منذ اللحظة الأولى التي يرى فيها النور، يبدأ الإنسان مسيرة لا تنتهي إلاّ بانتهاء حياته وهي مسيرة «التعلّم»،من تعلّم الأكل في توقيت معيّن الى تعلّم المشي وأصول التصرّف وصولا الى تلقّن قواعد التعامل مع الأشخاص والأشياءالى ما هنالك من «موادّ» ضرورية لحياته. فيكون الأهل

بذلك هم «المدرّسون» الأوائل لأولادهم، والبيت والمجتمع مدرستهم الأولى.

عند دخول الأولاد المدرسة تشاطر هذه الأخيرة الأهل والمجتمع في التّربية والتّعليم الى أن يطلّ السّنّ الفاصل وهو سنّ اختيار المهنة أو التخصّص، وهو قرار لا بدّ أن يكون حاسما لأنّه يحدّد مستقبل الإنسان. في هذا القرار بالذّات تتداخل عوامل كثيرة في توجّه الشّخص الى اختصاص معيّن دون غيره، فما هي هذه العوامل؟ وما هو الضّامن للاختيار الصّحيح؟ هل هي برامج التّوجيه في الجامعات والمدارس؟ أم هي ميوله الشّخصيّة أو متطلّبات سوق العمل؟ وبالتّالي كيف يتأكّد الإنسان -وبخاصّة في تلك السّنّ المبكرة الى حدّ ما- من أنّه اختار التخصّص الّذي يناسبه؟

نظريات الإرشاد المهني

على مرّ السّنوات برزت نظريات عدّة في علم النّفس تشدّد على ضرورة التوجيه المهني، نظرا لأهميّته في إفادة الفرد والمجتمع، ومن أهمّ هذه النظرّيات:

(1) نظرية «بارسونز» التي تقول أنّ الاختيار الحكيم للمهنة يقوم على أسس ثلاثة هي:
(أ) فهم الشخص لنفسه وقدراته واتجاهاته وطموحاته.
(ب) معرفة متطلبات وظروف النجاح في المهنة أو العمل الذي يتجه إليه وفرص الترقي في هذا العمل.
(ج) إقامة جسر أو علاقة بين هذين الفرعين من العوامل .

وقد قام «بارسونز» في ضوء الأسس المذكورة بتقديم ثلاث مراحل رئيسية للإرشاد المهني هي:
1- الاختبارات (لقياس خصائص الفرد ).
2- الحصول على المعلومات (عن المهنة).
3- اتخاذ القرارات من خلال هاتين العمليتين .
4- توفر المعلومات عن المهن (تحليل العمل) التي يتجه إليها الأفراد ، وصاغ «بارسونز» تعبيراً شهيراً في مجال الإرشاد المهني هو: «التفكير السليم» الذي يقوم على التلاؤم بين كلّ من الفرد والمهنة.

(2) نظرية «هولاند» التي تقوم على أساس أن الميول المهنية هي أحد مظاهر الشخصية ، وأن وصف الميول المهنية لفرد ما هي في الوقت عينه وصف لشخصيته.
وبذلك يمكن النظر إلى الميول المهنية على أنها تعبير عن شخصية الفرد، وبالتالي يمكن أن تكون هناك علاقة تبادلية بين خصائص الشخصية والميول المهنية .
وقد تركزت أعمال «هولاند» في دراسته للشخصية على موضوع الأنماط النفسية، حيث افترض أن كل فرد يشبه واحداً من أنماط أساسية للشخصية، وكلما زاد التشابه بين الفرد ونمط الشخصية كلما كانت تصرفاته تتطابق مع هذا النمط، وهنالك ستة أنماط للشخصية حسب «هولاند»: الواقعي ـ التحليلي ـ الفنان ـ الاجتماعي ـ التجاري ـ التقليدي.

أهل- بالغ- طفل

وتتجه مدارس علم النفس الحديث الى تقسيم أكثر شمولية وبساطة لأنماط الشخصيات في ما يتعلق بالتوجيه المهني، كما تشرح المعالجة النفسية مارتين بو زيد، فتشير الى أن هذا التقسيم الذي يتمّ وفق اختبارات نفسية خاصة يساعد على تحديد فرص نجاح الفرد في ميدان عمل معيّن أكثر من سواه. وهذا التقسيم يشمل ثلاث أنماط للشخصيّات:

1- الأهل: وهو نمط الشخصية التي يميل صاحبها الى اصدار الأوامر والسهر على تنفيذها بحزم وسلاسة في الوقت عينه، وهو نمط شخصية ينجح في ميدان الادارة وكل ما يتعلق بتحمّل المسؤولية وإدارة فريق.
2- البالغ: وهو نمط الشخصية الذي ينجح صاحبها في الميادين التي تتطلّب انضباطا في السلوك وهو مثلا جنديّ في السلك العسكري بامتياز.
3- الطفل: وهو نمط الشخصية الطفولية التي تتسم بحب اللعب والضحك والعفوية، ينجح صاحبها في مجالات العمل التي تتسم بالحركة والفرح كالمجالات الفنّية مثلا.

وفي ما يتعلّق بالعوامل الفرديّة الأخرى التي تؤثّر في اختيار مهنة المستقبل بالإضافة الى الشخصيّة، تشرح بو زيد وهي معالجة نفسية منذ أكثر من 12 عاما وأمّ لثلاثة أطفال، أن الاختبارات النفسية التي تجري في إطار التوجيه المهني تشمل أيضا عاملين اثنين: ميادين الذكاء والمورثات والمكتسبات المعرفية. وفي هذا الإطار تؤكّد «أنّه لا يوجد شخص ذكي وآخر غير ذكي، بل يوجد أشخاص أذكياء كلّ في ميدان محددّ توضّحه أكثر فأكثر المكتسبات المعرفية، فكلّما ارتفعت معرفة الفرد كلّما زادت قدرته على تحديد ميدان العمل الذي ينجح فيه».

اختبارات

تقول بوزيد «أنّ علم النفس ابتكر عدة نماذج اختبارات تستطيع مساعدة الفرد على اختيار مهنة مناسبة، ونماذج اختبارات أخرى تساعده على التقدّم في مهنته، وهي اختبارات يتمّ شراؤها من مبتكريها، ولكنّ اختبارات التّوجيه العادية التي يقوم بها المعالجون النفسيون قادرة لوحدها على القيام بعمليّة التّوجيه، من دون الانتقاص طبعا من أهمية الاختبارات الأخرى في جعل التوجيه أكثر تحديداً».

ومن أكثر الاختبارات شهرة في العالم ضمن هذا الإطار:

– مؤشر نموذج «مايرز- بريغز»: وهو أحد نماذج الاختبارات التي تُستخدم على نطاق واسع. ويقوم هذا المؤشر على تقسيم الشخصيات إلى ستة عشر نموذجًا على أساس السمات الشخصية الخاصة، المتمثلة في الانفتاح والانطواء، والحس والحدس، والتفكير والشعور وإصدار الأحكام والحزم والتبصُّر.
– نموذج «إن إي أو» لتحليل الشخصية: ويقوم على نموذج سمات شخصية خمس كبرى تشمل القلق العُصَابي، والانبساط، والانفتاح على التجربة، والقبول، والضمير الحي. ويُستخدم هذا النموذج عادةً في مجالات البحث النفسي.
– نموذج «هوغان» لتحليل الشخصية: يرتكز أيضًا على نموذج السمات الخمس الكبرى، ويتم تطبيقه عادة في مجالات التطور الوظيفي، والتعيينات الوظيفية.
– نموذج «سترونغ» لتحليل الاهتمامات: ويعمد إلى إجراء عمليات تقييم للاهتمامات، وأساليب العمل، ومقارنتها باهتمامات الأفراد في عدة وظائف. وعادةً ما يتم تطبيق هذا النموذج على الطلاب الذين لم يتم تخرجهم، والذين يبحثون عن استشارات تتعلق باختيار المهنة.

عوامل أخرى

وإذا كانت الشخصية وميدان الذكاء والمكتسبات المعرفية هي أهم العوامل الفردية التي تؤثر في اختيار مهنة المستقبل، فإنّ عوامل أخرى خارجية لها التأثير أيضا على عملية الاختيار هذه، تختصرها بوزيد بالآتي:

– الوضع الاقتصادي للعائلة الذي يدفع ابنها مثلا الى اختيار مهنة تؤمن الربح السريع اذا كانت العائلة تعاني من الفقر.
– المستوى الثقافي للعائلة الذي يؤثر سلبا أو إيجابا في اختيار ابنها لاختصاصه تبعا لدرجة الوعي العلمي لأفرادها وبخاصة الأهل.
– درجة وعي المجتمع وهي «مشكلة المشاكل في لبنان» –كما تقول- لأنّ المفاهيم الخاطئة قادرة على تدمير الأفراد مهنيا، وبخاصة تلك المفاهيم القائمة على التقليل من أهمية الاختصاصات المهنية وربطها بمستوى النجاح، فالمجتمع اللبناني يربط الاختصاصات المهنية بالفشل الدراسي، بمعنى أن من يفشل في المدرسة هو الذي يتجه الى التعليم المهني والتقني، والناجح في المدرسة عليه أن يدرس حكماً الطب أو الهندسة أو القانون، مع العلم أن الاختصاصات المهنية هي ميدان ذكاء قائم بذاته لا يقلّ أهمية عن ميادين ذكاء الاختصاصات الأخرى.
– تقسيم المهن تبعا للجنس، فالمجتمع اللبناني والشرقي ككل يفصل بين اختصاصات «تليق» بالرجال وأخرى «تليق» بالنساء، فالتعليم مثلا يناسب النساء بينما تعتبر هندسة الميكانيك مهنة خاصة بالرجال…
– التوجيه الخجول في شبه غياب الخطط الرسمية للدولة، وعدم وعي المجتمع لأهمية التوجيه، سواء كان عاما أو خاصا، يجعل الطالب اللبناني شبه متروك لمصيره في أهم قرار يتخذه في حياته، وهو اختيار مهنة سوف ترسم له مستقبله بالكامل…

حاجات سوق العمل اليوم

ولكن «اتحاد أورا» يسعى من خلال مؤسسة «أصدقاء الجامعة اللبنانية» الى ملء الفراغ في مجال التوجيه العلمي، وكانت آخر خطوة له في هذا المجال معرض توجيهي خاص أقيم في آذار الماضي في كليّة العلوم-الجامعة اللبنانية – الفنار. وفي ما يتعلق بالتوجيه حسب حاجات سوق العمل أيضا، قام «اتحاد أورا» من خلال مؤسسة «لابورا» بإعداد دراسة حول الاختصاصات المطلوبة في لبنان حاليا، وتشير الدراسة إنّ حوالي 25000 شخص من مختلف الاختصاصات والجامعات في لبنان يتخرّجون سنويا، فيما لا يتحمّل سوق العمل اللبناني أكثر من 16000 الى 17000متخرّج، وبالتالي فإنّ حوالي 9000 متخرّج يهاجرون أو يفتحون مصالح خاصة، والسبب في ذلك يعود الى الاختصاص، لأنّ هناك مجموعة من الاختصاصات لا يمكن لحامليها إيجاد فرص عمل بشكل سهل أو حسب ما يتمنّون. وإذا أردنا تحديد الاختصاصات حسب طلب سوق العمل في القطاعين العام والخاص فإنّها تأتي على الشكل التالي:

– حقوق: يمكن لحاملي شهادة الحقوق بالتقدم الى وظيفة كاتب عدل – قضاة – رئيس دائرة – رئيس قلم – ضابط اختصاص – أستاذ في التعليم الثانوي أو يمكنه التدرج في مكتب لمدة ثلاث سنوات ليصبح من بعدها محاميا .
– ادارة أعمال وخصوصا اختصاص المحاسبة والتمويل وتدقيق الحسابات في القطاعين العام والخاص.
– فروع الهندسة وخصوصا (المدنية – المعمارية – الكهربائية – الالكترونيك….).
– التمريض: يفتقر سوق العمل لهذا الاختصاص ويحتاج الى أعداد كبيرة في مختلف الاقسام.
– هندسة المساحة وخصوصا أن هناك 60% من الأراضي اللبنانية تحتاج الى مسح نهائي من قبل الدولة.

وتلحظ الدراسة أنّ هناك قلة معرفة أو شبه ابتعاد عن الاختصاصات المهنية التقنيّة التي يحتاج إليها سوق العمل ومنها شهادات BT ,TS في الاختصاصات التالية: ميكانيك، مساحة، إلكترونيك، كهرباء، تدفئة وتبريد، تمريض ومحاسبة.

كما أنّ هناك اختصاصا مدته ثلاث سنوات وهو مساعد فني زراعي أو مساعد فني بيطري، يتضمّن شروطا وحوافز منها:

– العمر بين 15 و 18 سنة.
– حيازة شهادة البروفيه أو مجرد طلب الترشيح للامتحانات.
– الخضوع لامتحان دخول في بعض المواد يعفى منه من لديه إفادة نجاح في صف القسم الأول.
– الحق بالحصول على مساعدة مالية بقيمة 240000 ل.ل. شهريا.

… وبعد، تبقى الإشارة الى ما ختمت به المعالجة النفسية مارتين بو زيد حديثها، وهو أنّ العمل هو إرادة اكثر ممّا هو فرصة، وكلّ اختصاص يثابر عليه صاحبه لا يمكن إلاّ أن يجعله بإرادته ميدان عمله الذي يعيش فيه بكرامة ويمارسه بحبّ، لأنّ العمل إذا ما اقترن بالحبّ يصبح متعة، وأكثر من مجرّد وسيلة للعيش…

لارا سعد مراد