حاصد الجوائز العالمية في فنّ العمارة وصاحب أول مشروع متطور لزراعة الزيتون في لبنان

المهندس شربل أبو جودة بين سياسة الهندسة وهندسة السياسة:

كلّما زادوا فساداً… كلّما ربحت أنا!

مهندس معماريّ، “سياسيّ”، مزارع، رجل أعمال، ربّ أسرة، والد وزوج… والأهمّ لبنانيّ “حتى العظم”.

مواطن يعشق الوطن، لا ينفر من عيوبه ولا ينكرها، بل يهبّ إلى المعالجة بدلا من البكاء على الأطلال. شعاره: “إعمل كما يجب أو لا تعمل”، يوجّه مصباحه دوماً نحو “الجانب الأبيض” من الواقع رغم السواد الموجود. تعب، جاهد، ووصل إلى قمّتين قلّما يدركهما شخص في آن واحد: قمّة النجاح وقمّة التواضع…

إنّه المهندس شربل سمعان أبو جودة.

لم يدخل معترك العمل من بابه العريض، بل من أكثر من باب. لم ينشأ “وفي فمه ملعقة من ذهب”، بل عشق التعب والكدّ منذ الصغر. تقلّب في أشغال عدّة وهو بعد طفل، تقاضى أوّل أجر له بقيمة “ليرتين على الساعة” من التقاط الكرات في ملعب لكرة المضرب في بلدته المسقى المتنية وهو في عمر السبع سنوات،  قبل أن يصبح مدرّبا لهذه اللعبة في سنّ ال 11 عاما، وعاملا في أحد مطاعم برمّانا في عمر ال15 ثمّ موظف استقبال في أحد فنادق المنطقة، وعامل تبليط وحدادة في ورش البناء، إلى أن أنشأ معمله الخاص في مجال تصنيع اللافتات والإعلانات وهو في سنته الجامعية الثالثة من التخصص بالهندسة المعمارية. في ربيعه السابع والعشرين شغل أوّل وظيفة بشكل رسمي في اختصاصه، وهناك قام بإصلاح أخطاء هندسية فادحة لأحد مشاريع البناء… كان الراتب المتفق عليه 75 دولارا في الشهر ولكنّ الشهر لم يمرّ عليه في الوظيفة فاستقال بعد أسبوع واحد فقط، بعد أن لمس حاجته إلى العمل باستقلالية تامّة في مكتبه الشخصي الذي أسسه فعلا بعد أشهر قليلة من “الإستقالة”…

ومن إصلاح الأخطاء في أحد المشاريع الصغيرة إلى مشاريع إصلاح في البلد ككلّ. مشاريع عديدة عمل عليها أبو جودة وما زال، خطط حقيقية وضعها لحل العديد من المشاكل في لبنان في مجال الهندسة وفي مجالات أخرى أيضا، غالبيتها اصطدم بكلّ ما يصطدم به “الأوادم” في البلد: الفروق الشاسعة بين الأكلاف الطبيعية للمشاريع وبين الأكلاف التلزيمية التي تطبّق، والسبب طبعا “السرقة على عينك يا تاجر” التي يمارسها بعض المسؤولين في مراكز القرار…

أهمّ المشاريع والطروحات التي في جعبته بدأت باقتراح “نفق جلّ الديب” وهو باختصار شكل الـ      U2   roundpoint   مع ممر من أسفل، الذي رفض لصالح الـ L2  رغم أن هذا الأخير “هو الأسوأ للمنطقة لأنه بكلّ بساطة الأعلى كلفة ولأنه غير مجد ويتسبب بزحمة سير خانقة في المنطقة الداخلية من جل الديب…”  ومن مشاريعه المقترحة أيضا والتي وصل إعداد دراستها إلى مراحله الأخيرة، مشروع إنشاء نفق من طبرجا إلى خلدة والمطار يضمّ 14 مخرجا، وهو من الإقتراحات الملموسة والقابلة للتطبيق فعلا لحلّ أزمة السير، والتي يعمل عليها بشكل فرديّ. أمّا المشروع الآخر البالغ الأهمية فهو خطة إنشاء مترو يربط بين الشمال والجنوب بأقل كلفة ممكنة لأنه لا يحتاج إلى استملاك بحجم الأوتوستراد الدائري… هذا المشروع  معلّق للأسف بانتظار حلّ أزمة الكهرباء لأنه مرتبط طبعا ارتباطا حيويا بالطاقة الكهربائية. ومن المشاريع الأخرى التي ينادي بها أبو جودة معالجة النفايات بالطرق العلمية، التشجير، تخفيف عامل الإستثمار السطحي للبناء والسماح بارتفاعات أعلى لصالح الحدائق، التحفيز على استعمال الطاقة الشمسية، إنشاء الكسارات حصرا حيث يمكن تحويل الأماكن الناتجة عنها إلى برك مياه ومناطق سياحية، السعي إلى إنشاء ثكن عسكرية ومراكز للقوى الأمنية  حديثة ومتطورة تليق بجهود عديدها، إلزامية تركيب كاميرات مراقبة خارج الأبنية وربطها بغرف المراقبة الأمنية، تأمين ملاجئ في الأبنية العامة وإلزام المطوّرين بتسليم الدفاع المدني المخططات الداخلية النهائية للأبنية عند الإسكان وربطها إلكترونيا بسيارات الدفاع المدني، تطوير العمل في المرفأ والمطار…

هذه المشاريع وغيرها وضعت ضمن البرنامج الإنتخابي لشربل أبو جودة يوم ترشح إلى الإنتخابات النيابية الأخيرة ولم يصل، للأسباب عينها التي عرقلت تنفيذ مشاريعه الميدانية، والمتعلقة بمعاناة “الأوادم” وأصحاب المشاريع المفيدة في بلد قائم على الإصطفافات الحزبية والمذهبية، البعيدة كلّ البعد عن البرامج والخطط الفعلية المفيدة… هذا الأمر لم يحبط أبو جودة الذي يؤكد: “سأترشّح مرة أخرى إذا ما زبط البلد،أما إذا زبط فلن أترشّح… هم يدعمون حملتي الإنتخابية من دون أن يعرفوا، لأنّهم كلما زادوا فساداً… كلما ربحت أنا!” ولذلك هو سياسيّ وإن لم يحمل اللقب رسميا بعد، لا بل “مهندس سياسة” وطنية حرة عملية خدماتية، تهتم بالمهمّ والعمليّ، بعيدا عن الشعارات الرنانة والصنوج الفارغة.

مهندس أكثر من 90 كنيسة و36 ديرا في لبنان كتقدمة مجانية أو شبه مجانية، و450 تحفة فنية في العالم، وحاصد أكثر من 9 جوائز عالمية في ميدانه، ليس فقط مهندسا وصاحب رؤية وطنية، ولكنه مزارع أيضا. عشق الأرض ونقل عشقه لها إلى أولاده، فقلما تجد لارا ومارك إلا وفي أيديهما الصغيرة منجلا أو رفشا أو معولا يساعدان في تشحيل شجرة أو زراعة شتلة أو ريّها، ربّاهما على التعلّق بالأرض ومحبة الحيوانات خلائق الله الجميلة. أمّا هو فأهمّ ما يفتخر به هو مزرعة الزيتون التي أنشأها في بلدة زوجته جديدة الفاكهة البقاعية، وهي عبارة عن أكثر من  11500 شجرة زيتون مزروعة ومقطوفة بأكثر الطرق تطورا لتنتج زيتا بأعلى المواصفات العالمية مطروح في الأسواق وحائز على ثقة ال ISO  والـ BIO  من CCBP – إيطاليا.

نجاحه يعزوه إلى حبه للعمل وإيمانه العميق بالله وبوطنه، ولذلك يدعو الشباب إلى الثقة بأنفسهم وبقدراتهم، مؤكدا أنّ من يتعب لا بدّ أن يصل مهما كانت الظروف، وأنّ النظرة الإيجابية والتفاؤل الدائم هما الطريق إلى تحدّي الصعاب وتحقيق الطموحات والأحلام مهما كانت كبيرة. “النجاح بلا تعب وإصرار لا معنى له”-يقول- “ولبنان فيه جمال وسحر رغم السلبيات… أنا حائز على الجنسية الأميركية ولكنني أريد العيش في لبنان، إنه بلدي، لن نهجر وطننا ووطن أجدادنا مهما حاولوا، تاريخنا شاهد على مراحل نضال وصمود وتحدّ، وحاضرنا كذلك، هذه هي أهمّيتنا كلبنانيين. أقول للشباب لا تستمعوا إلى الأخبار كي لا تشعروا بالإحباط، لا تنجروا إلى الإنحطاط الذي يفرضونه عليكم، تفاءلوا وجاهدوا وسوف تنجحون بالتأكيد…”

نصيحة يوجهها أبو جودة من خبرة المجرّب الذي يتنقّل من وراء شاشة الكومبيوتر إلى تحت شجرة الزيتون، من خريطة مبنى إلى جلّ الفول الأخضر، من إلقاء محاضرة إلى لقاء مع العائلة التي تشكل “كلّ حياته”، من كرسيّ المهندس إلى غصن شجرة الحامض أمام المكتب، حيث يقطف ثمرة ويناولك إياها قائلا: “رابية على الطبيعة”… ومن “ثمارهم” تعرفونهم!

ل.س.م