الوضع التربوي مأزوم، والعام الدراسي يبدأ على ايقاع اضرابات وتظاهرات الأساتذة للمطالبة بحقوقهم من جهة، وصرخة الأهالي لعدم قدرتهم على تحمّل أعباء الزيادة على الأقساط من ناحية أخرى، هذه الأخيرة التي لا تعرف حداً، انما تتصاعد على قاعدة الأزمة، وأصحاب المدارس يتخوفون ويتريثون، واللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية ستواجه كل من يريد اضعاف هذه المدارس التي تميّزت بدورها التربوي الرائد.  كذلك التعليم الجامعي الذي يئن تحت وطأة الاهمال الرسمي للجامعة اللبنانية من ناحية وارتفاع الأقساط للجامعات الخاصة من ناحية أخرى. والشيء الوحيد والمعلوم والثابت هو أن اللبنانيين يتخلون عن كل شيء ويبذلون قصارى جهودهم لتعليم أبنائهم. والسؤال المطروح من يدفع الثمن: التلامذة أم الأهل أم المعلمون أم ادارات المدارس؟

أسئلة كثيرة ومتراكمة لم تلقَ أجوبة طوال سنوات خلتْ، ويبدو من الصعوبة ايجاد الحلول المناسبة، بحيث ينتهي عام دراسي ليبدأ آخر مع عناوين قديمة جديدة استُهلكت معالجتها. واذا اعتبر كل شريك في العملية التربوية (الشركاء هم التلميذ والأهل والمعلم والمدرسة) بأنه المظلوم والمحروم، فمن هو الرابح اذاً؟ ومن يتربع على عرش هذا القطاع التربوي الذي تقع على عاتقه صناعة التلميذ للوصول به الى النضج والكمال.

التحضيرات للعام الدراسي على قدمٍ وساق، والمرجعيات المعني تتأهب بكل وسائلها دفاعاً :  فالتلامذة يتهيأون نفسياً لمتابعة علومهم (وهم شريحة لا يُستهان بها، يصل عددها الى قرابة  660 ألف تلميذ في المدارس الخاصة)، الأهالي يدورون على المكتبات لشراء الكتب ويفتشون عن “المستعمل” منها لتخفيف وطأة المدفوعات، المعلمون يريدون حقوقهم للقيام بدورهم، ادارات المدارس تنشط لبرمجة أقساطها وموازنتها، لا سيما وأن نسبة 30% من الأقساط لم تُحصّل من العام الفائت، نقابة المعلمين تتحرك لحفظ حقوق المعلمين، اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة يقفون سداً منيعاً تجاه أي زيادة على الأقساط …

المتعاقدون في التعليم الرسمي: التثبيت العادل

استبق الأساتذة المتعاقدون في التعليم الرسمي الأساسي والثانوي بداية العام بحراك في ساحة رياض الصلح، وكانت لهم كلمتهم المعبّرة عما يعانون منه. وقالوا: “ينزل المتعاقدون الى ساحة رياض الصلح، ليس سياحة او ترفاً او تسوقاً، بل ليقولوا للسلطة وللمرة الألف ان المتعاقدين في التعليم الرسمي الثانوي والاساسي يعانون الاضطهاد والظلم والحرمان من الطبابة وبدل النقل والاجر الشهري، لا بل يعانون اليوم من “تشليحهم” ساعاتهم وعقودهم من قبل وزارة ومسؤولين لا يرحمون هذه الثلة من متعاقديهم، والذين بذلوا الغالي  والرخيص في سبيل تعليم ابناء الوطن، ولم يجاهدوا بأعمارهم فحسب بل تحملوا غياب الدولة وضياعها وتقصيرها لمسؤولياتها بإجراء مباراة لحظة طلبها وحاجتها لهؤلاء المتعاقدين”.
وأكدوا “تحركنا يهدف الى حفظ ساعات وعقود المتعاقدين كافة. المطالبة بالتثبيت العادل المنصف خارج إطار المباراة المفتوحة. هذا التثبيت الذي هو واجب على أركان السلطة كافة، بصفتهم المسؤولين عن تعاقدنا عندما طلبت دولتنا منا ذلك، فلم يكن تعاقدنا بوساطة حزبية، وانما لتلبية حاجات الثانويات التي كانت تفتقر للكادرات التعليمية”.

نقابة المعلمين: لن نفقد الأمل

نقابة المعلمين في المدارس الخاصة قالت كلمتها على لسان رئيسها رودلف عبود: “لن نفقد الامل برسالتنا التربوية وحضارتها وتاريخها الذي اردناه على الدوام ناصعا مشرقاً.  ويشير الى تآمر بعض أصحاب المدارس على المعلمين وحقوقهم في صندوقي التعويضات والتقاعد بسبب تخاذل المفترض بهم قانونا أن يسددوا ما عليهم من محسومات ومساهمات، مع العلم أن المحسومات تقتطع من رواتب المعلمين ولا تسدد، مما أوصل المبالغ المستحقة على أكثرية المدارس الى المليارات من دونِ أن يحاسب المرتكبون على أفعالهم. ويؤكد أن المسار القانوني قد بدأ من خلال الشكاوى والدعاوى ضد المرجعيات التربوية الرسمية والخاصة التي شجعت وحرضت على عدم تطبيق القانون 46، وانتقام أصحاب بعض المدارس من المعلمين خصوصا الذين وقفوا الى جانب الحق ونقابتهم، وكذلك الخرق الفاضح لقانون تنظيم الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة الصادر العام 1956.
وتخوف عبود من تبعات فصل التشريع للمعلمين بين القطاع الخاص والقطاع العام ليصبح المعلم أسير رغبات صاحب المدرسة في ظل عدم وجود نقابة مهنية تفرض اذن مزاولة المهن.
ويطالب  بتحويل نقابة المعلمين الى نقابة مهنة حرة، الامر الذي يضع حدا نهائيا للاستفراد الذي يمارس في حق المعلمين، ويضمن الاستقرار الوظيفي للمعلم والمستوى التربوي الجيد انطلاقا من المكتسبات المحققة بالقوانين المرعية.
ويشير عبود الى بعض الضغوط والتدابير غير القانونية التي مورست على المعلمين في بعض المدارس: الضغط على المعلمين لتوقيع براءة ذمة من دون أن يحصلوا على كامل حقوقهم، عدم دفع التعويضات المستحقة في حال الصرف او دفع جزء يسير من هذه التعويضات، وفي كل الاحوال من دون احتساب الدرجات الست، خفض الراتب، الاستغناء عن المتعاقدين أو خفض ساعات التعاقد من دون تعويض، اجبار المعلمين الذين تخطوا سن ال 55 عاما على الإستقالة، عدم دفع رواتب أشهر الصيف، تغيير العقود و/أو شروط العمل، دمج مدارس أو دمج شعب مع زيادة في عدد التلاميذ بشكل كبير في الشعبة الواحدة (35-40-45 تلميذا) تعاقد في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة خلافا للقانون بحيث أجبرت إدارات المدارس معلميها على توقيع عقود تنقلهم الى حالة التعاقد وسحبهم من الملاك، تغيير شروط العمل أو إنهاء عقود وصرف المعلمين بحجة تغيير الادارة، خفض عدد الحصص الاسبوعية الى 30 بدل 35 مع إلغاء مواد إجرائية أو تطبيقية. ولفت عبود في خلال حديث لمجلة “أورا” أن النقابة ستحرص كل الحرص على حماية حقوق المعلمين، معتبراً ان الدرجات الست هي الأكثر تعقيداً في هذه المسألة”.
                                               اتحاد المؤسسات الخاصة: تخوف وتريث 

يتخوف اتحاد المؤسسات الخاصة من خطر اقفال عدد من المدارس الخاصة بسبب السياسة المعتمدة حيالها، وهي تدعو المعنيين الى ايجاد حلول جذرية للمشاكل التي يعاني منها القطاع التربوي ولئلا تبقى عالقة كالجمر تحت الرماد في مطلع كل عام دراسي، بحيث تتراكم الأمور في غياب أي استراتيجية تربوية نهضوية لهذا القطاع الذي يطال غالبية اللبنانيين، ويعتبر من مقدسات الوطن، لأنه الركن الأساس في بناء مجتمع سليم. وتتخوف ادارات المدارس الخاصة من امكانية تدني نسبة اقبال التلامذة من جهة، وعدم دفع مستحقات الأقساط من ناحية أخرى، وذلك للحفاظ على استمراريتها وما يلزمها من مقومات للتطوير والتحديث في برامجها.

اللجنة الاسقفية: اضطهاد تشريعي واجتماعي

كما عبّرت اللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية عن موقفها إزاء ما تتعرض له مدارسها عبر رئيسها المطران حنا رحمه في خلال المؤتمر السنوي الخامس والعشرين للمدارس الكاثوليكية الذي قال: “لم يخفِ عنّا معلّمنا الإلهيّ إمكان أن نتعرّض نحن تلاميذه للاضطهاد، الاضطهاد التشريعيّ الذي يرمي مصير مؤسّساتنا التعليميّة في مهبّ القوانين غير الواضحة وغير المدروسة وغير المتوازنة وغير الواقعيّة، والتي يخالف بعضها بعضا أحيانا؛ الاضطهاد الإداريّ سواء على مستوى الصّناديق الضامنة أو الوزارات والوحدات المرتبطة بها من حيث تخبّطها التّنظميّ وثقل الماكينة البيروقراطيّة، ومن حيث مباغتتنا بقرارات وتدابير  غير منتظمة في روزنامة سنويّة معدّة مسبقا، تحدّد بوضوح الإستحقاقات الإدارية والمهل المعقولة للتنفيذ، الإضطهاد الاجتماعيّ الذي يمعن في ممارسة الضغوط على مؤسّساتنا التربويّة حتى تنخرط بالكليّة في ثقافة الموضة والإستهلاك والتّشوّف، بحيث تشكلّ هذه المؤسّسات أداة للتمييز الاجتماعيّ والطبقيّ بحسب معايير السّوق والتنافسيّة الليبراليّة على حساب رسالتها الانسانيّة والتضامنيّة؛ الاضطهاد الداخليّ فترى الأسر التربويّة تتخبّط فيما بينها وتكيل لبعضها الاتهامات والتجريح حتى النيل من الكرامات الشخصيّة أحيانا!”

                                                      أولياء التلامذة: نضال بالمرصاد

يناضل اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان بما يسمح لهم القانون للتصدي لأي زيادة تطرأ على الأقساط. وهم في الواقع لا يريدون المواجهة لا مع ادارات المدارس ولا مع المعلمين، انما يريدون تعليم أبنائهم فقط دون منّة من أحد. وسيكون الاتحاد بالمرصاد خصوصاً أن لجان الأهل في المدارس باتت على قدر كبير من التعاون والتنسيق في ما بينها وفهم اشكالية الأقساط ودورها الفاعل في الموافقة أو المعارضة عند أي استحقاق. ويذكّر الاتحاد أنه سيواجه كل محاولات التحايل على القانون وعدم احترام الأحكام القضائية وتمرير الصفقات. ويرفض الاتحاد أن يكون “لقمة سائغة”. ويتلخص موقف الاتحاد بالنقاط التالية:

” 1- فتح الموازنات ومقارنتها بالميزانيات للمدارس مع القيود وقطع الحساب وكل ما يتعلق بتعليم التلاميذ من كافيتريا وكتب وثياب واوتوكار ونشاطات صفية ومخيمات صيفية وهبات ومنح على اسم التلاميذ.

2- عدم التعرض للأولاد بتهديدهم بعدم اعطائهم العلامات او تسجيلهم للسنة القادمة او عدم اعطائهم بطاقات الترشيح للذين سيخضعون للامتحانات الرسمية .

3- عدم وضع المعلمين بموقف معاد للأهالي بإعطائهم نصف معاش بحجة ان الاهالي لا يدفعون الزيادة علماً انهم قد استلفوها على مدى السنوات الست الماضية لأننا لن نسكت وسنقوم بمواجهة المدارس بأمور لن يرضى عنها الجميع.

4- الضغط على وزير التربية والتعليم والمديرية العامة للتربية للقيام بواجباتها تجاه ما يحدث من تجاوزات وانتهاكات للقوانين من قبل المدارس.

5- الضغط على الوزير والمعنيين في المديرية العامة للتربية القيام بتأليف هيئات المجالس التحكيمية التي وعدونا بها من أيلول ٢٠١٧ والتي لم تبت حتى تاريخه علماً ان القسم المتعلق بوزير العدل المتعلق بتعيين القضاة للمجالس قد قام بواجبه من تشرين الاول ٢٠١٧ وهذا الاهمال مقصود لتعطيل الدعاوى التي قامت بها لجان الاهل والاهالي لكي لا تقوم احكام ضد المدارس.

6-  واخيراً نطمئن الاهالي بأننا وجدنا لنبقى وندافع عن مصالح كل الاهالي ولجان الاهل في كل المدارس الخاصة في لبنان وأننا سنكمل مسيرتنا.”

                                                      التعليم الجامعي: أكثر خطورة
على صعيد التعليم الأكاديمي، المشكلة أكثر حِدة، وأكثر خطورة. فالجامعة اللبنانية هي المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تُعنى بالتعليم العالي وهي تشهد حرباً ضروسة تتناقلها بيانات وبيانات مضادة، بين الأطراف المعنية، وكل طرف له خلفيته وأساليبه. في حين تزدهر الجامعات الخاصة التي تتزايد عددياً من ناحية ويتهافت الطلاب عليها رغم الضائقة الاقتصادية لإنقاذ عامهم الجامعي من ناحية أخرى. وتجدر الاشارة الى أن العام الجامعي سيحمل الكثير من التساؤلات والإرباكات على مختلف المستويات.

فالوضع في الجامعة اللبنانية يقتضي الشروع الجدي في المعالجة، والنهوض بها، وإرساء بنيتها على أرضية صلبة تستطيع معها أن تلبي حاجة المجتمع اللبناني بما يتلاءم  وشروط تطوره وارتقائه.

في الختام، بدلاً من أن يدق جرس المدرسة لدخول التلامذة الى الصف، قد يدق ناقوس الخطر الذي يهدد في كل عام السنة الدراسية بمزيد من الاضرابات والاضطرابات النفسية التي تثقل كاهل التلامذة، لاسيما الذين سيتقدمون الى الامتحانات الرسمية. فالمشكلة تتفاقم وتنمو … باضطراد عاماً بعد عام، وكذلك الجامعة اللبنانية التي تعاني من التدخلات السياسية، وهي التي تتحكم بكل مفاصلها التوظيفية والادارية والتعليمية.

م.ط

العدد العاشر