تستريح دير الأحمر في السفح الشرقي لسلسلة جبال لبنان الغربية في البقاع الشمالي، جارة قلعة بعلبك جغرافياً، تتفيّأ ظلال أرز الرب عند اشتداد المحن، وتلتحف خيوط الشمس المنبسطة على امتداد مساحتها، تاريخها الماروني يعود الى القرن الخامس عشر وتحديدا إلى العام 1489. عانت الكثير خلال الحرب الأهلية وصمدت، ناضلت بقوة الايمان وحافظت على هويتها المارونية، يسكنها لفيف من العائلات المتنوعة، وهي رمز للعيش المشترك الذي يتمثل في العلاقات الودية مع المناطق المجاورة على اختلاف طوائفها. أكثر ما يؤلمها أنها عانت من إهمال الدولة وحرمانها من المشاريع الانمائية المحقة خلال سنوات طوال ولا تزال. تشهد نهضة انمائية تشارك فيها الجمعيات الأهلية والتعاونيات الزراعية وغيرها.

ترتفع دير الأحمر عن سطح البحر 900 متر عند مدخلها لتصل الى ارتفاع 1150مترا. تبعد عن بيروت 105 كلم وعن زحلة 50 كلم وعن بعلبك 17 كلم. مناخها معتدل في الخريف والربيع جاف وجليدي في الشتاء، وحار في الصيف.

تتعدد الروايات حول معنى اسم “دير الاحمر”، فالبعض يقول بأن الاسم يعود الى دير قديم بني بالحجر الأحمر، الذي تشتهر به المنطقة، وبدأت التسمية بالدير الذي بني بالحجر الأحمر وصولاً الى دير الأحمر.
والبعض الآخر يروي ان معبد جوبيتير حُوِّل الى دير يسكنه الرهبان مع انتشار المسيحية، وكان السكان يأتون كل نهار احد لسماع القداس في الدير. وفي احدى الايام لم يقرع الجرس، فجاء الناس للاستفسار وعندما دخلوا الدير ذهلوا من منظر الرهبان كونهم ذبحوا والدماء تغطي جدران الدير وبدأوا بالصراخ “الدير أحمر”…وبعد ذلك تطورت الكلمة حتى اصبحت دير الاحمر.

وهناك سرد تاريخي آخر، يقضي بأن التسمية هي سريانية وتلفظ “دير أح مور” وتعني “معبد أخ السيد”. فالمنطقة سكنها الشعب السرياني من القرن الثامن للميلاد وكان فيها معبد صغير للإله الروماني جوبيتر الذي كان صغيراً بالنسبة لمعبد جوبيتر الكبير في بعلبك. فكان المعبد الكبير في بعلبك هو “السيّد” أما المعبد الصغير في هذه البلدة فكان يطلق عليه “أخ السيّد”. ولا يزال أهل البلدة حتى الآن يتكلمون اللغة العربية باللكنة السريانية، ويلفظون اسم البلدة بالشكل التالي: “دير الأحمُر”، أي بضمّ الميم.

تشكل دير الأحمر بموقعها الجغرافي صلة وصل رئيسة بين محافظتي البقاع والشمال، وبين بعلبك وكل من بشري ومرفأ طرابلس البحري.

لديها خمسة مخاتير ومجلس بلدي يحاول استنهاض البلدة بمشاريع انمائية على صعيد مياه الري والشفة، انشاء جهاز شرطة بلدية لحفظ الأمن، تنمية الزراعة من خلال انشاء برك المياه وتمديد قساطل الري وتشجير مساحات واسعة، تأمين الانارة والكهرباء بمدّ شبكة كابلات جديدة ووضع مولدات كهربائية في الاستخدام، الاهتمام بالشؤون الاجتماعية والصحية والرياضية، التربية والمدارس، افتتاح مراكز عامة، انشاء اتحاد بلديات منطقة دير الأحمر يضم المناطق المجاورة والبالغ عددها نحو ثمانية، تعبيد الطرقات، العمل على مشروع الصرف الصحي والنفايات والنظافة والبناء والعمران.

 

جذور وصلابة

تتبع الرعية رعائياً الى مطرانية بعلبك – دير الأحمر. لديها علاقة ايمانية وطيدة ومميزة مع كنيسة سيدة الزورع. وقصة هذه العلاقة لها جذورها، إذ أن سكان المنطقة الأوائل بنوها وأطلقوا عليها هذا الاسم تيمناً بالحصول على الغلال الوفيرة وبنوا بيوتهم حولها. ولما حدث زلزال سنة 1759 تهدمت الكنيسة ومعها بعض من بيوتهم، ففكروا أن يبنوا كنيستهم الجديدة على أرض صخرية لكي تقاوم العوامل الطبيعية، فاختاروا المعبد الروماني الذي كان قد تحول الى دير ويقع على بعد حوالي 150م شمالي غربي سيدة الزورع وكان الى جانبه برج مؤلف من ثلاث طبقات. وأطلقوا على الكنيسة الجديدة اسم سيدة البرج متخذينها لهم شفيعة الحماية والدفاع. ويلاحظ ان بعض أساسات هذه الكنيسة هي من حجارة المعبد المذكور.

يبلغ عدد سكانها حوالى 15 ألفاً مقيمين ومنتشرين في البلاد وخارجها. تستقطب معظم سكان الرعايا المجاورة بسبب تداخل عائلات المنطقة، وتواجد معظم المؤسسات الكنسية والمدنية والرسمية فيها. تعتبر القلب النابض للمنطقة، تحافظ على ايمانها الكاثوليكي، ويتمسك أبناؤها بالعادات والتقاليد المسيحية، مما يجعلها بعيدة عن البدع والانحرافات الدينية. كانت وما زالت تشكل مع البلدات المجاورة الدرع الواقية الأولى وتعي دورها الأساسي في حماية عمق المناطق المسيحية المتاخمة لها والدفاع عنها. كما ويعتمد على أهلها في المهمات الصعاب، لأنهم يبذلون أنفسهم في سبيل الحفاظ على أرضهم وايمانهم.

ان النزوح الى المدينة في فصل الشتاء طلباً للعلم وفرص العمل، يجعل البلدة في حالة نزف لعنصر الشبيبة. هذا يستدعي الاهتمام من الجميع للعمل على ايجاد هذه الفرص داخل المنطقة، عن طريق تشجيع اصحاب الرساميل على القيام بمشاريع انتاجية (معامل وتعاونيات ومشاريع سياحية وغيرها).

تشتهر بزراعة الحبوب على أنواعها والكرمة ذات الجودة العالية المخصصة لصناعة النبيذ، كما تنتج تبغاً جيد النوعية، وتتميز أحراجها بالأشجار النادرة مثل اللزاب الى مساحات واسعة من السنديان والملول والأشجار المثمرة وغيرها. لكن هذه الزراعات لا تكفي دائماً حاجة المزارعين، لأنها مهددة بالصقيع، حيث ان مناخها شبه صحراوي ونسبة الأمطار قليلة.

القلب النابض للمناطق المجاورة

على صعيد المؤسسات الكنسية والمدنية، يوجد فيها مركز مطرانية بعلبك دير الأحمر، قلم نفوس دير الأحمر، فصيلة ومخفر دير الأحمر، مركز الدفاع المدني، مركز الأحراج، ثانوية دير الأحمر الرسمية، مكتب مياه الشفة والري، المشغل الزراعي… العمل جارٍ لبناء وتجهيز المركز الصحي بإشراف المطرانية ومدرسة تتولى ادارتها راهبات العائلة المقدسة المارونيات.

على الصعيد الروحي، يتميز أبناء المنطقة بالإيمان الكاثوليكي العميق واحترام المكرسين والإرتباط بأرضهم وسمعة بلدتهم ورفض كل البدع والإنحرافات الدينية، ويتعلقون بتكريم العذراء والقديسين، وبخاصة شفعاء كنائس الرعية، ومنها سيدة الزروع، سيدة البرج، مار يوسف، مار جرجس، مار نهرا، مار شربل. ويقيمون سلسلة من المهرجانات الخاصة لكل مناسبة، انما لعيد السيدة العذراء مهرجاناً مميزاً على مختلف الأصعدة.   تُعدّ رعية حيوية لما أعطت الكنيسة دعوات كهنوتية ورهبانية عديدة ومواهب متعددة. يتميز أبناؤها بحسن الجوار واحترام الضيف وتكريمه، ويتصفون بعزة النفس والعنفوان ويحافظون على القيم الإنسانية ويتحلون بالفضائل المسيحية.

أما اوقاف دير الأحمر فهي فقيرة اجمالاً ليس لها مردود سوى “الصينية” والنذورات، باستثناء وقفي سيدة البرج ومار يوسف، اللذين يملكان بعض العقارات ذات المردود الضئيل.

في البلدة مركز لرهبنة المحبة لراهبات الراعي الصالح للعناية بالفتيات والنساء اللواتي يتعرضن لصعوبات حياتية خاصة. وكذلك دير أخوات الصليب (يسمى دير أخوات يسوع المتروك)، ويقمن بمساعدة المحتاجين وكل من يلجأ الى الدير طلباً لرياضة روحية.

حضور فني لـ “دبكة دير الأحمر”

على الصعيد الفني، تتمايز البلدة بفرقة دبكة دير الأحمر التراثية التي تعيد نبض الحياة الى الدبكة اللبنانية التقليدية مع الذين حافظوا على هذا التراث (رجال ونساء من كبار السن، قلوبهم بيضاء وشعر رؤوسهم أبيض أكثر، ودعساتهم فيها من العنفوان والصلابة المتحدة بالأرض) ومعهم باقة من الجيل الجديد المتحمس لهذه الدبكة ولإعادة إحيائها والحفاظ عليها. ومن أبرز المناسبات التي شاركت بها، استقبال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في القصر الجمهوري، بطلب من رئيس الجمهورية آنذاك الياس الهراوي، مهرجانات الأرز الدولية في العام 2015، كما شاركت في عدد من البرامج التلفزيونية، منها: “ستار أكاديمي”، “ديو المشاهير” و “Arabs Got Talent 2017”.

منذ تأسيسها في العام 1986 ضمّت في صفوفها شباباً، باتت أعمارهم تتراوح اليوم بين الخمسين والثمانين سنة، من بينهم امرأة ترقص بالإبريق عمرها 75 سنة، ورجل يعزف على المجوز مع الفرقة منذ انطلاقتها.

على الصعيد التربوي، يوجد فيها ثانوية رسمية ومدرسة لراهبات العائلة المقدسة المارونيات ومعهد مهني حديث النشأة يقدم عدة الاختصاصات.

على الصعيد الزراعي، يعتمد الأهالي المقيمون في البلدة على الزراعة من الكرمة والتبغ والحبوب على أنواعها … (بطاطا وبصل)، وغالباً ما تتلف المواسم بسبب الشح في المياه والمناخ شبه الصحراوي. وتمّ انشاء “الجمعية التعاونية الزراعية العامة” و”التعاونية المتحدة للتعاونيات الزراعية”. كما أُنشئ براد لتبريد التفاح والاجاص والبطاطا وغيرها. يتمّ تصريف 120 طن من التفاح الى الخارج، كما انه ستتوفر آلة لتعريب التفاح وتصنيفه بمساعدة من الـ UNDP وغربال للبطاطا. ويتألف البراد من ثلاث غرف تبريد وصالة للتوضيب، وهو يتسع اليوم نحو 40 ألف صندوق تفاح.

انتاج النبيذ

على الصعيد الصناعي برزت خلال السنوات الأخيرة صناعة النبيذ وأُنشئ العديد من الخمارات نظراً لجودة النبيذ العالية، وقد اعتمدت في انشائها معايير عالمية ومنها خمارة البيت البلدي التي تمتاز بالشروط الطبيعية وتعطي نبيذاً عضوياً من دون مكونات كيميائية أو مواد حافظة. وهناك تعاونية “Coteaux Heliopolis”   (كوتو هليوبولس) لزراعة الكرمة التي تعمل لرفع مستوى دخل المزارعين من خلال زراعة العنب وشراء الانتاج وتصنيعه نبيذاً. ويعود هذا المشروع بالفائدة على عموم أهالي البلدة وجوارها لأهميته وحيويته، ويساعد على إبقاء الأهالي في مناطقهم والتخفيف من نسبة النزوح الى المدن، نظراً الى المدخول المتوقع الحصول عليه من الأراضي الزراعية التي لم تُزرع من قبل بسبب عدم ملائمة المناخ ونوعية التربة لمختلف الزراعات بسبب قلة مياه الأمطار. وأنشئت خمارة دير الأحمر التي تستوعب كمية كبيرة من انتاج العنب.

وقد نجحت زراعة الكرمة في هذه المنطقة وجوارها بسبب التربة والمناخ واعتماد أنواع شتول ذات جودة عالمية. وبات يصدر الانتاج الى الخارج.

على الصعيد المؤسساتي: أنشئ العديد من الجمعيات ومنها: مؤسسة “جنى الأيادي” التي تضم مجموعة من السيدات لصناعة ما يسمى “المونة اللبنانية”. “رابطة سيدات دير الأحمر للتنمية الريفية المستدامة” التي تهدف الى تنمية المهارات لدى المرأة وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للعائلة. كاريتاس لبنان – اقليم البقاع الشمالي- دير الأحمر الذي يطلع على ما يحتاجه أبناء المنطقة من مساعدة مرضية أو غيرها. “جمعية أبناء منطقة دير الأحمر” التي تتولى نشاطات ثقافية وخدمات انمائية. “النادي الرياضي والثقافي” الذي يهتم بشؤون الشباب الرياضية فبنى ملعباً خاصاً للنادي لإقامة التدريب، وشكّل فريقاً للشباب وفريقاً للشابات وقد خاض الفريقان مباراة اتحاد كرة السلة اللبناني.

سوق للخضار

على الصعيد التجاري، يتمّ حالياً إنشاء سوق للخضار في منطقة دير الأحمر، بدعم من البلدية واتحاد التعاونيات وجمعية Mercy Corps، يتألف من 14 باباً، كل باب مخصص لتعاونية تعرض فيه ما لديها من انتاج خضار وفواكه وما شابه، فيشكل مساحة يلتقي فيها التجار والزبائن لتبادل البضاعة مما يزيد من حركة البيع والشراء ويؤدي الى بيع المحاصيل الزراعية بأسعار أفضل.

وتنشط في الآونة الأخيرة حركة المقالع والمناشير نظراً لتهافت الناس على البناء باستعمال الحجر الصلب. كما يتمّ تصدير البطاطا والتفاح والكرز والمشمش وكافة المنتوجات المتنوعة التي يزداد الطلب عليها لجودتها.

هذه البلدة كما جاء في كتاب للأستاذ عصام كرم (كاتب من أبناء المنطقة) بعنوان “تاريخ الموارنة في دير الأحمر ومنطقتها”، هي “تاريخ حافل، في بقعة مدّت محيطها ولبنان بالرجالات والمثقفين وبناة الوطن. هي جزء من تاريخ، رافد من نهر، وقبس من وفاء”.

م.ط