المحامية جيهان القاصوف

عبارتان تتردّدان على مسامِعنا كلّ يوم! وهما تُشكّلان ركيزتين في القانون اللبناني!

 

فعبارة “حْسابك عِندي” قد تُعيد كلّ واحدٍ الى طفولته حيث يسترجع لحظات “الشيطنة” الولاّديّة  مُدركاً  بحدسه الإنساني  الفطري،  أنّ  لما  يفعله   تبعات، كون “ما اقترفه” قد يشكّل خَرقاً  لمبدأ  طبيعي، أو تجاوزاً لحدودٍ رسمتها العلاقات  البشريّة، أو مُخالفَة  لقاعدة  أرستها التربية!

ولكن … مع الإبتعاد عن الطفولة، ربّما تتحوّل “الشيطنة” البريئة الى أفعال مقصودة أو غير مقصودة، يعاقب عليها القانون الذي بات هو عنوان كلّ قاعدة أو مبدأ أو حدود!  وبالمُقابل لا مفرّ، مبدئياً، من النتائج، كون الفرد قد ارتبط من حيث أراد أو لم يُرد بعقد مع مجتمعه!

غير أن السؤال يُصبح: مَن يحاسب أو يُعاقب المخالف أو المرتكب ؟!

طبعاً يبقى “القصاص” بيد السّلطة! والسّلطة هي مبدئياً – في الأنظمة العادلة – “القضاء” بأجهزته كافة!  مما يعني أن أحداً لا يستطيع – مهما كان مُحقّاً أو مُستعجلاً – أن يستردّ حقّه المسلوب، بنفسه! والاّ بات مٌرتكباً جرم “استيفاء الحق بالذات”.

  • فالمالك، لا يسعه دخول المأجور وإخراج المستأجر منه بالقوّة، متى شاء – ولو كان المستأجر “مُقصّراً” في أداء موجباته أو متجاوزاً مدّة الاجارة قانوناً او تلك المتّفق عليها – وإنّما يترتّب على المالك الاستحصال على حكم قضائي، ومن ثم الإستعانة بدائرة التنفيذ المعنيّة!
  • والدائن، لا يمكنه بذاته بيع الممتلكات العقارية مثلاً العائدة الممتنع عن سداد الدين، من أجل إستيفاء أمواله المستحقّة ، كما لا يستطيع وضع يده على تلك الممتلكات بديلا عمّا خسره أو تعويضاً عمّا فاته من ربح، وإنّما يتعيّن عليه مراجعة القضاء المختص ليستعيد عنه القضاء ولمصلحته أمواله الضائعة!
  • كذلك أهل الضّحية، مهما كان مصابهم أليماً لا يستطيعون الإقتصاص من الفاعل بأيديهم! ولو فعلوا، لباتوا “مرتكبين” تتوجّب إدانتهم!
  • كما أنّ الأجير، الذي لم “يقبض” أجره، لا يحقّ له مهما كانت حاجته ماسّة لما هو حقّ له، “أخذ المال” من “صندوق” ربّ العمل، ولكن عليه مراجعة مجالس العمل التحكيميّة لتحصيل ما حُرم منه، وفق ما يحدّده قانون العمل!
  • وطالب الخدمة التي تفترض عملاً يدويّاً أو فنيّاً أو فكريّاً محدداً، لا يمكنه إكراه المطلوب منه الخدمة، عنوةً، على أداء فعله إذا تخلّف عن ذلك، يحقّ لِمن حُجبت عنه الخدمة المطلوبة، التوجّه الى المراجع القضائية الصالحة لإلزام الناكث بعمله بأداء الفعل عيناً إذا أمكن أو التعويض بدلاً !
  • وبكل الاحوال، كلّ بند جزائي في كلّ عقد، يتوجّب تنفيذه، العودة الى مرجع، مُنحت له سلطة التنفيذ!

 

 

وإذا كانت “المحاسبة” تحصل على أساس الفعل أو عدمه!  بالمقابل، فانّ العبارة العامية “عليك حِسبة”  التي تعني  عليك  واجب،  تشكّل  ركناً  من أركان ” العدالة  والمساواة ” كونها تشرح ضرورة  تبادل الموجبات وسببها :

فلا عمل دون أجر، ولا اجارة دون بدل، ولا بيع دون ثمن، ولا تجارة دون ربح، وكلّ فعل ينتج عنه ضرر، يوجب فاعله أو المسؤول عنه، على التعويض …

“خود واعطي” ليست فقط نصيحة أدبية لتبادل الكلام بهدوء وفهم في المجتمع، وإنما تعني تبادل الموجبات وتنفيذ الالتزامات، وصون الحدود من أجل صون الحقوق، إنه عقد متبادل بين أطرافه! أساسه، قبل كلّ شيء الأخلاق! وركيزته رغم كلّ شيء القِيم!

وإذا كان الدّهاء أو الحِنكة أو الشّطارة أو “السلبطة” أو الظرف المُؤاتي وغير المُؤاتي أو التدني في المستوى الإنساني أو النقص في المُقدّرات الأخلاقية او الحاجة او التحجُّج، قد أفرز خللاً في كلّ المبادئ  القانونية! وفرض تصرّفات إجراميّة مقيتة!  أو أداءً أنانياً مُستفِزّاً، أو جنوحاً نحو الاستفادة من شعار “ما بحقلّو وصحلّو”!!  فإنّ أحداً، مهما صنّف نفسه، لا يستطيع منع “الحساب” من أن يبقى جارياً …