يهدف هذه الطرح إلى تخصيص أسبوع كامل من السنة للبيئة في لبنان. اخترنا تاريخًا قريبًا من الأول من أيلول وكان سابقًا رأس السنة الرومانية، وهو اليوم الذي اقترُحَ يومًا للصلاة للخالق وللخليقة. تاريخيًا ولفترة طويلة حمّل العلماءُ التراث المسيحي مسؤولية تدهور البيئة. لا مجال هنا للدفاع عن هذه التُهمة، ولكن ما يهمُنا التشديد عليه اليوم هو أن المسيحيين على مُختلف طوائفهم يُولون الهمّ البيئي اهتمامًا كبيرًا. والأسباب التي تدفع بالمؤمن عامةً، والمسيحي خاصة للمحافظة على البيئةً كثيرة جدًا. فهو “شريك في الخلق”، يتبع وصية الخالق بالحفاظ عليها. كما أن الكتاب المُقدس يوصي بذلك أيضا.

تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أقسام:

  • في القسم الأول تقديم لمُقاربة عامة للمسيحية للبيئة والطبيعة.
  • في القسم الثاني تقديم لخبرة المسيحيين في لبنان في موضوع البيئة.
  • في القسم الثالث إقتراح أسبوع البيئة في لبنان.
  • مُقاربة عامة للمسيحية للبيئة والطبيعة: هناك خبرات مسيحية عالمية تجمع بين الإيمان والروحانية والبيئة عديدة نذكر في ما يلي بعضًا منها:
  • هناك نظرات فلسفية مُختلفة خاصة بالبيئة: هناك 1) الفلسفة الوضعية، 2) قبول الضرورة 3) النظرة الرومنسية، 4) النظرة التشاؤمية. ونظرة الديانات التوحيدية ومنها المسيحية. هذه النظرة تُخالف النظرة الرومنسية إذ تُزيل عن الطبيعة قدسيّتها، وتُميّز بين الخالق والمخلوق. فالله آخر، قُدوس وينبغي التمييز بين القُدوس والمُقدّس. ويؤدي هذا الفصل إلى الإقرار بغيرية الله Altérité، ويُعطي الخليقة معنًى مُحددًا. الله هو آخر. إنه غير الخليقة ومُنفصل عنها، والخليقة هي ثمرة فعلٍ سخيٍّ قام الله به. على هذا الأساس، فإنّ قيمة الخليقة نابعة من أصلها والغاية منها. إنها مشروع يُشرك الله في الإنسان، وتحمل هذه الشراكة في الكتاب المُقدس اسم العهد.

تجدر الإشارة الى أن موقف التوحيد من النظرات الفلسفية المُختلفة يختلف من ديانة إلى أخرى، ومن طائفة إلى أخرى. وينبع هذا الاختلاف من نظرة كل ديانة وكل طائفة إلى دور الإنسان ومكانته في الخليقة. فجميعُها تؤمن بأن الله هو مالكُ الكون وخالقه. ولكن بعضها يعتبر أن الله سخّر الكون لخدمة الإنسان، وبعضها يرى أن الإنسان هو وكيل الله على الأرض، وعليه أن يُؤدي حساب وكالته. بعضها يرى فيها دعوة إلى الإقرار بالبعد الكوني للعهد، وبعضها يكتفي بأن يعتبرها تأكيدًا على عظمة الله وضآلة الإنسان.

  • حضور الله وعلاقة الإنسان بالطبيعة: ترتبط علاقة الإنسان بالطبيعة بعلاقة الله بها: وهذه العلاقة تظهر بطريقتين: سمو الله الذي يقود إلى الاعتقاد بغيابه عن العالم، ودور الله في التاريخ الذي يقود إلى الاعتقاد بحضوره في العالم. فحين يزداد إيمان الإنسان بسموّ الله على الطبيعة، تصبح هذه أكثر فأكثر في تصرّف الإنسان. ويظهر هذا بطريقتين:

استثمار الإنسان للعالم: إذا كان الله لا يسكن العالم، يقع هذا العالم في قبضة الإنسان فيتعامل معه على أنه شيء يستثمرُهُ على هواه، بدون اكتراثٍ وحتى باحتقار، ويُخضعُهُ لجميع أنواع التلاعب العلمي والتقني. وهذا ما دفع البعض إلى توجيه التهمة للتراث اليهودي المسيحي: ” المسيحية، أو أقله أحد أنماطها الذي أثر في الغرب، تحمل نيّرًا ثقيلًأ من الذنب في شأن بعض مشكلاتنا الحاليّة (في شأن البيئة).

الإنسان وكيل على الطبيعة: هناك رأي آخر يقول إن الله سخّر الطبيعة للإنسان، ولكنه لم يسخرها له عشوائيًا ولم يُسلمها لنزواته، بل جعله وكيلًا، وعليه أن يُؤدي حساب وكالته. بهذا المفهوم تترك كلمة “تسلّط” المكان لكلمة “إدارة” الطبيعة.

إذا كان الله حاضرًا حقًا في الطبيعة، لن تكون لدينا الثُنائيتان: الله والطبيعة، الإنسان والطبيعة، بل ثلاثيّة: الله، الإنسان، والطبيعة. وقد عبّر مارتن بوبر Martin Buber  عنها بقوله: ” ليس العالم مكان التعامل الحقيقي للإنسان مع الله وحسب، بل هو موضوع هذا التعامل. فالله يُخاطب الإنسان مُباشرةً من خلال الأشياء والكائنات التي يضعها في حياته، ويردّ الإنسان عليه من خلال الأشياء والكائنات التي يضعها في حياته، ويردُ الإنسان عليه من خلال طريقة سلوكه تجاه هذه الأشياء والكائنات التي أرسلها الله. هذه هي علّة وجود كل “خدمة إلهيّة”. إنها ليست في الأصل سوى خدمة تحضير وتقديس مُتجددة دومًا من أجل هذا اللقاء بين الإنسان والله في العالم.

الكتاب المقدّس يعلّمنا أنّ للطبيعة حقوقا

 

  • يقترح علينا القديس فرنسيس، عبر أمانته للكتاب المقدس، الإعتراف بالطبيعة ككتابٍ رائع يكلمن
  • ا الله من خلاله، وينقل إلينا بعضًا من عظمته ومن صلاحه. “إن عظمة المخلوقات وجمالها يؤديان بالقياس إلى التأمل في خالقها” (حك 13:5) “ولا يزال ما لا يظهر من صفاته، أي قدرته الأزلية وألوهيته، ظاهرًا للبصائر في مخلوقاته” (روم 1:20). لهذا السبب كان يطلب ترك جزءٍ في بستان الخضروات الخاص بالدير بدون زراعة كي تنمو فيه النباتات البريّة، بحيث يمكن لمن يُعجب بها أن يرفع فكره إلى الله مُبدع هذا الجمال كله. إن العالم هو أكثر من مجرد مشكلة تحتاج لحلٍ، إنه سرٌّ مُفرحٌ نتأمله في غبطة وتسبيح.
  • علاقة الإنسان بالأرض: يتكلم الكتاب المُقدس على الأرض وكأنها كائن حيّ يردّ على السلوك السيئ أو الحسن الصادر عن الإنسان: “العلاقة بين الأرض وصاحبها لا تُشير إلى أن الأرض كتلة ميتة، بل هي علاقة عهد. والغلبة ليست للمالك في هذه العلاقة، لأن للأرض طبيعتها التي تجعلها حسّاسة وتفرض احترامها. لذلك يجب معاملتها على هذا الأساس وعدم الإساءة إليها”. وقد أعلن أيوب أنه احترم هذا العهد “إن صرخت عليّ الأرض وبكت أخاديدها، أو أكلتُ غلتها بلا فضة، أو قضيت على نفوس أربابها، فلينبت العوسج فيها بدل الحنطة، والشوك بدل الشعير” (أي 31: 38-40). وفي شرائع السبوت، للأرض الحق في الراحة مثل الإنسان (أح 25:1-7)، وهي تُشارك الإنسان في اللعنة التي حلّت عليه بسبب الخطيئة (تك 3: 17؛ 6:11-13).
  • أَحِبّوا الشجر: كان أحد الآباء الروحيين يقول: “هل تعرفون ان الله أعطانا وصية غير مكتوبة في الكتاب المقدس وهي “أحبّوا الشجر”. كان يعتقد ان من لا يحب الأشجار لا يحب الله، ويؤكد: «عندما تزرع شجرة، تزرع الرجاء والسلام والمحبة، وتأتيك بركة الله”. كان عنده الهمّ البيئيّ قبل أن يظهر الهمّ البيئيّ الحديث. كان، عندما يتقبّل اعترافات المزارعين في الجزيرة، يعطيهم فرضًا ان يزرعوا شجرة. وكان يجوب الجزيرة في الصيف ويسقي الأشجار اليافعة. كان تأثيره كبيرًا على باطمس التي بعد ان كانت تلالها جرداء في أوائل القرن العشرين تكسوها الآن غابات كثيفة.العلاقة بين الأرض وصاحبها هي علاقة عهد

     

  • لقد جعلتنا الأزمة البيئية ننتبه إلى الخليقة الواحدة التي تجمعُ الإنسان مع الطبيعة. والكتاب المُقدس يُعلمنا أن للطبيعة حقوقًا، وأن سلطة الإنسان محدودة بحقوق منحها الله لسائر العناصر الطبيعية. واستعمال آيات الكتاب المُقدس لتبرير استبداد الإنسان تجاه الطبيعة هو تشويه للمعاني الحقيقية لهذه الآيات. فالخليقة كانت مُنظمة ومُرتبة قبل ظهورِ الإنسان والرواية الأولى للتكوين تُذكر مرارًا عبارة: “كلٌّ بحسبِ صنفِهِ” سواء للنباتات أو للحيوانات. فالإنسان ظهر في عالمٍ مُنظم مُسبقًا، والله يأمره باحترام هذا النظام. والنصوص الحكميّة تدعو الإنسان إلى اكتشاف النظام الذي جعله الله في الكون بحكمته. وليست غاية هذه الدعوة تمكين الإنسان من استغلال الطبيعة، كما يقول فرنسيس باكون، وإنما تأمل سر الله الذي لا يُسبر غوره، وهو موقف يوضحه أحد الأمثال: )30: 18-19).

“ثلاثة يعجزني فهمها …:

طريق العقاب في السماء،

وطريق الحية على الصخر،

وطريق السفينة في عُرض البحر.

  • خبرة المسيحيين في لبنان في موضوع البيئة والحفاظ عليها.
  • يعمدُ البعض منذ سنة 1990 إلى تخصيص يومٍ للصلاة والتأمل بالخالق وبالخليقة. نُشرت صلاة خاصة بهذه المُناسبة: بعضها مُترجم والبعض الآخر كُتب فقط للمناسبة وطُبعت هذه الصلوات على أوراق مُعاد تصنيعها. كما أضاؤوا على أيقونات حديثة تُصور الخالق “يخلقُ النباتات” أو “الحيوانات” أو ينفخُ الروح في آدم الجدّ الأول.
  • منذ سنة 1995 أنشأت إحدى الرعايا في بيروت جمعية بيئية (مُسجلة في الدولة) تهتم بمحميّة طبيعية، ولا يُفرق مؤمنو هذه الرعية بين واجباتهم الدينية وواجباتهم البيئية.
  • تعمل حركاتٍ مسيحية شبابية في مجال التوعية البيئية وخاصة في مجال إدارة النفايات. إذ تعمد هذه الجمعيات إلى التشجيع على إدارة التدوير، تُعطي دروسًا في فرز النفايات والطريقة الأفضل لإدارتها، كما تعمل على إعادة تدوير ما يفرزه المؤمنون في بيوتهم ويأتون به للكنيسة. بعض هذه الحركات اعتمد على مبدأ “إعادة التدوير من أجل قضية” Recycle for a Cause، وغالبًا ما كانت القضية إجتماعيةً وإن كانت خلفية هذه الحركات مسيحيةً. كما تقوم هذه الحركات بأنشطة بيئية مُختلفة كالسياحية البيئية، المشي في الطبيعة، وحملات التشجير.
  • هناك عددٌ كبير من الجمعيات البيئية في لبنان تنطلق في عملها من خلفية دينية (مسيحية أو إسلامية).
  • إصدار بعض المراجع التي تتناول هذا الموضوع وهي كتابات مُختلفة للاهوتيين مسيحيين من كافة الكنائس نذكر منها:
    • كتابات الدكتور كوستي بندلي إذ تناول الموضوع البيئي من خلال طرحه موضوع “ثقافة الإستهلاك” المُدمرّة 1982.
    • مُساهمات البطريرك إغناطيوس هزيم والمطران جورج خضر حول الموضوع في مقالاتٍ مُختلفة (نُشر بعضها في جريدة محليّة).
    • كُتيّب “المسيحية والتلوث البيئي” – من موسوعة المعرفة المسيحية – قضايا (2010) للأب سامي حلّاق 56 صفحة .
    • كتاب “أوراق بيئيَّة” – قراءة في لاهوت البيئة، للكاتب نفسه (سنة 2011) وهو مرجع أراده كاتبُه شاملًا؛ ولكنه لم ينل حقَهُ بسبب الإضطرابات التي حدثت في تلك السنة في بعض البلدان العربية.
    • كتاب البيئة من الإيمان – البيئة والأديان سنة 2011 للأستاذ أنطوان تيّان.

كما نذكر رسالتين أثرتا في المسيحيين في لبنان وفي نظرتهما لموضوع البيئة:

  • “إذا شئت زرع السلام، فاحمِ الخليقة” رسالة البابا بندكتس السادس عشر لمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للسلام في الأول من يناير كانون الثاني 2010.
  • رسالة “كُن مُسَبحًا يا سيدي” لقداسة البابا فرنسيس حول العناية بالبيت المُشترك وهي تستوحي مما قيل سابقًا في موضوع البيئة وتطرح تحديات جديدة على المؤمن اليوم. وصدور هذه الرسالة مُهم جدًا في لبنان إذ بعد صدورها مُباشرةً أنشئت لجنة البيئة على صعيد البطريركيات الكاثوليكية وتضع هذه اللجنة حاليًا استراتيجية عملها ولا تستبعد من روزنامتها أنشطة بيئية تقليدية، كما أنها تدعو منذ سنة 2016 الى صلاة مسكونية في الاول من أيلول من أجل العناية بالخلقية.

إتشكيل مجموعة دراسية بدأت التواصل من خلال وسائل التواصل الإجتماعي لمناقشة المواضيع المُختلفة. تحمل هذه المجموعة إسم “البيئة والقِيَم الروحية”، تعمل في مرحلة أولى على الشق المسيحي وتسعى إلى الحوار مع المسلمين أيضًا لإيفاء الموضوع حقه.

نستنتجُ مما سبق التالي:

  • خبرات عديدة ومُختلفة تجمع بين الإيمان والبيئة، ولكنها غير مُنسقة (بعد).
  • لا يوجد إطار عام يجمع هذه التوجهات ويُظَّهرها.
  • هناك نقص كبير في المراجع باللغة العربية التي تُعالج الموضوع من جوانب عدة.
  • لا نجدُ في أي مدرسة لاهوت (أكاديمية أو اكليريكية) مادة لاهوت البيئة (Ecotheoloy) الموجودة في مناهج مدارس لاهوتيية مُخلتفة على صعيد العالم وعند العائلات المُختلفة.
  • لا تُعطي المراجع بعض المُصطلحات الحديثة قيمتها مثل:
  • Ecotheoloy لاهوت البيئة.
  • Ecojustice العدالة المُناخية.
  • Green Churches الكنائس الخضراء.
  • Food security الأمن الغذائي.
  • أسبوع البيئة في لبنان:

نستند على كل ما تقدم لنقترح مبادرة تقضي بتثبيت الأسبوع الأول من أيلول أُسبوعًا مسيحيًا للبيئة في لبنان، بعنوان “إذا شئت زرع السلام، فاحمِ الخليقة” نستطيع خلاله القيام بأنشطة مُختلفة وعلى مُستويات عدة:

  • الدعوة إلى الصلوات والصوم من أجل البيئة Fast for the Environment: مفهوم الصوم بالاساس هو مصالحة مع الطبيعة. من خلال الصوم يستطيع المؤمن ان يتصالح مع نفسه، مع الآخرين وحتى مع الطبيعة وذلك من خلال الامتناع عن أكل اللحوم والاكتفاء بالبقول والخضار.
  • مُحاضرات – طاولات مُستديرة: وذلك للإضاءة على المشاكل البيئية المُختلفة وكيفية مُعالجتها، وكيف تستطيع المؤسسة الكنسية المُساعدة. وهنا يبرز درو الإعلام في الإضاءة على هذه الخبرات المُتعددة.
  • تطبيقية – عملانية. ليقترن القول بالفعل، على المؤمنين بشكل عام والحركات الشبابية بشكل خاص المُبادرة إلى القيام بأنشطة بيئية تُرافق هذا الأسبوع (وقد لا تتوقف عنده).
    1. أنشطة تأسيسية: يعمد المؤمنون من خلالها لامتحان كيفية مطابقة المباني الكنسية لأساسيات ترشيد الطاقة أو إدارة النفيات (على سبيل المثال) وإيجاد طرق للمعالجة.
    2. أنشطة بسيطة مثل ال Hike ، حملات تنظيف للغابات والشطوط.
    3. أنشطة مُستدامة مثل إدارة محمية طبيعية او حديقة عامة، إطلاق مشروع إعادة تدوير نفايات صلبة، تنمية الأوقاف من خلال الزراعة وإنشاء الغابات، إلخ ….

داني العبيد د.

مجلة اورا العدد الثتمن والتاسع

المراجع:

 

  1. أوراق بيئية. قراءة في لاهوت البيئة الأب سامي حلّاق . دار المشرق 2011, 360 صفحة.
  2. الكنيسة في العالم آراء مسيحية في التزام شؤون الأرض. مطبعة النور. مجموعة من المؤلفين 1973، 174 صفحة
  3. “كُن مُسبَحًا يا سيدي” LAUDATO SI’ رسالة بابوية عامة، لقداسة البابا فرنسيس حول العناية بالبيت المشترك حاضرة الفاتيكان 2015، 232 صفحة.
  4. فتنة الإستهلاك أم فرح المُشاركة د. كوستي بندلي تعاونية النور للنشر والتوزيع 1982، 260 صفحة
  5. Greening the Orthodox Parish: A Handbook for Christian Ecological Practice Paperback – January 6, 2012 by Frederick W Krueger. 499 pages.
  6. Ecumenical Patriarchate, Orthodoxy and the Ecological Crisis, WWF 1990.