لبنانيٌّ فخور بوطنه، ووطنه فخور بانجازاته.

خوسيه عويس من بلدة رشعين الشمالية، لا يحب الظهور الإعلامي، ولكن حبه للبنانيته دفعه إلى التحدث ولأول مرة، لأن ما جمعه بمجلة “أورا” هو الوطن.

ولد في ولاية فلوريدا الأميركية. انتقل للعيش في لبنان في عمر السنتين، ولكنه عاد مع أهله من حيث أتى بعد سبع سنوات، تاركا وراءه ذكريات الطفولة، وأهمها كلام أستاذه “كيف إنت لبناني وعايش بلبنان وما بتعرف تحكي عربي…؟! ”

                                                  هجرة الأجداد 

والدته من أصل لبناني ومن رشعين أيضا. ولدت وترعرعت في كوبا، البلد التي هاجر إليه أجدادها منذ زمن بعيد. مع سيطرة الرئيس فيدل  كاسترو على  كوبا سنة ١٩٥٩ قرّرت العائلة أن تنتقل للعيش في ولاية فلوريدا الأميركية، ولكنها لم تمكث طويلاً.

” لم يتأقلم جدّي مع الحياة هناك، طلب من جدتي أن يعودا الى لبنان ويعيشا مع أهل البلدة والأقارب، وهكذا كان، سافرا الى لبنان… والدتي بقيت في الولايات المتحدة وتابعت عملها كمحامية.  لم تتأخر في السفر الى لبنان للاطمئنان على أهلها. تعرفت إلى والدي، ودقّ القلب دقّات الحب، فقررا القيام بخطوة الإرتباط  الأبدي سنة ١٩٦٠ قبل أن يسافرا الى مدينة ميامي في فلوريد ويستقرّا فيها . وهناك رزقا بي وبشقيقتي وشقيقيّ الإثنين ( رحمهما الله).  ولأن أمي هي وحيدة والديها ، وبعد أن تقدم والداها في السن  من دون أن يكون  لديهما معيل إلى جانبهما، قررت هي ووالدي الإنتقال للعيش في لبنان سنة ١٩٦٧ للإهتمام بهما،  وكان عمري آنذاك سنتين.”

 

الانتقال الى ربوع الوطن بلغة عربية شبه معدومة

 

لم يتأثر خوسيه بالانتقال من بلد الى آخر، بسبب صغر سنه. ولكن مع الوقت  بدأ ينزعج، لأن وسيلة التواصل الأساسية مع أهل بلدته هي اللغة العربية اللبنانية التي كانت معرفته بها  شبه معدومة. فعائلة جده لأمه وأمه تتحدثان اللغة الإسبانية، ووالده الذي كان من المفترض أن يتكلم مع أولاده اللغة العربية، لا يرونه إلاّ في نهاية الأسبوع، نظرا لبعد المسافة بين المطار، مكان عمله، ورشعين مكان السكن.

“اشترى والدي شقة في جل الديب، وانتقلت العائلة للعيش هناك. التحقنا أنا وإخوتي بمدرسة للراهبات تعتمد اللغتين العربية والفرنسية. بالنسبة للغة الفرنسية لم تكن صعبة عليّ، لأنها قريبة إلى اللغة الاسبانية، لغتي الأساسية. اما بالنسبة للعربية، فعلاماتي في الإملاء لم تتعدِّ الصفر. أستاذي كان يتساءل دائما ما إذا كنت فعلا لبنانيا وأعيش في لبنان!”

لم تطل إقامة عائلة عويس في لبنان، فبعد أن أصيبت والدة خوسيه بمرض السرطان، سافرت الى نيويورك لتلقّي العلاج عند اخيها الذي كان طبيبا وأخصائيا في الأمراض السرطانية.

سنتان مرّتا ولم يتحسن وضع الوالدة. فكان  قرار مارك  والد خوسيه  بالسفر للعيش قرب زوجته. “تركنا لبنان مع بداية الحرب سنة ١٩٧٥ واستقرّينا في ميامي إلى ما بعد وفاة والدتي، بعد صراع مع مرض السرطان دام خمس سنوات.”

 

وفاة الوالدة  والسفر الى اوستراليا

 التقيت خوسيه عويس خلال المهرجان السنوي لكنيسة الوردية، في ولاية كاليفورنيا، ولم أتوقع ان تكون قصة حياته مؤثرة الى هذا الحد: “بعد وفاة والدتي، اصطحبنا والدي لزيارة عمي في اوستراليا ‘ لتغيير الجو’. أحببت الحياة هناك، وطلبت من والدي السماح لي بالبقاء ودخول الجامعة لدراسة طب الصيدلة. وهكذا كان. لكن دخولي الجامعة في أوستراليا لم يكن سهلا، حاولت ولمدة سنتين ولم أفلح بسبب االإقبال الكبير على هذا الاختصاص، ووجود جامعة واحدة تعلم طب الصيدلة آنذاك. لذلك، قررت العودة الى الولايات المتحدة الاميركية، والعيش مع والدي وإخوتي في بوسطن (أبي لم يعد يتحمل العيش في ميامي بعد وفاة شريكة حياته فانتقل للعيش في ولاية اخرى)، وهناك، التحقت بالجامعة قسم الصيدلة مع شقيقتي التي كانت قد اختارت الإختصاص عينه.”

 

من صيدلي الى منصب نائب مدير في شركة CVS

تخرجت، وعملت في مستشفى لمدة سنتين، بعدها انتقلت الى شركة CVS وهي صيدلية معروفة  ولها فروع في معظم الولايات الأميركية، عملت فيها كصيدلي لمدة اربع سنوات. تدرّجت في مناصب مختلفة، وعينت مديراً لعدد من فروعها في ولايات عدّة بينها أوهايو.”  ويضيف ببسمة ظاهرة: “هناك  تعرفت على زوجتي ألين خلال مشاركتي في المؤتمر الماروني السنوي الذي يشارك فيه كهنة الإنتشار والعلمانيين (NAM) ، تزوجنا ورزقنا بأولادي الثلاثة.” ويضيف: ” تنقّلت العائلة معي بين أكثر من ولاية لضرورات العمل إلى أن رسونا في كاليفورنيا.”

طموحه إلى إثبات ذاته بذاته، أوصله الى مركز نائب رئيس شركة CVS خلال  خمس ولايات. يُعلّم  أولاده الإتكال على أنفسهم وليس عليه، كما فعل والده: “الأموال التي أجنيها ساتنعّم بها أنا وألين، عندما نبلغ سن التقاعد.” يقولها ممازحاً.

 

 

زوجته الداعم الأكبر لحبه لوطنه

عن حبه لوطنه وتعلقه به وبتراثه، يقول بأن الفضل في ذلك يعود إلى زوجته ألين ووالده: “والدي قرر أن يقضي سن التقاعد في ربوع الوطن، فكنت أزوره سنويا لأطمئن على صحته، وليقضي هو بعض الوقت مع أولادي. ألين تحب لبنان وقد نقلت هذه ‘العدوى’ إلينا، ليس فقط من خلال زياراتنا السنوية للأهل والأصدقاء في لبنان، بل من خلال الروح الوطنية والإرث the legacy اللذين تربّت عليهما، وتعيش هذه المبادئ  مع عائلتها الصغيرة كما مع العائلة الكبيرة، أي أبناء رعية سيدة الوردية في مدينة Sacramento.

 

التبعية السياسية في لبنان

من خلال التزامه بالكنيسة، يشعر خوسيه انه يحافظ على إرثه اللبناني الماروني ويعيش لبنانيته. ويؤكد أن الوطن  ليس فقط الحدود الجغرافية والمكان: “لبنان هو بلدي وإن كنت متغربا عنه، ولكنه بلد صغير على طموح أبنائه ومستقبلهم، وبخاصة أنه يعاني من اللاإستقرار على الصعد كافّة.”

لا تستهوي السيد عويس السياسة  بالإجمال، ويرى أنّ الوضع في لبنان غير مستقر بسببها. وما هو غير مقبول بالنسبة إليه، هو  أن “المواطن يضطرّ أن يطلب المساعدة من السياسي بدلاً من أن تكون الدولة هي التي تلبي حاجاته وحقوقه، وهكذا يصبح المواطن رهينة السياسيين.”

الكنيسة هي امتداد لجذوره

الإلتزام بكنيسته هو الأساس في حياته، ويرى خوسيه بأن الكنيسة هي امتداد لجذوره اللبنانية. خلال سفره يعتمد على Google للبحث على كنيسة مارونية.

“جدي كان كاهن رعية رشعين، كنا نخاف أن نتكلّم داخل الكنيسة. منذ صغري حفظت القداس الماروني والتراتيل رغم أنّني لا أفهم معظم الكلمات، وأولادي أيضا. نشارك كعائلة في خدمة قداس الأحد، زوجتي مرنمة في جوقة الرعية، أولادي في خدمة المذبح، وأنا أقرأ الرسالة أحياناً بعد تحضيرها جيدا.”

“جو عويس حاضر معنويا وماديا لدعم الكنيسة المارونية وأبناء الرعية”، هذا ما يقوله خادم رعية سيدة الوردية الخوري غطاس الخوري.

خلال المهرجان السنوي الذي يقام لإحياء التراث اللبناني ودعم صندوق الرعية، يجنّد خوسيه نفسه وعائلته في الخدمة، والمشاركة في النشاطات الفنية منها، من خلال لوحات تراثية: دبكة ومسرحيات لبنانية وطنية على غرار “راجع يتعمر لبنان”، و”رزقالله  عالعربيات.”

“أولادي يتقنون فن  الدبكة مقارنة مع  جيلهم في لبنان” –يقول- ويضيف ببسمة: “في زيارتهم الاخيرة مع رفاقهم الصيف الماضي إلى لبنان، أعطوا دروسا خصوصية في فن الدبكة!”

 

الوطن بالنسبة إلى ابن رشعين المغترب، هو “الإرث الذي نحمله بالجينات Gene ، نعيشه أينما حللنا ونترجمه في علاقاتنا مع المنتشرين، مع الكنيسة ومع العائلة…أحب أن أقول إنّني من لبنان.”

ماغي مخلوف

مجلة اورا العدد 11