على وقع طبول الازمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية المتفاقمة في لبنان، تشتدّ آفة الفقر والجوع بشكل دراماتيكي، منذرةً بعواقب وخيمة. فقد فاقت النسبة المئوية للبنانيين الذين يعيشون في حال الفقر 37.5 %، منهم 400 ألف مواطن تحت خط الفقر، حسب آخر الاحصاءات الرسمية، وهي في زيادة مضطردة. وفي وقت يرتفع فيه عدد المتضوّرين جوعاً، نرى كميّات هائلة من الطعام تُهدر يومياً، ويكون مصيرها التلف. ومن الطبيعي أن يحرّك هذا الواقع المرير أصحاب الضمائر الإنسانية والناشطين في حقول تحقيق العدالة والأمن الغذائيَّين. أحد الحلول المطروحة على أرض الواقع جاء به “بنك الغذاء اللبناني” تحت شعار “معاً ضدّ الجوع”، ويقوم على توزيع الحصص الغذائية الفائضة على المحتاجين اللبنانيين من كل الطوائف، والقيام بحملات توعية حول أهمية عدم التفريط بالطعام.

“بنك الغذاء اللبناني” هو منظمة غير حكومية لا تبغي الربح، تأسست في العام 2012 وتضمّ مجموعة من سيدات ورجال أعمال لبنانيين. وقد أُخذت الفكرة عن “بنك الطعام المصري” الذي تأسس في العام 2006 والذي كان بدوره استوحى الفكرة من جمعيات في الولايات المتحدة الاميركية، نشأت غداة الحرب العالمية الثانية.

“أورا” التقت المديرة التنفيذية لـ”بنك الغذاء اللبناني” سهى زعيتر، التي أوضحت أن البنك يعمل كوسيط بين المؤسسات التي تشكو من هدر الطعام، وبين الجمعيات الخيرية والعائلات التي تشكو من قلة الطعام. ولفتت الى أنه يعطي الأولية للمواطنين اللبنانيين في وقت تتجه فيه حالياً أنظار المتبرّعين الأجانب ومنظماتهم إلى السوريين. أما هدف البنك فهو محاربة الجوع انطلاقاً من مبدأ عدم هدر النعم. وقد انطلق عمله بواسطة التعاون مع سلسلة من المطاعم والفنادق وصالات الأعراس والاحتفالات الكبرى والمخابز وشركات “الكايترينغ” من جهة، ومع جمعيات خيرية تملك معلومات عن العائلات المحتاجة (دار الأيتام الإسلامية، كاريتاس، دار العجزة الإسلامية، SOS إلخ…) من جهة أخرى. وفي هذا الإطار يقوم المشروع على التعاقد مع الجهة الأولى المشار إليها من أجل الحصول على ما يفيض عندها من طعام مطبوخ وغير مستهلك، فيتمّ توضيبه بطريقة تراعي شروط السلامة الغذائية، ثم يتمّ نقل هذا الطعام بواسطة سيارات مبرّدة تابعة للبنك، الى الجهة الثانية المتمثّلة بحوالى سبعين جمعية خيرية التي توزّع بدورها الحصص على المحتاجين خصوصاً في بيروت وجبل لبنان (نظراً لأهمية الإسراع في توزيع المواد المطبوخة في المناطق القريبة قبل تلفها). وإضافة الى ذلك، يعمل البنك على تأمين المواد الغذائية الى مراكز تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية في مناطق لبنانية عدة. وأشارت زعيتر الى أن هناك بعض المطاعم والجهات التجارية التي تقدّم ما يتوفّر لها من مواد غذائية شارفت صلاحياتها على الانتهاء فيتمّ توزيعها ايضاً ضمن نطاق تلك الصلاحية. ولا يقتصر عمل البنك على توزيع الأطعمة، بل هو أيضاً يتسلّم ويوزّع  الأدوات المدرسية، وحليب الأطفال، وقِطَع الأثاث من الكراسي والطاولات، والألعاب والدَراجات الهوائية، ولوازم التنظيف والإستحمام، والألبسة، وشراشف الفنادق وأدواتها المطبخية المستعملة، بالإضافة الى اي نوع تبرّع عيني آخر. اما الهدف من ذلك فهو المساهمة في التخفيفُ من مصاريف المعيشة على اللبنانيين المحتاجين حتى يتمكنوا من شراء الطعام.

وعن مشروع الشراكة بين بنك الغذاء ووزارة الشؤون الاجتماعية، قالت زعيتر أنه تم التعاون بين الاثنين في العام الماضي لتوزيع خمسين طناً من الارز على المحتاجين. وأضافت أن الوزارة وزّعت بطاقات لعشرة آلاف عائلة لبنانية تؤمن لهم الشراء من متاجر متعاونة مع البنك بقيمة 27 دولاراً أميركياً للفرد شهرياً.  أما عن كيفية تغطية نفقات البنك، فأوضحت زعيتر أنها تتوفّر بفضل رسوم الاشتراكات السنوية للأعضاء وتبرعات غير مشروطة لأشخاص ومصارف وشركات. هذا مع العلم أن عدد العاملين في المؤسسة لا يتجاوز ثلاثة اشخاص يعملون في الإدارة ومسؤولاً عن المستودع وثمانية أشخاص يقومون بعملية استلام وتسليم المواد الغذائية. لذلك تتم الاستعانة بالمتطوعين في الأحداث والمناسبات والاحتفالات.

كيف يتم تعميم الوعي حول الفقر والجوع وعدم التفريط في الطعام؟

يقيم “بنك الغذاء اللبناني” حملات إعلامية عبر وسائل الاعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التوعية حول نسبة الفقر في لبنان، وكيفية المساعدة على التصدي لهذة المشكلة والحدّ من تبعاتها. كذلك يجري حملات توعية سنوية في المدارس والجامعات، وحملات توعية وتبرعات أخرى في مناسبة يوم الغذاء العالمي وخلال مشاركته في ماراتون بيروت، إضافة الى حملات تبرّع عبر الـ SMS وإقامة حفل عشاء خيري سنوي إلخ… يذكر أيضاً أن البنك يعمل إلى جانب أربع جمعيات أخرى على وضع اقتراح مشروع قانون لمكافحة هدر الغذاء، وذلك عبر “تنظيم وتحديد آلية لتقديم المواد الغذائية الصالحة من قبل الجهات المانحة للغذاء الى المستهلك، مروراً بمؤسسات إعادة توزيع المواد الغذائية”. وعبّرت زعيتر عن تفاؤلها وثقتها في المجتمع اللبناني الذي يتفاعل أكثر فأكثر مع قضية عدم هدر الطعام، مشيرة الى إمكانية تحقيق هدف البنك في القضاء على الجوع في لبنان بحلول العام 2030.

في الختام

إن نشر الوعي وثقافة حفظ الطعام  مسؤولية  مجتمعنا بأكمله. وقد يكون من المفيد أن يطرح كل منا الأسئلة التالية على نفسه:

  • هل هناك هدر للطعام في منزلي؟
  • هل أرغب في تجنّب هدر الطعام؟
  • كيف أتعامل مع فائض الطعام؟ وكيف يمكن ان أفيد غيري به؟
  • هل تستفزّني مشاهد رمي الولائم في حاويات النفايات؟
  • هل يعي مجتمعنا قيمة الطعام وأهمية عدم التفريط فيه؟
  • هل يجب إعادة النظر في العادات والتقاليد المرتبطة بالبذخ والتبذير، والإفراط في الموائد والمآدب؟

كارول أبو نصّار صعب