متفائل بالمستقبل ويدعو الى انخراط شبابنا في الدولة
الوزير منصور بطيش : لا يمكننا السماح بتهجير أولادنا واستبدال شعبنا بشعب آخر
ولا خلاص إلّا ببناء وطن القانون والحق والعدالة

إنه الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبَين. ليس فقط لأنه سينقل تجربته الناجحة جدّاً طيلة أربعة عقود ونيّف من القطاع الخاص الى القطاع العام، بل لأنه يتمتّع بمزايا أحوج ما نكون اليها في معركة محاربة الفساد من جهة، وفي ورشة استعادة الثقة بقطاعاتنا الإقتصادية وتحقيق النمو الإقتصادي والتجاري من جهة ثانية.
وزير الإقتصاد والتجارة منصور بطيش صاحب رؤية مستقبليّة وإرادة طيبة وعزم أكيد، وصاحب رسالة يريد تأديتها مهما كانت التحدّيات في الموضوع الإقتصادي حيث كُلّف بمهمة إنقاذية ، ومهما تطلّب الأمر من جهد وعمل جدّي متواصل. فهو يعمل أكثر من سبع عشرة ساعة في اليوم بلا كلل أو ملل وكأنه في سباق مع الزمن. وهو متفائل بالمستقبل الى أقصى حدّ، وحماسه مُعدٍ . وهو الى جانب ذلك شخص متواضع، مثقف، وأكاديمي، مشهود لنزاهته، وماروني ملتزم ومنفتح، يعتبر ان الصلاة تترجم حتماً بالاعمال الأخلاقية.
عندما أجريت مقابلتي الصحافية مع الوزير بطيش لفتتني رصانته ولباقته في الحوار ودقّته في التعبير. وهو رجل يرفض أن يكون محايداً بمعنى “ان يزعّل المظلوم ولا يُرضي الظالم”، ويستشهد بقول الإمام علي بن أبي طالب :” المحايد هو شخص لم ينصر الباطل ولكن من المؤكد أنه خذل الحق.” فمنصور يدافع عن الحق قائلاً “إن الساكت عن الحق شيطان أخرس”.
القيم العائلية والأخلاقية تتصدّر قائمة التزاماته. أخذ ” الآدمية” عن والده والعنفوان عن والدته. وهو ملتزم في مسيرته بألا يطلب او يستجدي شيئاً من أحد. وهو وفيٌّ لتربيته ولفضل والديه عليه. مبدؤه في الحياة هو العمل بأخلاقيّات. وشعاره قول السيّد المسيح: ” مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ. ”

من كواليس السياسة الى هندسة السياسة الإقتصادية

ليس منصور بطيش غريباً عن عالم السياسية. فهو الى جانب صداقته الشخصية وعلاقته المميزة برئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان من أول المبادرين الى المصالحة المسيحية التي لعب في الكواليس دوراً فاعلاً في تحقيقها. فهو رجل حوار من الطراز الأول، يؤمن بالحوار البنّاء الذي لا بدّ من أن يصل دائماً الى نتيجة، ويرى بأن التفاهم عامل ربح لكل الأطراف.
يتطلّع منصور بطيش الى بناء وطن، ومجتمع مدني يتعايش فيه الجميع. لا يوافق على مقولة ان الطبقة السياسية فاسدة، لأن برأيه هناك فاسدون وهناك آخرون يتمتّعون بالحسّ الوطني ولديهم إرادة العمل. هو يلمس حالياً ارادة طيّبة لدى قسم كبير من المسؤولين السياسيين لإنقاذ الوضع المتردّي.
الوزير بطيش يقول عن نفسه بأنه شهابيّ الروح والتاريخ، مثاله الأعلى العماد فؤاد شهاب في ما مضى، والعماد ميشال عون حالياً. ويصف الرئيس عون بأنه رجل مكافح خُلق من رحم الشعب، لا يحبّ حياة الترف، وملتزم وطنيّاً وأخلاقياً ويتطلّع الى بناء دولة قويّة وعادلة، تؤمّن لمواطنيها العيش بسلام واطمئنان وتتطلّع الى أن يعود ابناؤها جميعاً الى حضن الوطن وتعمل على ايجاد فرص عمل لشبابها المقيم والمهاجر في اطار الحداثة.
لعب الوزير بطيش الدور الأساسي في إنجاز الورقة الإقتصادية مع الدكتور شربل قرداحي والتي قدّمها التيار الوطني الحرّ الى المجلس الإقتصادي والإجتماعي، ووافقت عليها بالإجماع الأحزاب الرئيسية الستة في البلاد ، في عملية توافق لافتة.

تفاؤل رغم صعوبة المرحلة

تقوم أولويات المرحلة بالنسبة إليه على ثلاثة ملفّات: أولاً ملف الأمن وهو مستتب. وثانياً ملف القضاء ومن ضمنه مكافحة الفساد، والعمل على تحقيق الشفافيّة والحوكمة. وثالثاً ملف الإقتصاد الذي يعاني وضعاً حرجاً، والذي تتطلّب معالجته حلّ أزمة النازحين السوريين. يشير بطيش الى ان لبنان خسر حوالى عشرين مليار دولاراً خلال السنوات السبع الأخيرة بسبب وجود النازحين الذين يُقدّر عددهم حالياً بنحو مليون وخمسين ألف سوري. وهذا ما خلق أزمة خطيرة، ويقول:”نحن لا يمكننا السماح بتهجير أولادنا واستبدال شعبنا بشعب آخر.” كذلك تحتاج معالجة الملف الإقتصادي الى ان تتوفّر الجرأة لطرح حلول جوهريّة وإصلاحات ماليّة بنيويّة، تطال ملفات الضرائب والكهرباء والنفايات.
ويتابع الوزير بطيش بأننا نمرّ في مرحلة صعبة. فاقتصادنا حالياً ريعي بعدما كان منتجاً قبل الحرب اللبنانية. ويدعو الى نمو مستدام لاقتصاد حقيقي مؤنسن، والى اعادة الإنتاج الى الإقتصاد، وخصوصاً الإنتاج الذي يتمتّع بقيمة مضافة وبالقدرة التنافسيّة. وعلينا تحسين الميزان التجاري بين الإستيراد والتصدير.
منصور بطيش متفائل بمستقبل لبنان. ويطمئن بان لا خوف على القطاع المصرفي. فهو يؤمن بأن لأبناء هذا البلد إرادة صلبة وقدرة على الحياة، ومن له هذه القدرة لا يموت. لقد مرّ لبنان بظروف صعبة خلال مراحل تاريخه القديم والجديد وخلال الحروب التي عصفت به، وقد تجاوز ذلك كلّه واستمرّ شعبه بفضل إرادة العيش الواحد. “فكل مسلم منّا عنده شيء من المسيحية، وكل مسيحي منّا لديه شيء من الإسلام.” فلبنان يملك طاقات مادية على مستوى القطاع المصرفي، وامكانات بشرية هائلة، وشعبه مثقّف ويتأقلم بسرعة مع الحداثة. “ونحن نور الشرق ومنارته. وعلينا ان نبقى ونحافظ على هذه المنارة.”
يحلم بوطن العدالة والإنسان وملتقى الحضارات، كما كان دوماً عبر تاريخه. ويؤكد ان تلك رسالة لبنان. ونحن روح وركن هذا المشرق، وعلينا ان نلعب دور جسر التلاقي بين المشرق العربي والمشرق بشكل عام.

كنّا هنا وسنبقى هنا

والمسيحيّون في لبنان هم مشرقيّون أبناء هذه الأرض منذ أواخر القرن الرابع بعد الميلاد أي قبل ظهور الإسلام. ” كنّا هنا وسنبقى هنا. فنحن أبناء كنيسة الرجاء، ومن يملك الرجاء يملك الإيمان الصلب. وهناك علاقة ارتباط مميّزة بين السيّدة العذراء وأرز لبنان.”
يتوجّه الوزير بطيش الى الشباب داعياً ايّاهم الى عدم اليأس، والى العمل انطلاقاً من مفهوم بناء الدولة. ويشدّد على ضرورة أن ينخرط شباننا وشاباتنا في الدولة والقطاع العام . فالدولة دولتنا، ولا خلاص للمسيحيين الّا بالدولة، دولة القانون والحق والعدالة.

وفي ختام لقائي مع الوزير بطيش سألته عن سرّ سلامه الداخلي الذي شعرت به أثناء حواري معه، ومن خلال تعاطيه مع فريق عمله في الوزارة. فأجابني بعفويّة وبابتسامة مشرقة: “إنها راحة الضمير والقناعة التي تشكّل كنزاً لا يفنى…”

السيرة والمسيرة

من مواليد فاريا في الأول من ايلول 1954. متزوّج من المحاميّة ندى القسّيس، ولهما أربعة أولاد. تخرّج من جامعة القدّيس يوسف حيث نال اجازة في إدارة الأعمال وماجستيراً في علم المال والمصارف.

بدأ حياته المهنيّة في “فرنسَبنك” في العام 1974 حيث تبوّأ مناصب عديدة قبل ان ان يُعيّن مديراً عاماً لها منذ العام 2005 الى حين استقالته منها بعيد تعيينه وزيراً للإقتصاد والتجارة في الحكومة اللبنانية في 31 كانون الثاني 2019. وهو يشغل أيضاً منذ العام 2006 منصب نائب رئيس مجلس إدارة بنك المال المتّحد في السودان.

شارك منذ العام 1984 في الإجتماعات السنويّة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وترأس لجنة الدراسات في جمعية مصارف لبنان منذ العام 2013، وأصبح عضواً في المجلس الإقتصادي والإجتماعي منذ العام 2017 ورئيس لجنة القضايا الإقتصادية العامة في المجلس.

شارك في ندوات ومؤتمرات علميّة عديدة في لبنان والخارج، نظّمتها مصارف أجنبية ومؤسسات مالية واتحادات وجمعيّات مصارف…
له كتب ودراسات ومقالات في الشؤون الإقتصادية والإجتماعية والإنمائية، ومنها كتاب “الماليّة العامّة ايرادات الدولة اللبنانيّة واقع وتطلّعات” الصادر في العام 2017 وكتاب “الكهرباء في لبنان أنعكاسات سلبيّة على الإقتصاد” (2014)، وشارك في صياغة أوراق إقتصادية- اجتماعية عدّة منها ورقة عمل صادرة في 26 أيلول 2018 عن لجنة القضايا الإقتصادية العامة في المجلس الإقتصادي والإجتماعي بعنوان:”إجراءات فوريّة وتوجّهات على المدى المتوسّط.”

كارول أبو نصار صعب
مجلة اورا-العدد 12