رائد في عالم الأعمال، وجه بشوش وبسمة دائمة ونكتة حاضرة. تواضع وسلام وثقة بالنفس وبالآخرين، صراحة وتواضع الى أبعد الحدود، ايمان بالّله وبقيمة الانسان. عصاميّة وصدق وقوّة تقابلها محبّة واحترام ورقّة أصبحت عملة نادرة في الزّمن الحاضر…

حكاية نجاح تحمل اسم بيير حنّا أسمر صاحب ومدير شركة «أسمر ميديكال» التي تعمل في مجال المعدّات الطّبّيّة للمستشفيات. ورغم نجاحه في عمله ، يؤكد أنّه «لم يفعل أكثر ممّا فعل غيره»، ولكنّ حوارا قصيرا معه يستطيع أن يبرهن أنّه واحد ممّن «فعلوا الكثير» وان كان يعتقد غير ذلك… عندما تدخل مقرّ شركته، تتوقّع أن تمرّ بعدد من المساعدين قبل أن تصل الى المدير الذي تتخيّله ببزّة رسميّة وربطة عنق وعقدة حاجبين، جالسا وراء مكتب فخم في غرفة تضجّ بالدّيكور الغنيّ… ولكنّ الواقع هو على العكس تماما من الصّورة التي تتوقّعها، فالمدير الذي تنتظره يخرج اليك بنفسه ليستقبلك ويقودك الى مكتب عاديّ مرتّب حيث تنهال الاتّصالات الهاتفيّة قاطعة الحوار الشيّق، لأن المدير يحلّ في هذا اليوم محلّ موظّفة اضطرّت أن تتغيّب عن العمل…! وهذه الموظّفة هي ابنته التي تعمل في الشركة الى جانب والدها وأشقّائها الثّلاثة. و«سعادة» المدير مكتملة بعمل أولاده الأربعة معه وبكونه جدّا لتسعة أحفاد، والسّعادة مصدرها سلام وقناعة وواقعيّة تلمسها فيه من أوّل لقاء معه، وتنتقل اليك كالعدوى خلال حديثك معه وعبر التلميحات القليلة حول مسيرته التي «تسرقها» أسئلتك من تواضعه العميق…

المدير… الكهربجي والدهّان

درس تلميذ مدرسة «الفرير» العلوم التّجاريّة والمحاسبة وأسّس شركته العام 1973 وكانت من أولى الشّركات التي تتعاطى في المعدات الطبّيّة الخاصة بالمستشفيات آنذاك، ورغم نكسات ماليّة عدّة واجهتها وبخاصّة خلال فترة الحرب، كانت تعود في كلّ مرّة، أقوى ممّا كانت عليه، بفضل قناعات مؤسّسها بأنّ الصّدق في التّعامل والوفاء بالوعود مهما كان الثّمن، هما مفتاحا النّجاح الى جانب العصاميّة التي تفرض «تسلّق السّلّم درجة درجة»، وهذه العصاميّة يراها نادرة لدى شباب اليوم «المستعجلين دائما والرّاغبين بالوصول الى أعلى السّلّم بدون مجهود، وهذا أمر لا يوصل الى الهدف بل يزلّ بقدم الانسان الى أسفل السّلّم». أمّا أسباب هذا الاستعجال لدى شباب اليوم فيردّه الى التّربية، مشيرا الى أنّه تلقّى تربية صارمة علّمته معنى التّعب وثماره، فقد كان يصحو عند السّاعة الخامسة فجرا ليرافق والده الى العمل قبل أن يتوجّه الى المدرسة عند الثّامنة صباحا، وقد ربّى أولاده على الأسس نفسها التي يعمل كذلك على ايصالها الى الأحفاد. وفي هذا الاطار يؤكّد أنّه ليس مدير شركة فحسب ولكنّه يستطيع أيضا أن يكون «دهّانا وكهربجيّا وكنّاساً للمكتب! لم لا؟ ما من شيء صعب اذا جرّبته والعمل هو عمل مهما كان نوعه، والعيب ليس الاّ في التّكّبّر على العمل». ويتساءل في هذا الاطار «لماذا يرفض الّلبنانيّون العمل في بعض مجالات المهن الحرّة مثل الكهرباء أو النّجارة أو الميكانيك أو السّمكريّة أو البناء أو تجارة الخضار والفواكه أو غيرها من مجالات العمل التي باتت حكرا على الأجنبي في لبنان، علما أنّها مهن تدرّ على صاحبها مداخيل ممتازة. وكذلك الأمر بالنّسبة الى الشّابّات اللّواتي يخجلن من ممارسة بعض المهن كتربية الأطفال مثلاً، ممّا جعل الكثيرين من الأطفال يتقنون لغات غريبة أكثر من إتقانهم اللّغة العربيّة!» ولكنّ الاجابة كما يراها، تكمن في أنّ اللّبناني «يستحي» بمركزه المهني ويرفض الاّ أن يكون طبيباً أو مهندساً أو محامياً، حتّى ولو كان عاطلا عن العمل، وهو أمر مستغرب لأنّه يضع هذا الحياء جانبا اذا سافر الى الخارج حيث يعمل في أيّ شيء «كرمى لعيون الهجرة» التي يضع فيها كلّ آماله التي تخيب في كثير من الأحيان… لقد جرّب بيير أسمر السّفر وكان ذلك عندما تعرّض لانتكاسة ماليّة كبيرة اضطرّته الى قبول عرض بالعمل في تجارة السيّارات بين الخليج وأفريقيا لفترة قصيرة، ولكنّه عاد الى لبنان لأنّه بلده بكلّ بساطة، ولأنّه لا يشغل باله بأخبار السّياسة بل يمارس عمله فقط ويركّز على الحفاظ عليه وتطويره من دون أن يخاف ممّا قد يأتي… ولكنّ عدم الخوف من الغد لا يعني عدم التّفكير به، وفي هذا الاطار ينصح الشّباب بالقناعة وعدم الحسد ويستغرب كيف أنّ الشّاب اللّبناني يصرّ على اقامة أفخر عرس حتّى ولو اضطرّ الى الاستدانة، ويصرّ على قضاء شهر العسل في الخارج «ولو بالدّين»، وهي أمور لمسها فعلا كربّ عمل لدى الكثيرين من الشّباب الّذين اقتنع بعضهم بنصيحته، فيما أصرّ البعض الآخر على رأيه ودفع الثّمن قلقا وتقتيرا عندما «راحت السّكرة واجت الفكرة…»

من لبنان الى الصّين

واذا كانت المسؤوليّة والعصاميّة من ضرورات النّجاح فهما لا تعنيان أبدا التّزمّت أو الانغلاق على الذّات كما يقول، لأنّ الحياة حلوة وقصيرة ولذلك يعيشها بحلوها ومرّها، ويستمتع بكلّ لحظة فيها سواء مع العائلة أو مع شركاء في لعب الطّاولة أو في خلوة برفقة كتاب أو في رحلة مع بعض الأحفاد ينوي القيام بها قريبا… هذه الخطوات البسيطة وما يشبهها تشكّل مصدرا كبيرا لفرحه، ولكنّ الفرح الأكبر يجده مع اللّه خالقه ومعينه ورفيق دربه، فهو يراه كلّ يوم بل «كلّ لحظة» كما يقول، وسؤاله عن اللّه وعلاقته به يشعل فيه شرارة فرح من نوع آخر، تتحوّل نارها الى دمعة في العين ورعشة في الصّوت تخبران قصصا عن الايمان والصّلاة والبشارة، بدءا من لبنان وصولا الى الصّين، حيث بشّر من دون أن يدري عددا من الأشخاص بالمسيح، وقد طلبوا فعلا سرّ العماد… والبشارة لم تبدأ بالكلام والوعظ، بل بمجرّد رسم اشارة الصّليب في مستهلّ كلّ عمل يقوم به سواء على وجبة عشاء أو غداء أو اجتماع عمل…

وفي الختام كما في البداية، تنتقل عدوى «سعادة» المدير الى محدّثه، ولكنّها هذه المرّة سعادة من نوع آخر، تجعلك تدرك عمق البساطة، وغنى القناعة وسلطة الخدمة، وتجعلك تفرح بالتّعب لأنّ تعب اليوم هو الفرح بثمار النّجاح الآتي بعد قليل …

ل. س.م.