أندريه جدعون

واكبت الإدارة الإنسان منذ وجوده، وعلى الرغم من بساطة حياته وعيشه، فقد انتهج الإدارة لتنظيم شؤونه. ومع تقدّم الحياة وتطوّرها، راحت فكرة الإدارة تزداد تبلورًا والحاجة إليها تتضاعف. ومن هنا تتميّز الإدارة بحتميّة الانتشار في انواع المؤسسات كلّها.
تُعتبر الإدارة المدرسيّة إحدى أهمّ الوحدات الإدارية في المُجتمع، كيف لا وهي تضطلع بمهمّة راقية وأساسيّة تتمثل في إدارة مصنع فكري وتربوي يُعنى بتربية الأجيال وإعداد رجال المستقبل.
لذا نلجأ إلى دراسة تاريخ التعليم في لبنان في محاولة لتبيان عناصر هذه الإدارة، وتشكّلها وتطوّرها ورسم “بروفيل” لها عبر حقبات التاريخ، دون الادّعاء أنّ المقالة ستكون شاملة ومُلمّة بالجوانب كافة.
كان التعليم، في المناطق اللبنانية خلال سيطرة الدولة العثمانية، ممسوكًا من قبل رجال الدين. فكان الخوري في كنيسته أو ديره، والشيخ في مسجده، هو معلّم الصف ومديره وناظره والمحاسب المالي والآمر الناهي في شؤون التعليم والتربية كلّها.
لقد شكّلت المدارس الدينيّة المنطلق الحقيقي للحركة التعليميّة التي كانت طوائفيّة، ولكن مدرسة تحت السنديانة تبقى فجر التعليم في لبنان، ورمزًا للتّراث التربوي اللبناني وعلامة فارقة لبدايات التعليم فيه، دون أن ننسى دور الكنيسة المارونية التي كانت المؤسسة الدينيّة الوحيدة التي لم تخضع كليًا لإرادة السلطنة العثمانية.
المدرسة المارونيّة
في الخامس من تموز سنة 1584، أنشأ البابا غريغوريوس الثالث عشر المدرسة المارونيّة في روما. وجاء في البراءة الرسوليّة هذه الكلمات: “… نبني مدرسة الموارنة ونؤسّسها حتى يتغذّى فيها ويتزيّن بالأخلاق الصالحة، ويتربى على التقوى والتعليم السليم والفضائل المسيحية الكاملة الواجبة كل مسيحيّ من شبان هذه الكنيسة”.
عاد الطلاب الى لبنان بعد تزوّدهم بالعلم لتعميم ما تعلّموه بتشجيع من البطاركة، الذين ناشدوا رؤساء الأبرشيّات والأديار أن يتعاونوا ويتضافروا على ترويج هذا العمل الكبير الفائدة فيُعنون أولا بتعيين معلّم حيث لا يوجد معلّم، ويُدوّنون أسماء الأحداث الذين هم أهل لاقتباس العلم، ويأمرون آباءهم بأن يسوقوهم إلى المدرسة ولو مُكرهين. وإن كانوا أيتامًا أو فقراء فلتقدّم لهم الكنيسة أو الدير ضروريات القوت.
في نصّ مُناشدة البطاركة هذا، نقرأ بتمعّن العبارة “تعيين معلّم حيث لا يوجد معلّم”، ونُشير إلى أنّ مَن يُعيّن المعلّم هو الأعلى منه رتبة أي من يتولّى إدارة المدرسة. وهذا نص قيّم ومن النصوص القليلة من تلك الفترة الذي يأتي على ذكر السعي الحثيث للبطاركة إلى تشجيع رؤساء الأبرشيّات والأديار على تأسيس مدارس، وتعيين قيّمين أو مديرين عليها ومعلّمين لها وإرساء فكرة إلزامية التعليم من خلال سَوْق الصبية إلى المدرسة، رغمًا عنهم وعن أهلهم والبحث عن طريقة لإعالة الفقراء منهم.
حقبة الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير (1572-1635)
شجّع الأمير فخر الدين بعد عودته من إيطاليا، إيفاد التلامذة إلى روما، ليتعلّموا اللغات الأجنبية وباقي العلوم. وعند عودتهم إلى لبنان، نشر هؤلاء ما تعلّموه بين الناشئين، ثم أسسوا المدارس للأحداث. كما ساعد تسامح فخر الدين في الشؤون الدينية على قدوم الإرساليات الأجنبية إلى لبنان، وإنشائها المدارس فيه، وأوّلها كانت إرسالية الآباء الكبوشيين.
أمّا أوّل مدرسة أنشأتها الكنيسة المارونيّة في لبنان، فكانت مدرسة حوقة في جبة بشرّي، عام 1624، والتي جرى نقلها عام 1670 إلى قنّوبين.
البطريركيّة المارونيّة وأولى محاولات التنظيم
بادرت البطريركيّة المارونيّة والرّهبانيّة اللبنانيّة إلى خلق أطر تنظيميّة تتولّى مهمّة إدارة المدرسة، وحساب المصاريف، وتنسيق عملية تعليم الأحداث. وانسجاما مع توصيات المجمع اللبناني، المنعقد في حراش سنة 1736، بذلت الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة جهودها لتوسيع نشاطها التعليمي. فلبّت الحاجات وفتحت مدارس في بعض القرى وعيّنت لها معلّمين، مثل دير القمر سنة 1752، وصيدا، وعجلتون، وتنورين، وبسكنتا، رغم معاناتها الضّائقة الماديّة في تلك الفترة. وجرى احتساب النفقات عبر الوقفيّات.
فأضحى الرّاهب اللبناني مديرًا للمدرسة، وناظرًا، ومعلّمًا، وفلاحًا وعاملا ومصلّيًا في آن معًا.
الأمير بشير الثاني الشهابي الكبير (1788-1840)
خلال الولاية الطويلة للأمير بشير بدأ المبشّرون والإرساليات بالتوافد إلى لبنان. كما تأسّست مدرسة دير المخلّص قرب صيدا في سنة 1831، وفي سنة 1833 دخل الروم الأرثوذكس ميدان السباق، فأنشأوا مدرستهم الشهيرة في البلمند بالقرب من طرابلس. وبعد ذلك بسنتين، مدرسة الثلاثة أقمار في بيروت.
وتأسست مدارس جديدة في مختلف المناطق اللبنانية. وما تجدر ملاحظته، دَور الرهبانيات النسائية الذي لم يكتفِ بالاهتمام بالمدارس وتولّي إدارتها والنجاح في هذا الميدان فحسب بل تعدّاه إلى فتح المياتم والمآوي والمستشفيات والمستوصفات وإدارتها، للتخفيف من الويلات.
ساعد حضور الرهبانيات الأجنبية وفتحها المدارس، على إعطاء النموذج الإداري التنظيمي المُتّبع في دولهم. فعمد الرهبان اللبنانيون إلى تنظيم مدارسهم بحسب هذا النمط، وكان رئيس الدير أو من ينوب عنه، يُعنى بالشؤون الإدارية والمالية للمدرسة، وتعيين المعلّمين، وتنظيم الدروس وإجراء الامتحانات والترفيع، وتأمين معيشة المعلّمين وجمع الأكلاف من أولياء الأمور.
إنطلاق التعليم الرسمي ودور السلطنة العثمانيّة
المحاولات الخجولة الأولى نحو إنشاء التعليم الرسمي بدأت في العام 1838، بهدف إعداد جهاز إداري مُدرَّب يكون أداة للإصلاح الإداري في أرجاء السلطنة العثمانيّة. ومن جملة التدابير العملية التنفيذيّة إنشاء مجلس دائم للمعارف، والتدرّج في التعليم في مستويات ثلاثة: ابتدائي وثانوي وعالٍ، ومجّانيّة التعليم الرسمي، وإضافة القراءة والكتابة والحساب إلى جانب التربية الدينيّة واللغة التركية، ومنح الطوائف حق إنشاء المدارس، وحظر إعطاء دروس تتعارض مع المبادئ الأخلاقية، وإخضاع برامج التعليم والمؤلّفات المدرسية لموافقة وزارة المعارف، والتشديد على إلزامية التعليم الابتدائي مع فرض عقوبة السجن على الأهل الذين يتمنّعون عن إرسال أولادهم إلى المدرسة، ومجّانية التعليم الابتدائي، واشتمال المدرسة على قسم الحضانة وقسم الفنون والصنائع.
ولكن عمليًا، وفي أحسن الأحوال، اقتصر التعليم الرسمي على بعض المدارس الابتدائية، القليلة العدد والمُبعثرة والمُكوّنة كلّ منها من غرفة واحدة تضم أكثر من خمسين ولدًا يؤمّها سوى أولاد الفقراء. وكانت هذه المدارس شديدة الانحطاط في مستوى تدريسها، وبرامجها واساتذتها، وأمكنتها، على عكس المدارس الخاصة التي كانت حسنة التنظيم، وراقية ومتطوّرة.
عهد المتصرّفيّة
اهتم المتصرّف الأوّل داود باشا لطلب سعيد بك تلحوق وكيل الطائفة الدرزيّة وأقرّ له ما يلي: أن يؤسس مدرسة في قرية عبيه لأنّها متوسطة بين قرى الطائفة، ولأنّ هواءها صحّي. وأنّ ينتقي لها معلّمين للغة العربية، وللغات الأجنبية، تكون فيهم الكفاءة، وأيضا لتعليم الحساب، ويرتّب لهم معاشًا بحسب استحقاقهم، وأن يقبل تلامذة بقدر احتمال إيرادات المدرسة لنفقات أكلهم وشراء كتبهم. إضافة إلى تعيينه خدّامًا، وطباخين، ومكارية، وأن يصرف ما يحتاج إليه التلاميذ من مأكل، ومنزل، ومشترى كتب فقط. وأمّا فَرشاتهم وكسوتهم وغير ذلك فيتكفّل بها الأهل.
وشدّد على إيجاد نظام للمدرسة، كان التالي:
أن يكون تعليم التلامذة سبع ساعات في النهار مُقتطعة غير مُتواصلة، وأن يتعلّم التلاميذ اللغة العربية، واللغة الاجنبية، وأصول الحساب، والخط، ومراسم الآداب. وأن يعيّن لهم أسبوعيًا يوم واحد للتعطيل. وأن يجري في السنة على ما تعلّمه التلاميذ، “فحصٌ واحدٌ” بحضور المعلّمين الثلاثة، والناظر، ومن شاء من معتبري الطائفة، وآباء التلاميذ.
والملاحظ في خلال عهد المتصرّفيّة، أنّ إدارة المدرسة اتّخذت شكلا واضحًا، من أشكال التنظيم الإداري الذي نعرفه حاليًا على الرغم من بدائيته. فلقد كان على رأس المدرسة، الناظر الذي يعمل على تعيين المعلّمين للمواد الدراسيّة، ويحرص على اختيار الأكفّاء منهم، وتنظيم الحصص التعليميّة، وأيام التعطيل واستقبال التلامذة وتسجيلهم والحرص على المصروف وتحصيل المدخول، وتأمين الطعام والكتب، وبمعنى آخر كان مُصرِّفًا للأعمال كافة في المدرسة من إدارية وتعليميّة وماليّة.
ولم تُرِد الطّائفة الأرثوذكسيّة أن تبقى بعيدة عن الحركة العلمية التي أخذت تزدهر في بيروت، فشاركت السيدة لبيبة جهشان في تأسيس جمعية ومدرسة زهرة الإحسان الأرثوذكسية في محلّة الأشرفيّة، وذلك لتأمين التربية والتعليم لأبناء الطائفة الأرثوذكسية.
أمّا المدارس التقليدية في بيروت، فبقيت على جمودها، فلا السّلطات العثمانية حاولت تطويرها ولا القيمون عليها كانوا قادرين على النهوض بها. ما حوّلها إلى سجن كرهه التلامذة، ولم يستسيغوا التعليم فيه. وكان الكثير من الذين تلقوا علوم الفقه والخطابة والحديث لا يُحسنون الكتابة، ويستعصي عليهم الكلام الفصيح ولا يتدبرون المعاني.
تلك كانت ملامح حركة التّعليم وتأسيس المدارس في لبنان، وكيفيّة تطوّرها خلال القرن التّاسع عشر. فلقد سعت كلّ طائفة إلى امتلاك مدارسها الخاصة، مقابل جهود متواضعة من جانب السّلطات الرّسميّة القائمة، لتوفير النّفقات والمستلزمات للمدارس العامة. كل ذلك، في ظلّ تصاعد توافد الإرساليات الأجنبيّة، ومبادراتها لافتتاح مدارس تنشر لغات بلدانها وثقافتها الأساسيّة، بحيث بات لكلّ جمعيّة رهبانيّة أو جماعة علمانيّة، مجموعة من المؤسسات التّربويّة، توزّعت في مختلف المناطق والرّبوع اللبنانيّة ساحلا وجبلا وسهلا، في محاولة لاستقطاب العدد الأكبر من طالبي العلم والمعرفة.
خلال حقبة الانتداب الفرنسي
خلال الحرب العالمية الأولى، أصيب لبنان بكارثة حقيقية، ولم تَسلم المدارس التي أغلقها العثمانيون أو أُغلقت حكمًا نتيجة للظروف. ومع إعلان الانتداب، سعت فرنسا إلى تشجيع التعليم الخاص الأجنبي والأهلي، ودعت الطوائف إلى إعادة فتح مدارسها وخصصت لها المساعدات الكبيرة. وهنا اتخذت المدرسة صورتها الإداريّة التي نعرفها اليوم، فكان لها المدير رأس السلطة المدرسيّة، يعاونه جهاز إداريّ، وهيئة معلّمين تعمل بتوجيهاته وإرشاداته، وهناك برامج تُدرّس وأقساط تُجبى.
يُشير تقرير للسيّد واصف بارودي مدير التربية الوطنية عام 1938 أنّ عدد التلامذة، بلغ آنذاك حوالي ستّة عشر ألفًا (16.000) في القطاع الرسمي، يُقابلهم تسعين ألفًا (90.000) في القطاع الخاص الأجنبي والمحلّي. في حين كانت النسبة تلميذ/معلّم، واحد إلى مئة.
أما سياسة المُنتدِب الفرنسي فكانت واضحة في لبنان لجهة تأمين مصالح فرنسا الاستعمارية والتجارية. وعمليًا يتلخّص موقفه بجعل التعليم الرسمي في المرتبة الثانية بعد التعليم الخاص، وبالتشجيع اللامحدود للتعليم الخاص وامتلاك أبناء البلد اللغة الفرنسية، وذلك ليسهل ربطهم بإدارة الانتداب، وانخراطهم في مشروعها. وبرزت هيمنتهم على التعليم والجهاز التربوي، إذ أشرفوا على تنظيم شؤون وزارة المعارف والفنون الجميلة منذ العام 1926، وعلى وضع مناهج التعليم، ونُظم الامتحانات، وكرّسوا تبعيّة التعليم الرسمي للقطاع الخاص.
الإدارة المدرسية حديثًا
ينصّ النظام الداخلي للمدارس الرسميّة على تعريف الإدارة المدرسية كما يلي: “هي تكليف أحد موظفي التعليم إدارة شؤون مدرسة معينة، بقرار صادر عن المدير العام للتربية الوطنية بناء على اقتراح خطي من مدير التعليم” (الابتدائي أو الثانوي).
بحسب التعريف والمراسيم والقرارات الرسميّة، فالإدارة عملية دقيقة تتطلّب إعدادًا وعناية فائقة ولكن! في لبنان يصبح الشخص مديرًا دون إعداد أو تدريب فعلي وجدي.
وفي تقرير قديم للمركز التربوي يعود للعام 1975، يذكر أنّ الذين من يحتاجون إلى التدريب والتأهيل هم: خمسة آلاف وماية وستة وعشرون (5.126) معلمًا من أصل عشرة الاف وماية وسبعين (10.170) في المرحلة الابتدائيّة، وألفان وثمانماية وثمانون (2.880) من أصل أربعة ألاف وسبعماية وستة وستين (4.766) معلمًا في المرحلة المتوسطة، والنظار البالغ عددهم ألفًا وثلاثماية وثلاثة وعشرين (1.323)، كذلك المديرون البالغ عددهم ثمانمئة وسبعة وعشرين (827) يحتاجون إلى إعداد خاص.
في إطار مشروع الإنماء التربوي، المُموّل من البنك الدولي، أجرت وزارة التربية دورات تدريبية لمديري المدارس الرسمية عام 2006، طاول حوالى أربعماية وخمسين (450) مديرًا من أصل أكثر من ألف وثلاثماية (1.300) مدير ومديرة. أمّا النتيجة، فلم تأتِ على قدْر الآمال والطموحات المنشودة والمتوخّاة.