لبنان شعب طيب، وأتمنى بان يحمل أولادي هذه الميزة”.

نشأته

تعلّم بزعوني في مدرسة راهبات العائلة المقدسة المارونية – سيدة لبنان، في سيدني، وتخرج بعدها من الجامعة بشهادة محام. اختياره هذه المهنة لم يأتِ صدفة بل نتيجة تتلمذه على يد والد يعمل في الشأن العام، ومربيات راهبات في المدرسة، علّمنه الايمان والصلاة والعمل الإنساني. “انا وإخوتي الإثنان، تخصصنا في مجال المحاماة. وقد امتهنت هذه المهنة لانني وجدت فيها سبيلا  للخدمة”.

خلال تغطية “أورا” لمؤتمر الطاقة الاغترابية الذي جرى في مدينة سيدني أخيرا، قمنا بزيارة مكتب المحاماة حيث يعمل الاستاذ بزعوني مع ٧ محامين لبنانيين وموظفين لبنانيين وعراقيين واشوريين وهنود من اوستراليا. ما يقوم به بزعوني وزملاؤه هو متابعة القضايا والمعاملات، والترجمة لابناء الجالية اللبنانية واللبنانيين القادمين لإقامة مؤقتة. “كل لبناني له حقوقه في حال تعرضه لحادث…نهتم به وبكل ما يحتاجه من الناحية القانونية وغيرها، كما نقوم بإجراءات أخرى، كتنفيذ وصية او توكيل او شراء منزل.” يستطرد ممازحا: “هذه ليست دعاية، بل لتوضيح اننا هنا لنلبي حاجة ابناء بلدنا، وبخاصة الذين لا يتقنون اللغة الانكليزية.” ويضيف: “تعاطيّ اليومي معهم ساعدني على المحافظة على لغتي العربية التي تعلمتها في المدرسة وكدت أفقدها خلال دراستي الجامعية، لولا اهلي وموكليّ. وكم تكون فرحتهم كبيرة عندما أترجم لهم وصفة طبية…”.

 

حبه لبلده نشأ ونما معه منذ الصغر، وأصبح حاجة وانتماء. يصف شعوره عند زيارته الاولى الى لبنان سنة ٢٠١٧، بشعور إنسان لحظة وصوله الى بيته. ومنذ تلك اللحظة، قرر بزعوني ان تتكرر زياراته الى لبنان، وتمنى لكل لبناني مغترب لم يزر لبنان بعد، ان يقوم بهذه الرحلة وفي اقرب وقت. “هدفي الآن ان اعود الى لبنان وأؤسس منزلا بعد خمس سنوات”.

الاتحاد الأوسترالي الماروني لمنطقة قاديشا

الخدمات التي يقوم بها لم تقتصر فقط على مساعدة ودعم اللبنانيين في اوستراليا، بل وصلت الى بلده ومنطقته في قضاء الجبة وبلدته حدشيت.

يدا بيد مع مجموعة من محاميين ومحسنين وشركات محلية، تأسس “الاتحاد الأوسترالي الماروني لمنطقة قاديشا” ( Australian federation of Qadisha Maronite Region). “تعمل هذه المؤسسة الخيرية  منذ ٢٠ عاما، بإشراف أسقف أبرشية اوستراليا المارونية المطران انطوان شربل طربيه، تؤمّن مساعدات ومعدّات طبية لغسل الكلى وأسرّة للمستشفيات وأدوية طبية، وذلك بالتنسيق مع الصليب الأحمر اللبناني  وجمعية مار منصور”.

يخبرنا الاستاذ بزعوني انه لم يكن يعلم اهمية دور “الاتحاد” في تأمين حاجات المحتاجين، الا بعد زيارته الى لبنان، “تأثرت عندما علمت ان هناك عائلات بحاجة الى مساعدة، ولكنها تخجل من التقدم والطلب، لذلك نحن نحرص ان نقوم بالمبادرة من دون ان ننتظر طلبا.”

وعن أولوية حاجات اهل الوطن، قال: “المعدّات الطبيّة، الدواء والمال، هناك صعوبة أحيانا في تأمين الدواء من اوستراليا، فنستعيض عنه بإرسال مساعدات مالية لشرائه.”

العودة الى الوطن

أنطوني بزعوني “المغروم” بوطنه لبنان، والمتأثر جداً بشعبه، وبخاصة أهل بلدته حدشيت وبطريقة عيشهم، يرى ان حلم العودة الى الوطن اصبح واقعا، اما الدافع الاساسي والجوهري للعودة، فهو ما لمسه عند اهل بلدته من التزام بالصلاة، عادة رسم إشارة الصليب، بالإضافة إلى صفتي التواضع والكرم…

وبايمانه الواضح، ختم حديثه بأمنية للبنانيين المقيمين “نصفه الآخر” كما يصفهم، بالمحافظة على إيمانهم ومساندة بعضهم البعض، داعيا إياهم إلى عدم الخوف من المبادرة مهما كانت الإمكانيات محدودة: “لا تقل ليس بمقدوري، فالله هو الذي يدبّر…”

م.م