كثيرة هي الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الحكومية التي لا تبغي الربح في لبنان، وجميعها خاضعة في قيامها للقوانين اللبنانية الرسمية. وكثيرون هم اللبنانيون الذين يتبرعون لتلك الجمعيات من منطلق المساهمة في مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان. وغالبا ما يجد المتبرعون في المؤسسات ذات الإدارة الدينية خير مكان للتبرع من منطلق الثقة بعمل رجال الدين. ولكن برزت في الآونة الأخيرة اتهامات أو شبهات وعلامات استفهام حول العديد من المؤسسات ذات الطابع الديني، منها ما تتخذ من خدمة الفقير حقلا لعملها وأخرى تعمل لخدمة المرضى المنبوذين، وأخرى ذات طابع روحي فقط، تطرح نفسها دارا للعبادة والصلاة، لتتهم في ما بعد بأنها مخالفة لمقومات دور العبادة الحقيقية ومستغلة الدين لتحقيق مآرب شخصية. ومن تلك المؤسسات ، مؤسسات مسيحية، مع العلم أنّ والشبهات ليست محصورة ببعض المؤسسات المسيحية، ولكن اخترنا التطرق الى بعض منها على سبيل المثال لا الحصر، والتزاما منّا برؤية “الخشبة التي في عيننا قبل النظر الى القذى في عين” الآخرين…

وبعيدا عن الإدانة أو إطلاق الأحكام، لأنّنا نريد النقد اٌلإيجابي والتّحسين، نورد لمحة سريعة عن الإتهامات التي تواجهها تلك الجمعيات، والتي تنعكس سلبا على صورة المؤسسات الأخرى، العاملة بضمير ومهنية في حقول الخدمة كافة.

من هذه الجمعيات والمؤسسات التي ورد اسمها في الإعلام: كاريتاس لبنان، جمعية كنسيّة دولية عريقة، التي واجهت أخيرا اتهامات بالفساد، إذ اتهم رؤساؤها السابقون في العهود الثلاثة الماضية، بصرف أموال بالملايين على مشاريع “غير تلك التي أرادها المتبرعون”… وذكرت أوساط كنسية وفي تطور جديد ، أن الفاتيكان طلب ملف مبنى “هوب” الذي استحصل من أجله رئيس سابق لكاريتاس على مبلغ نصف مليون دولار من عضو في مجلس أمناء المؤسسة المارونية للإنتشار، لتبين لاحقا أنها “لم تكن كافية لإنجاز بناء المبنى”، مما استدعى فتح تحقيقات قبل أن يتم طيّ الملف في لبنان … وفتحه في الفاتيكان.

“قدّيس” بيننا!

وأيضاً بيت المحبة أدونيس وما قرأناه في وسائل الإعلام عن الشبهات المالية التي تحوم حوله، وتجري داخل جدرانه ممارسات روحية خاطئة جدّاً، ومنها موضوع القدّيس جورج كيوان الذي “يبارك” المؤمنين والكهنة وبعضهم ينتمي إلى الرهبنة الأنطونية، الذين “يؤمنون” بجورج كيوان وأعماله ويدافعون عنه، حتى أنّ أحدهم “يتنفس” جورج كيوان. فالعذراء تسكن فيه وهو ينطق باسمها. لا نورد هنا جميع أسماء الكهنة مع أنهم معروفون لدى الرأي العام، لأن القصد ليس التشهير بل الإضاءة على الممارسات التي قيل عنها أنها خارجة على تعاليم الكنيسة الجامعة. إنّ جورج كيوان هو مالك الأرض المقام عليها بيت المحبة، فهل يمنحه هذا الأمر الحق بفعل ما يفعله؟ هل يمنحه هذا، الحق بأن تزين صوره الكنيسة في بيت المحبة وحتى أواني القدّاس؟! هل تسمح له ملكيّة الأرض بأنّ يتحرّش بسيّدة متزوّجة هي نقيب متقاعد في الأمن العام ثمّ يتّهمها بالجنون؟! هل يعطيه هذا، الحق بأن ينظم له أحد “المؤمنين” “طلبة” خاصة به تطلب شفاعته وحمايته تحت عنوان:”طلبة القديس جورج كيوان”؟! فالمسيحي المؤمن يتربّى على أن الكنيسة وتعاليمها ممثلة بالكهنة، التي هي الضامن الأكبر لصحة إيمانه وممارسته الإيمانية ،فما هو مصير هذا المؤمن إذا كان الكهنة يضلّلونه؟ كيف يميز بين الصح والخطأ، بين الصلاة والشعوذة ؟

انسحبت الرهبنة الأنطونية من بيت المحبة رسميّاً وأكدت الكنيسة على الخلل الذي يجري فيه، وعلى الرغم من ذلك ما زال الموضوع دون حلول والبعض يندفع وراء كيوان، ويرون في ما يقال عنهم “اضطهادا للمسيحيين الحقيقيين سوف يكافئهم الله بعده بإكليل المجد!” كما قال أحد العلمانيين منهم رافضا الكشف عن اسمه، مضيفا: “من منّا لم يصلّ له والده واضعا يده على رأسه كما يفعل جورج كيوان، من دون أن يكون هذا الوالد كاهنا…”

بيت “الغنيّ”

بيت الفقير- سانت ريتا هو بيت في عجلتون تجرأ أحد المتضررين وتقدم بشكوى جزائية ضده لدى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، وتحديدا ضد كل من ناجي صفير ونبيل حرفوش وكل من سوف يظهره التحقيق مسؤولا من المؤسسين، وذلك نتيجة ضروب الاحتيال وممارسات الطقوس الكنسية من تبريك وتعريف وتقديس، لكسب ثقة المؤمنين والاستيلاء على اموالهم بغية “التبرع بها واعالة الفقراء .” ولكن ظهر جليا تبدل “فقر” المذكورين الى غنى فاحش في وقت زمني قصير…

قصة مزار مار الياس عين سعادة تشبه قصة بيت الفقير سانت ريتا، فهو مزار تأسس منذ أكثر من 50 سنة، وكانت غايته من جمع التبرعات على اسم النبي الياس، “بناء مستشفى للفقراء” في المنطقة. بعد وفاة “المؤسس” أديب عبد المسيح الذي كان أيضا يبارك الزيت والماء ويصلي على المؤمنين، واستلام ابنته المزار منذ عقدين تقريبا، بدأ يجري الحديث عن “قضية تجارية بامتياز”.وفي ٢٦ أيلول ٢٠١٤ تقدّم مطران جبيل والبترون برسالة لأولاد الأبرشية بالقول “إنّ هذا المكان مستغل لممارسات تقترب من الشّعوذة.” وقد ختم أخيرا بالشمع الأحمر نتيجة دعاوى قضائية عمرها سنوات، بين ابنة أديب عبد المسيح والكنيسة الأرثوذكسية. ويقال أنّ جهات كنسيّة كانت “تغطّي” هذا المزار، ممّا أكسبه ثقة المؤمنين على مرّ السّنوات، فلماذا تأخّر الإقفال كلّ هذا الوقت إذا كان فعلا مكانا للشّعوذة؟

باراباس ما زال طليقا

في الحالات التي عرضناها، لم نقصد الإدانة أو إطلاق الأحكام، ولكن لنسأل كمؤمنين أولا وكلبنانيين لنا حقوق وعلينا واجبات، من يحمينا؟ أهو القانون أم الكنيسة، أم الإثنان معا؟ وما هو الحل إذا انقسمت الكنيسة على نفسها وكان لكهنتها ومسؤوليها رأيان متضاربان ،كما هو الحال في بيت المحبة مثلا؟ من يحمي مؤسسة دينية أو مدنية تعمل فعلا للخير من تعميم الرأي العام، الذي بات يرى في كل المؤسسات أو الجمعيات الخيرية عمليات سرقة ونصب واحتيال؟

في الشق المدني نعرف كلبنانيين “أنّ القانون لا يحمي المغفلين”، وبالتالي لا يحق لنا أن نشكو من التعرض للإحتيال، إذا لم نرفع الصوت ونتقدم بشكوى، ولا بد من أن نحصّل حقوقنا أو نجازي المعتدي بالحبس، ولو بعد حين. أما في الشق الديني فلا نعرف الى أي قانون نلتجئ إذا انقسم أهل الكنيسة على بعضهم البعض. هذا إذا تجرّأ أحدنا على رفع دعوى ضد رجل دين! ومن هذا المنطلق نتجرأ ونطالب الكنيسة بالتحقيق والمعالجة العلنية، وليس في الكواليس لكل أنواع الهرطقات، وبخاصة تلك المتعلقة بأرواح الناس ونفوسهم، فخسارة الأموال يمكن تعويضها، أما خسارة النفوس، فلا يعوضها أحد إلا الله الكلّي ّ القدرة وحده…

هذه الهواجس والمطالب، نقلناها الى القاضي الروحي الأرثوذكسي الأب ملحم الحوراني الذي أكّد أوّلا على أنّ الخطر حقيقي وموجود، ولكن المحاسبة أمر موجود أيضا في المجتمع المدني كما في الكنيسة، “شرط أن تصل الأمور المشبوهة الى المرجعية الكنسية المختصة”، مشيرا الى أنّ “المحاسبة ستحصل عاجلا أم آجلا، وإلا لما كان وجود للقضاء الروحي والقضاة الروحيين. وتأخّر المعالجات في بعض الأوقات مردّه الى ضرورة التأكّد من صحّة القرار الذي سوف يصدر كون القضية ذات أهمّيّة قصوى تتعلّق بصحّة الإيمان.”

وأشار الأب الحوراني الى أن “درهم وقاية خير من قنطار علاج” في ما يتعلق بهذه القضايا، بمعنى أنّ المعرفة لا تستحصل من دون بحث، وبالتالي “فالإنسان معني بالسؤال عن أي جمعية أو مؤسسة قبل أن يتبرع لها بأي شيء، سواء بالمال أو بالوقت أو بالخدمة، والسؤال يبدأ بكاهن الرعية وينتهي بأعلى مرجعية كنسية إذا اقتضى الأمر، فالكنيسة أمّ، ومن أولى واجباتها النصح والإرشاد.”

وإذا انقسمت المرجعيات الروحية حول قضيّة معينة؟ سؤال لم يجده الأب الحوراني جديدا، “فالخطأ والخطيئة موجودان منذ فجر البشرية” يقول، “والإنسان يتجه تاريخيا الى تفضيل المزوّر على الحقيقي، وخير دليل على ذلك اختيار الناس على عهد هيرودوس إنقاذ باراباس وهو اسم يعني “ابن الآب”، ولكنه ابن الآب المزوّر، وصلب السيد المسيح ابن الآب الحقيقي. وباراباس ما زال موجودا اليوم في كلّ مزوّر ومزيّف… وفي المقابل فإنّ كثيرين من صفاة القلوب والمؤمنين الحقيقيين بيسوع المسيح كانوا يصرخون بإطلاقه، وما زالوا حتى اليوم يبشرون باسمه ويبذلون حياتهم في سبيله، وهؤلاء هم الرعاة الحقيقيون، وإلى أمثالهم يجب اللجوء للنصح والإسترشاد.” ويوافق الأب الحوراني على أنّ الكنيسة تمرّ بأوقات عصيبة، ولكن “أبواب الجحيم لن تقوى عليها”، مضيفا “أنّ الكنيسة ليست حجارة وأديارا وكهنة وراهبات فحسب، ولكنّها جماعة المؤمنين، الحجارة الحيّة، وهياكل الروح القدس. وبما أنّ المسيح جعلنا أبناء لله لا عبيدا، فنحن إذا أحرار وحريتنا تعني المسؤولية والمواجهة في حال تعرّضنا للضرر من قبل أي جهة كانت، أرضية أو روحية…”

وبناء عليه، علينا طرح الصوت وإزاحة الغبار عن “المحرّمات”، فمساعدة الفقير والمحتاج والمريض واجب، ولكنه واجب يقابله الحق بالتأكّد من أنّ تلك المساعدة تصل فعلا الى أهدافها، وإلا كان المتبرّع مشاركا في تفشي الشر والفساد. والإيمان هو حياة المؤمن، ولكنّ الإيمان الأعمى ليس من الله، الذي أرسل ابنه الوحيد نورا للعالم، “ليبصر الذين لا يبصرون.” والشكّ بحثا عن اليقين ليس كفرا، لأنّ إصبع توما هو الذي جعل منه رسولا قديسا. وإذا كانت السلطة خدمة، فإنّ وضع النقاط على الحروف في القضايا المشبوهة بكلّ وضوح وعلنية، هو أبسط خدمة تقدّمها السلطة الكنسية لأولادها.

وإذا كان انتظار عودة الإبن الضّالّ بدلا من إدانته، والتفتيش عن الخروف الضائع وإعادته الى القطيع بدلا من تركه لمصيره، هي في أساس تعاليم الكنيسة، فإنّ حماية المؤمنين من شرّ مدّعي الرعاية أمر ضروريّ وملحّ، كي لا تضيع أيضا، الخراف التسعة والتسعون الباقية…   وكي لا تظلم مؤسسات أخرى كما يحصل أو يتمّ معاملة كلّ المؤسسات على أساس أنّها مشكلة أو ظاهرة غريبة أو تبقى المؤسسات المتّهمة متّهمة، نطالب بإجلاء الحقيقة ومتابعة الجواب على تساؤلات النّاس.

ل.م.