“شبعانة من العلم وفرِحة به”، إنها غادة شبيرالتي “لا تنتمي الى أحد”. “شغلتها” العلوم الموسيقية، الغناء والبحث والتعليم…
قسم من حلمها تحقق، وجزء من هذا الحلم هو كتاب الموشحات ومنهج كامل للمقامات بأجزائه الأربعة.

التحدث معها هو السهل الممتنع، مع انها لم تختر الدرب السهل في مهنتها، بل اختارت العمل الشاق، والأصعب. تحدّت ذاتها ومن سبقها ومن سيأتي من بعدها، وغاصت الى عمق اعماق البحث في الألحان السريانية المارونية والموسيقى التقليدية الشرقية والأناشيد الدينية، واظهرتها لاصحاب الأصالة والباحثين عنها، مطبّقة قول المعلّم بالفعل:”لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة، فيضيء كل من في البيت.”
غادة شبير تحدثت إلى مجلة “أورا” بصراحة وصدق ووضوح، كما عاهدها كل من تعرّف عليها.

انطلاقتها الفنية

الإنطلاقة كانت من جامعة الروح القدس- الكسليك، حيث تابعت الدكتورة شبير تحصيلها العلمي في العلوم الموسيقية، وحصلت على ديبلوم في الغناء الشرقي ودكتوراه في العلوم الموسيقية.

من شغفها في اللحن والغناء، ومن مبدئها “ما بحب ضيّع وقت”، إنكبّت على دراسة تقنية الغناء العربي عبر التجويد القرآني والتراتيل، لمدة سبع سنوات، وكانت هذه الدراسة أطروحة الدكتوراه: “ما يهمني من تاريخي العلمي ليس شهادة الدكتوراه، بل كوني حققت شيئا علميا وقدَّمت شيئا مفيداً للغير.”

من الغناء الى التلحين فالأندلسيات

إنسانة شغوفة، تقوم بعملها بحب وفرح. تحب الغناء ولكن تفضل ان تعطي شيئا منها، لذلك دخلت مجال التلحين وقامت بدراسات وابحاث معمّقة، وصلت بها الى تلحين ملاحم وموشحات لأهم شعراء الوطن العربي: ” الوقوف على خشبة المسرح والغناء يعنيني، لكن ما الذي يعنيني وأحب ان أقوم به، هو أن أقدم لجمهوري شيئا مني… إنحزت الى الغناء الأندلسي منذ عام ٢٠٠٥ وأحييت معظم حفلاتي بهذا النوع، بناء على طلب الكثيرين من عشاق هذا الفن في العالم العربي والأوروبي والأميركي. دراستي للموشحات استغرقت خمس سنوات، الكتاب الذي صدر مؤخرا لتعلّم أصول المقام والإيقاع والموشح، يحتوي على تدوينات ٥٣ موشحا، مع شرح مفصل عنها. ميزة هذا الكتاب انه الأول من نوعه: كل تدوين له شرحه، ملحن ومغنى. غالبية الموشحات سجلتها مع الفرقة الموسيقية، ويمكن سماع هذه الموشحات عبر الرابط Link الخاص بصفحتي على الYouTube ” وتضيف “هذا العمل تطلب جهدا ووقتا لتنفيذه بحرفية عالية.”

في مكتبة الدكتورة شبير خمسة كتب – الى يومنا هذا – بينهم كتاب المقامات العربية بأجزائه الأربعة، “جامعة الروح القدس اشترت هذا العمل كاملا بنسخته العربية، مع الحفاظ على حق التصرف الكامل للكاتب بإعادة التصحيح او زيادة في المعلومات او بترجمته الى لغة أخرى، عند طبع نسخ ثانية.”

الإنسان مجبول بالإحساس والعاطفة

هي “النصف الاول”، دكتورة في العلوم الموسيقية، باحثة، كاتبة، وأستاذة جامعية. حائزة على جوائز عالمية أبرزها جائزة الBBC العالمية للموسيقى، وصاحبة أكثر من ٥٠٠ لحن سرياني، بالإضافة الى إصدار العديد من الألبومات.

وهي أيضاً “النصف الثاني”، القلب والعاطفة والإنسانية. تقول إنّ الإنسان مجبول بالعاطفة والإحساس ووجوده في هذه الدنيا ليس للعمل فقط: “ليس باستطاعة أحد ان يقول انا لا أريد ان أحِب ولا أن أُحَب، ولا أريد أن أساعد أو أخدم… فمن يقول هذا لا يعتبر إنساناً…”

تكرس الفنانة شبير كل اهتمامها لوالديها: “أنتبه اليهما جيدا، ولدى عودتي الى المنزل من عملي وبأقل من ثانية، أدرك ما يدور في ذهنهم . أستفيد من نهاية الأسبوع لأبقى في المنزل معهم، وأرتاح من عناء أسبوع كامل.”

مثالية إلى أبعد الحدود

سرّ نجاحها هو الصدق والحقيقة المقرونان بالإيمان بالله. واقعيّة، لا تظهر إلاّ الصدق والحقيقة في حياتها وعملها، ولا تقبل اي شك أو إتهام بأي موضوع تتناوله، سواء أكان عاطفيا ام عمليا، “والله يساعد اللي بيغلط معي، فالحمل الوديع يتحول الى أسد مفترس!”

تقوم بعملها على اكمل وجه وبدون اي نقص: “أنا إنسانة مثالية، ليس بمعنى أنني كاملة، ولكن بمعنى القيام بمسؤولياتي على أكمل وجه. فمنذ صغري أحببت النظام واحترام الوقت. كنت أصحو باكراً وأحضر العصير لوالدي والفطور، وأرتب سريري من دون أن تطلب مني أمي ذلك، بل كنت أشعر بأنّ هذا ما يجب أن يكون.”

تحترم المواعيد، تتابع تفاصيل عملها في الاستوديو، في المطبعة، في المكتب، على المسرح، مع الفرقة… وعن صفة الإستقلالية التي تتمتّع بها تقول: “أنا غادة شبير لا أنتمي إلى أحد، شغلتي العلوم الموسيقية والغناء، والبحث والتعليم، بالاضافة الى انني أنتج أعمالي وحفلاتي باسمي الخاص.”

لبّت شبير، وما زالت تلبي العديد من الدعوات لإحياء مهرجانات ورسيتالات عالمية في باريس والبرتغال والولايات المتحدةا ودار الأوبرا في سوريا ومسرح البحرين ….بالإضافة الى أعمال خاصة بها عرضت على هذه المسارح: “عندما احيي مهرجاناً او رسيتالاً في الخارج، يكون جمهوري متنوّعاً، فبالإضافة الى الجاليات اللبنانية، هناك جاليات عربية واجنبية، كما أنّ الأجنبي يهتم بالنمط الموسيقي الذي أقدمه من الناحيتين العلمية والفنية.”

في لبنان نعيش فترة ألم

“انا ما فيّي عيش خارج لبنان، هذا بلدي، أحبه ولا أستطيع العيش بعيدة عنه”-تقول- مشيرة إلى أنّ اللنانيين لا يعيشون فترة طبيعية، بل فترة ألم. وتضيف: “هناك سياسة تهجير في لبنان تُمارس على الشباب، من خلال انعدام ر فرص العمل، فالشاب اللبناني إذا وجد وظيفة، لا يتعدّى راتبه الحد الأجنى للأجور، فيأتي قرار الهجرة قسريّاً وبحثاًعن مستقبل افضل… وكم هو محزن أن نرى بيتاً أصبح خربة، بعدما هاجر الأبناء الى دنيا الاغتراب، وانتقل الأهل الى دنيا الحق.”

الله يفهم بكل اللغات…ولكن

عندما سألناها باي لغة تصلّي، ضحكت وقالت: “الله يفهم بكل اللغات، ولكن أحب ان أصلي باللغة السريانية، اشعر بسرّ في هذه اللغة. النصوص التي كتبت لم تكتب من أناس عاديين بل من قديسين، مفكرين في الكنيسة، اذكر منهم مار افرام السرياني ملفان في الكنيسة.”

قامت دكتورة شبير بأبحاث معمقة في الألحان السريانية، نتج عنها إصدار ٣ أقراص مدمجة CD لأناشيد سريانية. رتّلت أجمل الترانيم والأناشيد السريانية في مناسبات كنسية، وشاركت في احتفالات وأعياد دينية .

بالرغم من جديتها على المسرح، تتميز شبير بحس الفكاهة، تحب المرح والفرح . المسرح الكوميدي يشدها. تشاهد كل العروض في لبنان، وبخاصة مسرح الممثل الكوميدي فادي رعيدي، الذي يتميز بخفة دمه وذكائه، بالإضافة إلى أنه “مهضوم وقادر على إضحاك الجمهور من دون كلام يخدش الحياء.”

حاورتنا بلهجتها اللبنانية، الكسروانية، و”الغسطاوية” تحديداً… ففي اللغة العربية الكسروانية “بتشدّي على الحرف”-تقول- “فتبقى اللغة سليمة واللفظ سليماً أيضاً. وتضيف: “التصنع في اللهجة يفقدك لهجتك الأساسية، واللهجة المصطنعة لا تكون صحيحة، ولا معبّرة.

ماغي مخلوف
العدد 12