“تخفيض نسبة البطالة عند الشباب من 9 الى 6 بالمئة” ، كان البند الأول في مشروع الحملة الإنتخابية  الرئاسية الأميركية لأوباما سنة 2009.  في نهاية الولاية الأولى تبين أن نسبة البطالة في اوساط الشباب  خفضت الى 7.50 بالمئة ، فجدد أوباما مع الدورة الرئاسية الثانية له الوعد للشباب بتخفيضها الى 6 بالمئة وسينجح.  هكذا تتصرّف الحكومات والرئاسات في البلدان الراقية،  وهذا هو التحدّي الأساسي والكبير للنجاح: خدمة الإنسان وبناء استراتيجية من خلال تأمين فرص العمل وحماية الإنتاج الوطني والإنماء المتوازن والحدّ من هجرة الشاب والأدمغة.

هذا هو المقياس الحقيقي لنجاح سياسة ما، ولتطور والشعوب والدول والإزدهار الإقتصادي والإجتماعي.  في بلادنا نجد بالمقابل أن الأكثرية الساحقة من الشباب والأدمغة تتعلّم عندنا،  ويدفع الأهل كل ما عندهم من بيع أرضهم لتعليم أولادهم الذين يهاجرون للعمل في الخارج ، وبالتالي تستثمرهم الدول التي لم تدفع حتى ليرة واحدة عليهم وتطور ذاتها  على أساس تحصيلهم العلمي وقدراتهم الفكرية والعقلية . لماذا؟ لإننا لا نملك خطة للإستفادة من هذه الموارد والطاقات البشرية الهائلة.

ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ ماذا تنفع مدارسنا وجامعاتنا العلامات المرتفعة والنجاحات الكبيرة ، إذا كنا نخرّج أجيالاً لنهجرها ونخسرها؟  ماذا ينفع الأهل إذا خسروا مالهم وأرضهم كمقدمة لخسارة أولادهم وتحضيرهم للهجرة؟؟  إن همنا الأساسي كمسؤولين تربويين ورحيين وسياسيين وأهل،  ينحصر في كيفية تأمين فرص عمل لشبابنا ، وحماية يدنا العاملة من اليد العاملة الأجنبية . بالمنطق الإقتصادي إن فرصة عمل واحدة في لبنان تؤمّن للعائلة سنوياً مبلغ خمسة وعشرون مليون ليرة  مع التقديمات والخدمات الأخرى التابعة للوظيفة. وهذا يؤمن دخلاً ثابتاً وكريماً للإنسان وتساعده على تأمين منزل وسيارة وبيئة حاضنة وواعدة.  كما أن الحركة الإقتصادية والمفعول المالي لهذا المبلغ يصل سنوياً الى مئة وخمسون مليوناً لإن العامل يقبض معاشه ويوزعه على: الفران، السوبرماركت، الحلاق… ويدفع قسط أولاده.

إن ذلك لربح كبير للعائلة إضافة الى القيمة المضافة الكبرى: بقاء شبابنا في أرضهم وتجذرهم فيها وتطوير شعوبهم وإنماء اقتصادهم.. كما يشارك الشباب في كافة ميادين الدولة: القطاع العام والقوى العسكرية ويغنونها بالحياة الجديدة والمشاركة الفعالّة.  فيتحقق بذلك العيش معاً والتوازن والإنماء.  ولا بدّ من الإشارة هنا بأن خطط مجلس الوزراء اللبناني منذ الإستقلال حتى اليوم لم تتضمن مشروعاً أو ورقة واحدة بهذا الخصوص.  وهذا غير مقبول في بلد 70% من سكانه بين عمر 18 و64 أي من فئة اليد العاملة الفاعلة.  أليس الهدف الأساسي من العمل السياسي هو خدمة الإنسان والشباب وتثبيتهم في أوطانهم؟

ماذا ينفع السياسة والسياسيون إذا خسروا أجيالهم وأصبحوا حكاماً يملكون “مفاتيح جبال  الصوان” والشعب غائب؟ ماذا ينفع الكنيسة من أوقاف وممتلكات وكنائس وأديار إذا أصبح المسؤولون الروحيون فيها أساقفة على مكّة ؟ ماذا ينفع المدارس والجامعات ببرامجها المتطورة ونجاحاتها المبهرة وصروحها العلمية المتراكمة والشاهقة، وخريجوها يذهبون من أبوابها الواسعة مباشرة الى الهجرة والإغتراب ؟

فلا شرعية بعد الآن.  وفي هذه الظروف المأساوية، لأي سلطة سياسية أو عسكرية أو روحية أو تربوية أو اقتصادية…. إذا لم يكن خدمة الشباب وتحفيزهم على البقاء في وطنهم،  همّها الأول.  حتى لا ينطبق علينا كلام الرّب للغني : ” لمن تبني هذه الإهراءات وتخزّن فيها الحبوب والبقول، وغداً صباحاً لن تكون حيث أنت” .

نعم فليكن همّنا الأول والأساسي خدمة شعبنا وشبابنا ووضع خطط للحفاظ عليهم وعلى أدمغتهم وبقائهم في وطنهم بكرامة، لإن في بقائهم استمرارية للوطن ولكل سلطة وللحياة الوافرة بالنعم، لأنهم أمل المستقبل وضمانة الغد، ولأن العبادة والإيمان تتجلّى في خدمة الإنسان .

رئيس اتحاد “أورا”

الأب طوني خضره