دخلتُ الى منزله في كفرشيما بعد رحيله بسنة تقريباً ، فوجدتُ طيفه يملأ البيت، يعيشُ في يوميات أفراد الأسرة ، يتحدثون عنه كما لم أسمع أحداً من قبل يتحدث عمن فارقهم ، بدا لي شخصاً تخطى الزمان والمكان . هنا الكرسي الذي كان يجلس عليه قرب طاولة ترك في دُرْجها عدداً من قرون الخروب ، وهنا نظّاراته وهناك أكوام من اوراق خطّ عليها قصة حياته، يُخْفيها عوض بحذر ففيها عن يوميات الوالد في الاذاعة وما قبل وما بعد والكثير من الأمور الخاصة بفنانين عرفهم وبقيت أخبارهم طي الكتمان ، عدا عن اسرار فَضّل تدوينها على الورق كي لا تفنى مع رحيله ولكنها بالفعل بقيت كالكنوز المغمورة في قعر البحار لن يصل إليها أحد.. !

ما نشره حليم الرومي عن حياته في الاذاعة تحت عنوان” ثلاثون سنة في خدمة الاذاعة اللبنانية “كان الوقود الذي غذّى مسيرتي الاعلامية منذ الثمانينات يوم حصلتُ على الكتاب بعد مقابلة فُزتُ بها مع ماجدة الرومي، يومها طلبتُ منها تزويدي بالمعلومات عن والدها فكان ان أعطتني رقم شقيقها عوض الذي أكملتُ معه مسيرة حياتي .

في كتاب حليم الرومي تعرفتُ على مؤسسي الاغنية اللبنانية وعلى الاذاعة اللبنانية التي كانت حلماً يدور في خيالي وتعرفتُ كيف أسس فيها أول فرقة موسيقية تعزف على النوتة واكتشف اشهر الاصوات التي صنعت مجد الاغنية اللبنانية ، وكيف بقيت الغصة في قلبه بعدما فاز بالجائزة الاولى في مباراة الموشحات في تونس عن العالم العربي سنة ١٩٧٣ يوم عاد منتصراً من تونس فوجد أنه حصل على خصم من معاشه بسبب غيابه لأيامٍ عن العمل. يومها وُعد بوسام من الدولة اللبنانية تكريماً لنجاحه لكن الوعد بقي وعداً الى حين رحيله…

في سنة ١٩٩٠ كرمه رئيس الجمهورية الياس الهراوي بوسام الارز من رتبة فارس ،ومنذ أشهر كرّمه وزير الاعلام ملحم الرياشي بإطلاق اسمه على ستوديو ٥ في اذاعة لبنان في ايار ٢٠١٧ . عن مكوثه في لبنان بعد مجيئه من قبرص سنة ١٩٥٠ حيث كان يعمل كمسؤول في اذاعة الشرق الأدنى حدّثتني الحبيبة ام عوض فقالت انه اتى بزيارة الى لبنان لرؤية أهله يومها طلبت منه الدولة اللبنانية البقاء لمدة ثلاثة اشهر لتنظيم المكتبة الموسيقية في الاذاعة وأغْرَته براتب يوازي راتب وزير وتحولت الاشهر الثلاثة الى ثلاثين سنة نظّم خلالها المكتبة على طريقة حديثة ما زالت متبعة حتى اليوم، وأسس لجنة للاستماع وتقييم الاصوات وحقق انجازات تشهد لعبقريته ، ولحن آلاف الاغنيات للكبار وغنى ،وما زالت اعماله تشكل كنزاً للأغنية الشرقية.

, لن اتحدث عن فنان لبناني كبير انطلق من مدينة صور حيث ولد سنة ١٩١٩ واصبح اسما مشعاً في عالم الفن يُقدّره الذواقة والنقاد وتُدرّس اعماله في الجامعات وتكرّمه، كما فعلت جامعة الكسليك في تشرين الثاني ٢٠١٧ حيث اصدر الاب الدكتور بديع الحج كتاباً يوثق اعماله وحياته بعنوان “يرنو بطرف”،, بل اردتُ ان اتكلمَ عن بعض النواحي التي ادركتُها لأني أعيشُ في بيته منذ ثلاثين سنة وحيث ما زال لتاريخ اليوم اسمه(اسم ولدي حليم ) وصوتُه يتردد في كل زوايا المنزل بتسجيلاته الخالدة وشخصيته التي زرع الكثير من خصالها في ابنه عوض شريكِ العمر .

, هنا يتحدثون ،منى عوض وماجدة الرائعة التي مشت على خطى الوالد العظيم و تمثّل مفخرة أو ارزة من أرزات لبنان، يتحدثون عن أب يجمع بين الحنان والجدية، عن فنان يدندن في غرفته فتولد اروع الالحان. ومن الغرفة انطلقت  اصوات كبار عمالقة الفن عبر الراديو : ام كلثوم عبد الوهاب وفايزة أحمد التي كان يقول انها تذوب رقة في الغناء., اراد حليم الرومي قبل رحيله بأيام حرقَ كل النوتات التي كتبها ولم تنفّذ فطلب من زوجته احراقها وكانت تُقدَّر بالمئات وبالفعل لم يبق منها الاّ القليل بعضه تحول الى مقدمة موسيقية نسمعها في افتتاح حفلات ماجدة الرومي. اراد ذلك خشية من ان الزمن المقبل لن يُقَدّر الاعمال الكبيرة أو انها كانت لحظة غضب بعد مسيرة فنية شاقة ., ثلاثون سنة عشتُها في المنزل في كفرشيما وما زلت اشعر ان كل من عاش فيه يعيش معنا. يبدو ان المنزل بجدرانه واشيائه وناسه وفِيٌّ لأحبابه.

ريتا نجيم الرومي

العدد الثامن والتاسع