إلى رفيقي وصديقي ستافرو

الغائب الحاضر

 

خذلتني الحقيقة حين أتت صادمة في حدثٍ ما كنتُ أتوقّعه. بل لا أريد أن أصدّق حدوثه.

الحقيقة قاسية، تُسقط المشاعر والعواطف بالضربة القاضية. فترتفع الأيدي صوب الـ «فوق»، كأنّها الصراخ الذي نسمعه نحن فقط، ونتوجع منه إلى حدّ التمزّق.

جاءت الحقيقة بالموت. نهض الصديق من فراشه ورحل.

رحل مع المطر الزاحف إلى التراب.

هل سيزهر معه في موسم آتٍ؟

لا أظنّه. ترك الزّهر في محبرته، وريشته وألونه، وفوق أوراق صدمتها الحقيقة الكانت تعرفها، ولكن في غير وجه، وفي غير رعشة تطلع من الجسد متوهّجة، ثم تستقر.

رَغبتُ في المستحيل، ونَسيتُ ضعفي، نَسيتُ الحزن الكان يُطلّ برأسه في شؤون كثيرة.

نَسيتُ، بل ما تَنبّهتُ أنه في مرّة ما سيأتي بكلّ ما يملك من سواد في القلب، ليأخذ ما طالته يده. ما مرّ في بالي لحظةً أن هذا الحزن يخبئ في جيبه أسماء، لا يعلم أحدنا متى ستمتدّ اليد وترفعه في الهواء، يلتقطه طير أسود، ويهرب به إلى حيث يسقط الزمان والمكان في لجّة نهمة لابتلاع ما ومن يقترب منها.

٭٭٭

خذلتني الحقيقة ألف مرّة ومرّة، وما بلغت منها ثقة لجواب عن سؤال واحد، جميعنا نردّده، ولا نريد أن نصدّق، أو نقبله.

نهرب، نتلهى، نبتعد، والسؤال يلاحقنا، ومرّات يصفعنا، ولا نريد أن نصدّق.

نزف دمًا، دمعًا وحسرات، ولا نريد أن نصدّق.

تفتح لنا الحياة دفترها: هنا الأسماء كلّها أمامكم. صدقوا. ولا نصدّق.

تحرّضنا الذاكرة، هي أيضًا، بصورها وناسها، وأويقاتها الرحبة، وببعض سُكَّرها، وتخفي خلف ظلّها ما انوجعنا له وبه.

ننفخ الرماد عن أعيننا ونركض، ونظلّ نركض.

إلى أين؟

لن نستطيع الهرب، حتّى ونحن عراة.

نتمسّك برسومنا، أقلامنا، أوراقنا، وما كتبناه عمرًا واسمًا، واعتقدنا أنّنا نختبئ بها جميعها، نختبئ خلفها، في داخلها، في إعجاب أحبّة، وبريق صداقات..

… ولا شيء.

الحقيقة تعرف ذلك غيبًا، وتصرّ على «معموديّة» نارٍ، قبل الانتقال (حَسبَ الظنِّ)، إلى حيث ما لا نعرفه إلا بالمخيّلة، وما علينا سوى أن نعترف بـ «المشيئة» خاضعين مستسلمين لها، منذ البدء إلى الأبد.

… وستظلّ الحقيقة تخذلنا وتوجعنا.

جوزف ضاهر